في زمن كورونا.. تباعد اجتماعي وتقارب تكنولوجي

في زمن كورونا.. تباعد اجتماعي وتقارب تكنولوجي

لجأ كثير من الأساتذة الجامعيين إلى الدروس الافتراضية بسبب كورونا (Getty)

أفرزت ظروف الحجر المنزلي، بسبب انتشار فيروس كورونا، عدّة مبادرات تعليمية وورشات تدريبية عبر الفضاء الافتراضي، تستقطب آلاف المتابعين والمهتمين، بعد استغلال المنصات الرقمية لتبادل الخبرات الأكاديمية، يعكف على تسييرها أساتذة الجامعات وطلبة وباحثين في شتّى التخصّصات العلمية في الجزائر، ومدّ جسور بينهم وبين زملائهم في مختلف الدول.

معضلة البحث العلمي، تؤرّق الآلاف من طلبة الجامعات الجزائرية، خصوصًا أمام ظروف الغلق الكامل لمختلف الملحقات البحثية

على مدار أزيد من شهرين، ومنذ إعلان الجزائر إجراءات الحجر الصحي، وقرار غلق الجامعات في الـ 12 آذار/مارس الماضي، أطلق المهتمون بالتعليم الجامعي، عشرات الصفحات تقدم محاضرات وتجارب الأستاذة في التحليل الأكاديمي، والتفاعل مع أسئلة الطلبة والباحثين، ارتفع منسوب التعاطي معها في سهرات شهر رمضان.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا وشهر الصيام.. ما الذي افتقده الجزائريون؟

تعزّز هذه المحاضرات الروابط بين الأساتذة والطلبة وتفتح العلاقة على عوامل روحية ستمثل إضافة إلى مستويات التقدير بين الطرفين، وتبعث على تبادل الخبرات العلمية بين مختلف شرائح الطلبة في عدة تخصصات علمية واجتماعية وتكنولوجية، فضلا عن إخراج الطلبة من روتين الحجر المنزلي والاضطرابات النفسية المصاحبة له.

يرى كثيرون أنها تجربة جديدة في إطار التعليم العالي عن بعد، ولقيت استحسانًا من العديد من الطلبة، مع استخدام تقنية البث الحي، ويعاد النشر على الصفحة، ليستفيد منها الطلبة الجامعيون، هنا، تؤكّد الطالبة حليمة شريد من جامعة العلوم الإنسانية بمستغانم، لـ "الترا جزائر"، أنها وجدت ضالتها في مثل هذه الصفحات الفيسبوكية، التي تتابع من خلالها عديد المحاضرات التي يقدمها أساتذة في تخصّصها العلوم الاجتماعية.

معضلة البحث العلمي، تؤرّق الآلاف من طلبة الجامعات الجزائرية، خصوصًا أمام ظروف الغلق الكامل لمختلف الملحقات البحثية، من مراكز بحثية ومكتبات جامعية، وهو ما دفع عددًا من الأساتذة إلى إطلاق صفحة "آفاق الإعلام والاتصال"، لتقديم ورشات تدريبية خاصة بالطلبة، حيث تطوّع الأستاذ نصر الدين مهداوي، من جامعة سطيف، لتقديم محاضرات في نظريات الإتصال بتدريبات مختصّصة، ومفتوحة لجميع الطلبة المتخصّصين في الإعلام. هنا، يقول مهداوي في حديث إلى "الترا جزائر"، إن الهدف منها تأسيس قاعدة معرفية للطلبة، من شأنها أن تذلل صعاب القواعد المنهجية الإجابة عن مشكلات بحثية.

تهدف هذه الوسائط العلمية إلى تبادل المعارف من مختلف شرائح الحقول العلمية، كما قال الأستاذ مهداوي، إذ أشرف عدد من الأساتذة على إطلاق مبادرة ضخمة، على الصعيد الوطني والدولي، والمتعلقة بتنظيم منتدى عربي عبر تقنية التحاضر عن بعد، بعنوان "التربية الإعلامية في زمن الميديا الجديدة" وعرفت مشاركات عربية ودولية من قطر والعراق والأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية وماليزيا والمغرب و الإمارات العربية المتحدة، والتي أعطيناها طابعًا خاصًا طيلة شهر رمضان المبارك" ، يضيف المتحدّث.

