متى نمنح الميكروفون لأصوات الحكمة؟

متى نمنح الميكروفون لأصوات الحكمة؟

أمام مبنى المؤسسة العمومية للتلفزيون (تصوير: رياض كرامدي/أ.ف.ب)

في الوقت الذّي كان فيه كثيرون يُفرّقون  كان رياض بوفجّي (1947 - 2007) يجمع. وكانوا ينشرون اليأس كان هو ينشر ثقافة "كلّ شيء ممكن"، وكانوا يجعلون القريب يخاف قريبَه كان هو يجعل القريب يبحث عن قريبه، وكانوا يجعلون الجزائريّين يبكون حزنًا على فراق أحبّائهم كان هو يجعلهم يبكون فرحًا بلقائهم، وكانوا يُصنّفون المواطنين على أساس الانتماء إلى السّلطة أو الانتماء إلى نقائضها كان هو يُوحّدهم في إنسانيتهم وأسَرِيَتِهم، وكانوا يرعون المناخات التّي تجعل الجزائريَّ ينفر من بيته كان هو يوفّر المناخات التّي تجعله يعود إليه.

كانت نخبة من الفنّانين والإعلاميّين ترسل بصيصًا من الأمل ضدّ اليأس والحياة ضدّ الموت والثّقة ضدّ التّشكيك

وكانوا يستعملون لغةً معقّدةً وملغّمةً إمّا بدافع التّعالي الأيديولوجيّ أو التّعالي السّياسي، بينما كان هو يستعمل لغةً بسيطةً وعفويّةً وسلسةً ومالكةً للقدرة على الوصول إلى جميع القلوب والعقول.

اقرأ/ي أيضًا: سياسة نصرة المسؤول المتغوّل على المواطن.. إلى أين؟

كان الموت سيِّدَ الشّارع الجزائريّ. وأيّ موت؟ "فرار كونتر فرار"! ولم يكن الأمر متعلّقًا بمجرّد فيلمٍ متخيَّلٍ شاهدوه، بل بواقعٍ صارخٍ كابدوه. وكان الخوف مهيمنًا على يومياته؟ وأيّ خوف؟ ذلك النّوع العنقوديّ الذّي يجعلك تدعو ألّا ترى بعينيك من هو سبب خوفك، حتّى لا تفقد الثّقة في الأبوّة والأخوّة والبنوّة والعمومة والخؤولة والزّمالة والجوار.

إنّه مقام وجوديّ وعبثيّ صعب على الأفراد والجماعات معًا. وتترتّب عنه جملة من التّمزّقات والتّشنّجات والنّفسيات والذّهنيات والمعطيات التّي من شأنها أن تفكّك الخلايا؛ بدءًا من الأسرة، مرورًا بالحومة، ووصولًا إلى الدّولة، لأنّه مقام يتعلّق بالدّفاع عن الوجود، بما يجعل نبرةَ الاستئصال أقربَ إلى المنطق، لدى جميع الأطراف، فتصبح أيّة دعوةٍ إلى التّقارب مدعاةً للتّخوين لدى الطّرف النّظاميّ وللتّكفير لدى الطّرف المضادّ. فمن الصّعب أن يحضر العقل في ظلّ رؤية العيون للدّم الطّازج.

سؤال يفرضه الفضول: ماذا لو كانت تلك الفترة بتلك التّشنّجات تتوفّر على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، في طليعتها فيسبوك؟ هل كان عدد ضحاياها يقف عند عشرات الآلاف، ويقف عدد سنواتها عند عشرٍ؟

في ظلّ هذا المقام الاستثنائيّ المكثّف، كانت نخبة من الفنّانين والإعلاميّين ترسل بصيصًا من الأمل ضدّ اليأس والحياة ضدّ الموت والثّقة ضدّ التّشكيك. فالتفّ حولها الجزائريّون على اختلاف توجّهاتهم واتّجاهاتهم وجهاتهم. ويأتي رياض بوفجّي في طليعة هذه النّخبة.

