متى نربط أفعالنا بالشّغف لا بالانتقام؟

متى نربط أفعالنا بالشّغف لا بالانتقام؟

لوحة: انتقام مدام باترفلاي

أضحكتني الروح الساخرة لبعض الأصدقاء الفسابكة الجزائريين بقولهم إنهم فتشوا عمّا يمكن أن يشكّل استفزازًا من القطريين ليتخذوا منه سببًا للتشنج معهم، قبيل لقائنا الكروي المشترك، على غرار ما حدث مع دول لعبنا معها، فلم يجدوا. لقد تعودنا على أن نحفّز أنفسنا بالتشنجات، ونربط الروح القتالية لدينا بذلك لا بالرغبة في الفوز لذاته.

ثمة كتّاب وفنانون ينتجون فقط لأن كتّابًا وفنانين آخرين ينتجون! وثمة جمعيات تنشط فقط لأن جمعياتٍ أخرى تنشط

تحمّسنا ضد مصر انتقامًا لواقعة أم درمان، وتحمّسنا ضد المغرب انتقامًا من التطبيع ولواحقه؛ فما الذي يحمّسنا ضد قطر يا ربي؟ إن القوم لم يسبّونا ولم يشتمونا ولم يهينوا لنا لاعبًا أو مناصرًا. كل ما فعلوه هو الإعداد المحترف للدورة العاشرة من كأس العرب لتكون واحدةً من أنجح الدورات الكروية ليس عربيًا فقط بل عالميًا أيضًا. كما اكتفوا بتشجيع الفريق الذي شكّلوه، فهو يتحمس في اللعب، فبلغ المربع الذهبي، حتى يكون في مستوى البلاد التي نظمت الدورة والتي تستعد لاحتضان كأس العالم بعد شهور، لا من أجل أن يكون في مستوى الصراع مع طرف آخر.

اقرأ/ي أيضًا: ظهور "المؤثرين" وضياع "النخب"

أردت القول إننا في الجزائر واقعون في عقلية تخرّب من الداخل المجتمعاتِ التي تقع فيها أكثر مما يخربها الاحتلال والإرهاب والجفاف والجراد والوباء هي عقلية "الڨمار/ العناد"، بحيث تصبح الأفعال الفردية والجماعية مبنيةً على روح رد الفعل لا على روح الفعل، فتضيع المتعة والجدوى. وإن الأفعال التي تفتقر إلى متعتها وجدواها تُدرج، بالضرورة، في خانة الأفعال الضائعة.

ثمّة معلم يجتهد لا لأنه يؤمن بالاجتهاد، بل لأنه في حالة صراع مع معلم آخر، فلا ينبغي أن يكون الناجحون من قسمه أقلَّ من ناجحي المعلم الآخر. وهو منطق لا يجعل الأمر يتوقف عند حدود التنافس، فذلك مطلوب جدا، بل يتعدّاه إلى الغش، فتجده يغضّ الطرف عن غش تلاميذه في الامتحانات، إن لم يسرّب لهم الإجابة أصلا. وقد يتعلق الأمر بصراع منطقة مع منطقة أخرى، فتصبح الكارثة أفظعَ وأبشع. والحديث قياس على علاقات الجيران والجمعيات والتجمعات والنقابات والأحزاب والنخب.

ثمة كتّاب وفنانون ينتجون فقط لأن كتّابًا وفنانين آخرين ينتجون! وثمة جمعيات تنشط فقط لأن جمعياتٍ أخرى تنشط!

حين اقتضى منطق شراء السلم الاجتماعي أن تفتح الحكومة حنفية "أونساج"، فتَدافع عشرات الآلاف من الشباب على طلب القروض، لاحظنا أنه يكفي أن يطلب شاب من حومة ما شاحنة تبريد، مثلا، ليطلبها آخرون أيضا من الحومة نفسِها. والنتيجة كساد في الشغل، فكان المشروع من أفشل المشاريع.

وقد أدرك النظام هذه العقلية الشعبية، فهو يستعملها في الاستمرار كلما واجه رغبةً شعبيةً جادّةً في التغيير، فيعود الأمر إلى نقطة الصفر وتضيع الفرصة من جديد. ألم يحدث هذا قبل شهور، من خلال خرجة "الزواف"، حيث بات فعل الانتخاب مبنيًا على "الڨمار"؟ بل إن وجوها وتوجهاتٍ داخل النظام نفسِه تعمل بمنطق "الڨمار"، لا بمنطق العمل لذات العمل، فنحن نخسر بذلك فرصا وأموالا ووقتا. وقد نخسر مع ذلك، أحيانًا، هيبةَ الدولة.

وجدت سببا وجيها كان قادرًا على أن يجعلنا نتشنجع مع قطر، حيث كنا سنلعب ضدها بحماس أكبر: هي استطاعت أن تعدّ لكأس العرب؛ فتتفوق في ذلك وتكسب احترام النفس والآخرين، بينما لم يظهر شيئ من إعدادنا للألعاب المتوسطية! وهي باتت تملك ملاعبَ يسيل لها لعاب أعرق الأندية، بينما مازال فريقنا الوطني الذي بات يخيف أندية القارات الخمس يخوض في وحل ملعب البليدة! 

يمكننا أن نختم بهذا الحوار بين زوجين جزائريين يعود بنا إلى السياق الأول لثقافة ربط الفعل بروح الانتقام التي يجب أن تزول أو تتراجع إلى الحدود الدنيا المسموح بها إنسانيًا

يمكننا أن نختم بهذا الحوار بين زوجين جزائريين يعود بنا إلى السياق الأول لثقافة ربط الفعل بروح الانتقام التي يجب أن تزول أو تتراجع إلى الحدود الدنيا المسموح بها إنسانيًا عوضًا عن ربطه بروح الشغف التي يجب أن تسود وتهيمن على الأفراد والجماعات:

الأم لطفلها: أقرا مليح باش ما يفوتكش خوك.

الأب للزوجة:  لالا. نعلموه يقرا مليح لخاطر القراية مليحة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النضال من أجل "التفاهة"

"جدل الثقافة".. النقد في مواجهة أسئلة الكولونيالية وما بعدها