البديل لغلق المكتبات

في ظلّ التباعد الاجتماعي، الذي فرضته جائحة كورونا على الأفراد في مختلف الدول، بات التقارب التكنولوجي وسيلة مهمة في تحفيز الطلبة على مواصلة تحصيلهم الأكاديمي وخصوصا المقبلون على التخرّج، في فترة أغلقت فيها كل المكتبات الجامعية، إذ أكد  الأستاذ أحمد بن دريس من جامعة وهران في تصريح لـ" الترا جزائر" أن الهدف من المحاضرات الافتراضية،  الاستفادة الأكاديمية لجميع الأسرة الجامعية، وخصوصا الطلبة و عدم تفويت الوقت في ظل البقاء في البيوت، والاستمرار في التحصيل العلمي والجامعي، مضيفا في حديث لـ"الترا جزائر" أنه شخصيا "ركز على تقديم فيديوهات تثير في الطلبة فضول المعرفة، وتحفيزهم على إتمام أطروحاتهم البحثية، ومذكراتهم في هذه الفرصة من الزمن المتقطع".

البيئة الرقمية خلقت ضرورة ملحة في تقاطع المناهج، من مختلف التخصصات، وبخاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ عمدت بعض الورشات إلى تقديم محاضرات لا تتجاوز الساعة من الزمن، تتعرض للأدوات التطبيقية في مناهج البحوث تُعنى بالباحثين في مجال الإعلام والاتصال في سلك الماستر والدكتوراه، وكيف يتقدمون في مذكراتهم وأطروحاتهم .

وعلى غرار ذلك، الورشة التي قدمها البروفيسور نصر الدين العياضي والموسومة بـ" الترقيع المنهجي في علوم الإعلام والاتصال"، وهي الورشة التي تابعها في البث المباشر، أزيد من 19 ألف طالب جامعي من مختلف التخصصات الإنسانية.

ومما جاء في الورشة، أنه لا يوجد منهج بحث كوني يسمح بمعالجة كل القضايا العلمية والإحاطة بالممارسة الإعلامية بكل أبعادها في العصر الحالي.

وأوضح البروفيسور العياضي في رده التفاعلي على أسئلة الطلبة، أن الترقيع الأكاديمي يهدف إلى الابتكار والتجديد عن مجموعة من الحيل للإلمام بالظاهرة الإعلامية والاتصالية المعقدة، إذ أي مقاربة بمفردها لا تستطيع الإلمام بالظاهرة الإعلامية والاتصالية، على حدّ تعبيره.

عشرات الصفحات الفيسبوكية يديرها طلبة جامعيون وباحثون من مختلف التخصّصات، فتحت فضاءها الإلكتروني للتدريب من خلال محاضرات مكتوبة، تتخصّص في الطرق المنهجية، مثلما يقدمها البروفيسور المتخصص في علم الاجتماع عبد الرزاق أمقران، عبر تدوينات قصيرة، تعالج عدة قضايا ومعضلات تواجه طلبة الماستر والدكتوراه، إذ استقطبت صفحته الكثير من الباحثين والمهتمين بالبحث السوسيولوجي، واعتبرها البعض إعلان لتحوّل النخب الجزائرية إلى الدعامات الافتراضية التي كانت مغيبة في المعاملات العلمية.

الأزمة وبداية مرحلة

في عزّ مكافحة فيروس كورونا، بادر مجموعة من الأساتذة إلى ملء الفراغ العلمي والأكاديمي في الساحة، وهو "ما خلق بداية لمرحلة جديدة في التعليم"،  تقول الأستاذة سهيلة بن ساحة لـ "الترا جزائر"، مؤكّدة على أن التعليم في الجامعة وفي القاعات لا يمكن تعويضه في التواصل الدائم بين الأستاذ والطالب، غير أن الظرف الصعب، دفع إلى ابتكار فرص جديدة أمام الطلبة، وعدم تركهم في الخمول والكسل الذي أنتجته وضعية الحجر الصحي، ودفعهم نحو التعليم بشتى الطرق".

وأضافت الأستاذة المتخصّصة في علم الانتروبولوجيا، أنها تتابع يوميًا أزيد من 65 طالبًا من طلبتها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتنصحهم وترافقهم فيما تعلق بمنجزاتهم الأكاديمية، خاصّة الأبحاث لختم الدروس و مذكرات التخرج.

عشرات الصفحات الفيسبوكية يديرها طلبة جامعيون وباحثون من مختلف التخصصات

اللافت أن هذه الصفحات لن تعكف على النشاط في الظرف الحالي، المتزامن مع الوضع الصحي في البلاد، إذ  يشتغل العشرات من الباحثين على بعث قنوات الكترونية تعليمية متخصّصة، في المستقبل، تكون إضافة للتعليم العادي، وتنظيم ورشات تدريبية افتراضية، لإكساب الطلبة البحث وتقنياته، وكذا الممارسة المهنية في شتى التخصصات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 الصيام الأول للطفل الجزائري.. كأنه ولادة!

الرجل الجزائري في المطبخ.. كورونا والحجر المنزلي يتحالفان