حدّثني كادر أمنيّ كان يعمل في تلك الفترة قال: كنّا نرفع من درجة التّأهبّ في اللّيلة التّي يبثّ فيها التّلفزيون حصّة "وكلّ شيئ ممكن" لأنّ انتباه الأسرة الجزائريّة كان يقلّ فيها، بالنّظر إلى أنّها كانت تشكّل لها موعدًا لتفريغ شحنة التّعب والاستنزاف النّفسيّ، فكان ذلك يمنحُ للجماعات الإرهابيّة سلاسةً في التسلّل إلى التجمّعات السّكنيّة.

وأدلى لي باعتراف لم يكن يخطر لي على بال: كنّا نضغط على الشابّ حسني لأجل الإكثار من إصدار الألبومات. فقد كان صدور ألبوم جديد له يُنفّس عن شباب تلك المرحلة، إذ لم تكن الهجرة غير الشّرعيّة؛ يومَها، ضمن نوافذه ومنافذه. وهو المعطى الذّي جعل الإرهابيّين يُصفّونه تعميمًا لليأس.

بعد عشرين سنةً عن التّجربة، وبعد زوال فعل القتل الممنهج والخوف المبرمج، وبعد تكاثر القنوات والمنابر، وفي ظلّ تشنّجات شعبيّة شبيهة بما عرفناه في تسعينيات القرن العشرين، من حيث خطورتها، ومختلفة عنها من حيث دوافعها ومسبِّباتها، هل تتوفّر منابرنا الإعلاميّة المختلفة، حكوميّةً كانت أم "مستقلّةً"، افتراضيّةً كانت أم واقعيّةً، في الدّاخل كانت أم في الخارج،  في يومنا المفصليِّ هذا، على وجوه إعلاميّة تجمع الجزائريّين على مشتركات جزائريّتهم ومواطنتهم ورهاناتهم؟

لقد مرّ علينا عام وما يزال القوس مفتوحًا، أصبحنا ننام فيه ونصحو على وجوه، بعضها مقيم بيننا وبعضها مقيم في الخارج، تلعب بنار "الهوّيات القاتلة"، تمامًا مثلما يلعب الأطفال بالمرفقات! وتتسابق فيما بينها لأجل استقطاب أكبر عدد ممكن من المتابعين، أكثر من تنافس شركات القهوة على الزّبائن، من خلال إشهاراتها البائسة.

علمًا أنّه بات لمداخلاتها المشحونة بالحقد والضّغينة والعنصريّة والاصطفاف العرقي والمناطقيّ والأيديولوجيّ ثمار أضحينا نلمسها ونتعثّر بها في واقعنا ومواقعنا، من غير أن ينتعش بيننا هذا السّؤال: لصالح من هذا؟

إنّ البلاد مؤهلة للدّخول إلى مرحلة تقتضي إعادة ترتيب الأحجار في ظلّ مرض الرّئيس وفخاخ الحدود

إنّ البلاد مؤهلة للدّخول إلى مرحلة تقتضي إعادة ترتيب الأحجار؛ في ظلّ مرض الرّئيس وفخاخ الحدود. وإنّنا إذا لم نضع؛ بصفتنا مجموعةً وطنيّةً، على ضوءِ وعيٍ حادٍّ بخطورة المرحلة، حدًّا لأصوات الفتنة، ونوفّر المناخات التّي تجعل الميكروفون يذهب إلى أصوات الحكمة؛ فسننتكس ببساطة وسهولة إلى مرحلة التّسعينيات من جديد. حينها سيصبح "وكلّ شيئٍ صعب".

 

اقرأ/ي أيضًا

:رصيد من الاعتزاز بالفشل.. متى نؤمن بالمراجعة؟

من شعار "الإسلام هو الحل" إلى "عروبة الجزائر"