07-فبراير-2020

الرئيس تبون مازال متمسّكا بصلاحياته (الصورة: الجزائر وان)

تعهّد عبد المجيد تبون، خلال حملته الانتخابية بتعديلٍ دستوريٍّ عميق، يهدف إلى إلغاء الحكم الفردي وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ويوازي بين السلطات.

مختصون يتساءلون عمّا إذا كان التعديل في صلاحيات الرئيس سيمكّن المعارضة من الحصول على الأغلبية التمثيلية

وكلّف الرئيس تبون، يوم 8 كانون الثاني/يناير، لجنة متكوّنة من 17 عضوًا، بقيادة الخبير القانوني الدولي محمد لعرابة، لإعداد مسودّة دستورية جديدة، تبحث عن نمط حكم يعوّض النظام الرئاسي المطلق القائم حاليًا.

اقرأ/ي أيضًا: العدّ التنازلي للرئاسيات.. هل تتكرّر التجربة التونسية في الجزائر؟

وأعلنت رئاسة الجمهورية، أن مسودة الدستور ستكون محلّ مشاورات واسعة، مع الفاعلين في الساحة السياسية والمجتمع المدني قبل المصادقة البرلمانية، ثم إحالته على الاستفتاء الشعبي.

تقليص الصلاحيات 

 يُشكّل تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، أهم المحاور التي تشغل اهتمام الطبقة السياسية والمجتمع المدني، فقد فرضت الصلاحيات الدستورية للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، احتكارًا كاملًا للسلطة، وعزّزت مظاهر القبضة الحديدية على الحكم، وسيطرتها على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتركَت آثارًا سلبية على أداء مؤسّسات الدولة.

التنازل عن صلاحية التعيين لكن؟

يُذكر أن تبون، كان قد تنازل عن صلاحيات التعيين في بعض وظائف الدولة لصالح الوزير الأوّل عبد العزيز جراد، وفي هذا الشأن تساءل مراقبون، عمّا إذا كان القرار يَحمل رسالة سياسية، وهي طمأنة الرأي العام حول تجسيد تعهدات تبون الانتخابية، أم أن القرار يتعلّق  بإجراءٍ رمزيٍّ وشكليٍّ فقط، وهي شكوك تعزّزت بعد  إعلانه مؤخّرًا عن تعيينات في مناصب سامية، قبل أن يتمّ التراجع عنها، على غرار منح منصب المدير العام للتلفزيون العمومي لعمار بخوش، ومنصب المدير العام للجمارك الجزائرية لعبد الحكيم برجوج، فضلًا تعيينات لولّاة الجمهورية.

جدير بالذكر، أن التعيينات في مسؤوليات سامية تخضع إلى تعقيدات، وتحقيقات أمنية مسبقة، تُبدي موافقتها أو تحفظها.

مبررات النظام الرئاسي 

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن نظام الحكم الرئاسي في الجزائر، ما هو إلا نتيجة وجود صراعات داخل دواليب السلطة، وتعدّد مراكز القرار السياسي، وهي دوائرٌ موازيةٌ، ليست بحاجة إلى وجود آليات ديمقراطية لفك الخلافات والنزاعات، وبسبب هذا، رغب رؤساء الجزائر المتعاقبون، في الاستفراد بالحكم عبر صلاحيات موسّعة دستوريًا.

يستدّل مختصّون هنا، بأنّ صراع موازين القوى الذي وقع بين رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، ورئيس الجمهورية الأسبق الشاذلي بن جديد بين سنتي 1988 و1989، كان حول صلاحيات تعيين الولاة، حيث سعى حمروش إلى تعيينهم قصد السيطرة على الجهاز الإداري، وبالمقابل سعى بن جديد إلى بسط سيطرته على مؤسّسة الجيش والجهاز السياسي.

مخاوف من التجربة التونسية؟

 يرى متتبعون أيضًا، أن تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، ألقت بظلالها على الجزائر، ما عزّز موقف أنصار النظام الرئاسي، علمًا أن منصب رئيس الجمهورية في تونس، لا يتمتّع بصلاحيات واسعة مقارنة بالهيئة التشريعية أو السلطة التنفيذية، وهي وضعية يبدو أنها وراء التصعيد في الأزمة السياسية الأخيرة.

