30-سبتمبر-2023
مدرسة خاصة

(الصورة: Getty)

كثّفت وزارة التربية في الجزائر مع مطلع  السنة الدراسية الجديدة عمليات التفتيش والمراقبة التي تجريها بالمدارس الخاصة، وذلك لوقف ظاهرة تدريس المِنْهاج الفرنسي في المؤسسات التربوية الجزائرية، متّخذة في حق المخالفين قراراتٍ تصل حتى الغلق النهائي، وهو ما أثار حفيظة الصحافة الفرنسية، التي صنفته ضمن الإجراءات المتخذة للحد من استعمال لغة موليير بالبلاد.

مديرة مدرسة خاصة لـ"الترا جزائر": الإجراءات العقابية ضدّ المدارس الخاصة التي تطبّق المِنْهَاج الفرنسي تصلُ إلى الغلق النهائي لها 

وطالب تربويون من أساتذة ونقابات في أكثر من مرّة، منذ سنوات، بضرورة وفق الفوضى الحادثة في المدارس الخاصة التي لا تلتزم بالمِنْهَاج التربوي الجزائري، ولا توفّر للتلميذ الشروط اللازمة للتعليم الحسن، حسبهم، ما جعل نتائج أغلب المنتسبين إليها هزيلة في الامتحانات الوطنية الرسمية الممثلة في شهادتي التعليم المتوسط والباكالوريا.

منذ عامين

كشفت مديرة مدرسة خاصة في الجزائر العاصمة، رفضت الكشف عن هويتها، أنّ الإجراءات المتخذة من قبل وزارة التربية ضدّ المدارس الخاصة بشأن الصرامة في الالتزام بالبرنامج الدراسي المُقرّر من الوزارة، وعدم تطبيق المِنْهَاج الفرنسي ليست بالجديدة، مُبيّنة أن هذه العمليات التفتيشية باشرتها الوصاية منذ عامين تقريبًا.

وأشارت المديرة ذاتها التي تسيّر أيضًا مدرسة تربوية خاصة بولاية عنابة، شرقي الجزائر، إلى أنّ الإجراءات العقابية ضدّ المدارس التي تطبّق المِنْهَاج الفرنسي تصلُ إلى الغلق النهائي لهذه المدارس في حالِ تم التثبت من هذه المخالفة.

وذكّر المصدر ذاته أن الاتفاق الموقّع بين الوزارة وأيّ مالك لمدرسة خاصة ينصُّ على ضرورة الالتزام بتطبيق البرنامج الدراسي الجزائري، وعدم الاجتهاد أو محاولة الإقدام على تطبيق برنامج أجنبي آخر سواءً كان فرنسيًا أو من دولة أخرى.

وحسب محدّثتنا، فإن اللجوء لتطبيق المنهاج الفرنسي في المدارس الخاصة، له جوانب تجارية، بالنظر إلى أن هذه الصفة قد تجذب بعض الأولياء الذين يطلبون هم أنفسهم تدريس أبنائهم وفق المَنْهَج الفرنسي، دون إعطاء أهمية للجوانب البسيكولوجية للتلميذ الذي لا تسمح له إمكاناته بدراسة المقرر الجزائري والبرنامج الفرنسي في الوقت ذاته.

وكانت وزارة التربية قد سنّت في 2020 قانونًا جديدًا ينظّم عمل المؤسّسات التربوية الخاصّة بأطوارها الثلاثة، في محاولة لإنهاء الفوضى التي تطبع هذا النشاط، بعد المشاكل التي ظهرت خلال فترة جائحة كورونا.

ونص القانون الجديد على توقيع عقد نموذجي بين وزارتي التربية والتجارة، يحدّد الشروط المحددة لكيفيات تمدرُس التلاميذ في المؤسّسات التربوية الخاصّة، والتي جاءت في 25 مادة تبيّن حقوق وواجبات كل طرف.

ووضع العقد الجديد حدًا لتغوّل بعض المدارس الخاصّة وخرقها للغة التعليم، فقد ألزمت المادة الخامسة هذه المدارس بـ "التعليم باللغة العربية في جميع المستويات التعليمية، وتطبيق البرامج التعليمية الرسمية لوزارة التربية الوطنية، واحترام الحجم الساعي، والتقيّد بنفس شروط توظيف المستخدمين التربويين والإداريين المعمول بها".