 في مقابل ذلك، يبدو تساؤل هؤلاء المتتبعين مشروعًا؛ عمّا إذا كان التعديل في صلاحيات رئيس الجمهورية، سيمكّن المعارضة السياسية من الحصول على الأغلبية التمثيلية، ونشهد بعدها استقلالية المجلس الأعلى للقضاء، وقد يترتب عن هذا حسب مختصّين، وجود منافس لرئيس الجمهورية. فهل يقبل كل من عبد المجيد تبون وأركان النظام بوجود منافسٍ سياسي يمتلك الشرعية الدستورية؟ 

للإشارة، فإن الجزائر عرفت منذ 1963، سبع تعديلات دستورية، أقدم فيها كل رؤساء الجزائر، على صياغة الدستور وفق مقاسهم طموحاتهم السياسية، وأكثر الرؤساء تعديلًا للدستور هو بوتفليقة، حيث أجرى ثلاث تعديلات في سنوات 2002 و2008 و2016.  

غياب دعائم النظام البرلماني؟

وفي تقدير المحلّل السياسي عادل أورابح، أن تعزيز صلاحيات البرلمان بشكلٍ واسعٍ في كنف نظام شبه رئاسي، هو المستحسن بالنسبة للحالة الجزائرية، مشيرًا في حديث إلى "التر جزائر"، إلى أن النظام البرلماني يتطلّب تقاليد طويلة في الممارسة الحزبية، وتنوعًا في الأحزاب التمثيلية.

 وألح المتحدّث، على ضرورة وجود أقطاب حزبية ببرامج سياسية واضحة، إضافة إلى ذهنية مجتمعية متوافقة مع متطلّبات نظام كهذا، كاشفا أن القبلية والعشائرية والزبانية السياسية المستشرية في الجسم الاجتماعي، لا تتوافق مع متطلبات الثقافة المؤسّساتية التي يتطلبها هذا النظام، القائم على التوافقات والمساومات السياسية (بمعناها الإيجابي). 

نظام شبه رئاسي

 في السياق ذاته، يرى الخبير الدستوري فاتح ڨراد، في حديث إلى "الترا جزائر"، أن المحور الذي يجب أن ينصب عليه التعديل الدستوري، هو إعادة توازن العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وأشار إلى وجود اختلال حتى داخل السلطة التنفيذية، بين صلاحيات رئيس الجمهورية والوزير الأوّل، على حدّ قوله.

وقال محدثنا، أن دستور 1989، كان متوازنًا في توزيع الاختصاص بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى غاية اندلاع "أزمة الصلاحيات" بين المرحوم قاصدي مرباح بين سنتي 1988 و1899، والرئيس الشاذلي بن جديد بين سنتي 1992 و1997.

وذكر فاتح ڨراد، أن الرئيس بوتفليقة منذ مجيئه إلى السلطة سنة 1999، عمل على تجريد صلاحيات رئيس الحكومة، إلى غاية تغيير تسميته إلى "الوزير الأوّل"، حيث لا يمتلك صلاحية عدا تطبيق برنامج رئيس الجمهورية.

وشدد الخبير الدستوري، على أنه يتعين إعادة توزيع الاختصاص بين رئيسي السلطة التنفيذية، في مجال التنظيم والتعيينات، مؤكدًا أيضًا على وُجوب تحديد وتوزيع السلطات، بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، واستدرك قائلا "هذا مرتبط بصيغة الحكم الذي سيكرسه الدستور القادم".

كما أعرب المتحدث عن تفضيله للنظام شبه الرئاسي بالنسبة للحالة الجزائرية، واختتم قائلا: "السلطة القضائية تبقى حكمًا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، سواءً تم إسناد هذا الأمر إلى المجلس الدستوري أو إلى محكمة دستورية يتم استحداثها لهذا الغرض".

الهندسة الثنائية للسلطة الحاكمة القائمة، على قوة مؤسّستي رئاسة الجمهورية والمؤسّسة العسكرية

وعلى العموم فإن الهندسة الثنائية للسلطة الحاكمة القائمة، على قوة مؤسّستي رئاسة الجمهورية والمؤسّسة العسكرية، والتي تعكس إرادة أفرادٍ  في ممارسة السلطة، خارج أي تقاليد مؤسّساتية وديموقراطية، وعن أيّ تعديل دستوري لا يأخذ بالحسبان، دور الدوائر الموازية في صناعة القرار السياسي.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الدستور الجزائري.. هل سيكون على مقاس تبون؟

عزمي بشارة: فرص نجاح الديمقراطية كبيرة في الجزائر والحلّ هو تمثيل الحراك