ونصّت المادة السابعة على  ضمان حقّ تمدرس التلميذ إلى غاية سن 16 سنة كاملة، واحترام شرط السن القانونية للالتحاق بالسنة الأولى ابتدائي والتربية التحضيرية، وضمان حق أولياء التلاميذ في استلام كل الوثائق الخاصّة بتمدرس أبنائهم، وإلزامية تسجيل التلميذ على الأرضية الرقمية لوزارة التربية الوطنية، واكتتاب عقد تأمين للتلاميذ.

تثمين

أشاد الأمين العام لمجلس الثانويات الجزائرية، زوبير روينة، بالإجراءات المتخذة من قبل وزارة التربية المتعلقة بالسهر على إلزام المدارس الخاصة بتطبيق البرنامج الدراسي الجزائري، معتبرًا أن ذلك هو المطلوب لأن الأمر يتعلق بالسيادة الوطنية، ويساهم في التقليل من الفوضى التي تسيّر بها بعض المدارس الخاصة.

وأشار روينة إلى أن المدارس الخاصة مطالبة بتطبيق المنهاج الجزائري لأنها تتبع لوزارة التربية، وأي إضافات خارج المقرر الدراسي تعد انتهاكًا للقانون، داعيًا في الوقت ذاته إلى ضرورة تطبيق هذا الأمر بثانوية بوعمامة بالعاصمة (ديكارت سابقًا) التي يتم التدريس فيها وفق المِنْهَاج الفرنسي رغم أنها مؤسسة عمومية، وفق ما قاله لـ"الترا جزائر"

وذكّر روينة أن نقابته تشدّد على أنّ ترقية التعليم في الجزائر يكون في المدرسة العموميّة التي تُحافظ على الطابع الاجتماعي للدولة، من خلال ضمان مجانية التعليم لجميع الأطفال.

استياء

رغم أن القانون المنظم لضرورة التزام المدارس الخاصة في الجزائر قد صدر منذ نحو ثلاث سنوات، إلّا أن الصحافة الفرنسية لم تهتم بهذا الأمر، إلّا في هذه السنة، والذي قد يربط بجوانب سياسية تتعلق بمحاولة التشويش على عودة الاجتماعات الثنائية بين البلدين، حيث اعتبرت صحيفة "لوفيغارو" أن تطبيق الجزائر للقوانين المنظمة "مطاردة" للغة الفرنسية.

وزعمت الصحيفة أن اللغة الفرنسية تبدو مستهدفة، بالنظر إلى أنّ " 22 مدرسة حاصلة على علامة الجودة للتعليم المزدوج بالفرنسية أُلزمت بالتخلي عن هذه العلامة، مما أدّى إلى إغلاق بعض المدارس أبوابها وإرسال عدد من الأطفال إلى منازلهم".

وادّعت الصحيفة أن هذا الإجراء "سيُربِك الوضع الدراسي للطُلاب الذين تلقوا تعليمهم منذ المرحلة الابتدائية في مدرسة خاصة تدرس حسب هذا المنهاج"، متناسية أن هذه المدارس كانت تطبّق برنامجًا مزدوجًا أي بتلقين المنهاجين الجزائري والفرنسي في آن واحد.

وزارة التربية سنّت في 2020 قانونًا جديدًا ينظّم عمل المؤسّسات التربوية الخاصّة لإنهاء الفوضى التي تطبع هذا النشاط

وهو إجراءً  يؤثّر على تعليم التلميذ، بالنظر إلى أن البرنامج الدراسي الواحد في حدّ ذاته مكثفٌ وطويل، مثلما أوضحت لـ"الترا جزائر" مديرة إحدى المدارس الخاصة التي تعارض تطبيق المنهاج الفرنسي في الجزائر.

ولم تُعطِ الصحيفة أهميّة إلى الجانب الجنائي في تطبيق المِنْهَاج الفرنسي كونه يعدّ مخالفة قانونية، بالنظر إلى أن ما تقوم به وزارة التربية في إلزام المدارس الخاصة بتطبيق المقرر الدراسي الجزائري ما هو إلّا تطبيق للقانون ومحاربة للسوق السوداء للتعليم في الجزائر، الأمر الذي يثبت أنّ هذا الاستياء الفرنسي مبنيٌ على خلفية سياسيّة ثقافيّة ولا علاقة له بالخوف على المستقبل التعليمي لتلاميذ المدارس الخاصة.