ملتقى مغاربي افتراضي في القصيدة المحكيّة

ملتقى مغاربي افتراضي في القصيدة المحكيّة

أفيش الملتقى المغاربي الافتراضي (فيسبو/الترا جزائر)

كانت النّشاطات الثّقافيّة التّي تقام في القاعات المغلقة والفضاءات المفتوحة، بحضور الجمهور والمتابعين، أولى التجمّعات التّي شملها المنع الحكوميّ، في ظلّ دخول فيروس كورونا إلى الجزائر، فكان أن تحوّل معظمها إلى الأفق الافتراضي، حيث تنافس الفنّانون والمنصّات الثّقافيّة المستقلّة والحكوميّة في توفير وجبات ترافق الجزائريّين في حجرهم المنزليّ.

شارك في الملتقى ستّة وعشرون شاعرًا زجّالًا، تتفاوت تجاربهم زمنيًا ونصِّيًّا

في ظلّ هذا الواقع الجديد، برمجت جمعية "فسيلة للإبداع الثقافي" في ولاية برج بوعريريج، 200 كيلومتر إلى الشّرق من الجزائر العاصمة، الملتقى المغاربيّ الافتراضيّ الأوّل للإبداع الزّجليّ، أي القصيدة الحداثيّة المكتوبة باللّغة الشّعبيّة المحكيّة، خلال أيّام الرّابع والخامس والسّادس من الشّهر الجاري، على صفحة "المقهى الثقافيّ"، ما بين السّاعة الرّابعة بعد الزّوال والسّاعة الحادية عشر ليلًا. 

اقرأ/ي أيضًا: إشكالية النشر والقراءة.. أزمة كورونا تشدّد الخناق على الكتاب

شارك في الملتقى ستّة وعشرون شاعرًا زجّالًا، تتفاوت تجاربهم زمنيًا ونصِّيًّا، وتلتقي في رهان تحديث القصيدة المكتوبة باللّهجات المحكيّة، منهم مراد القادري، وأحمد لمسيّح، وبوعزّة الصنعاوي، وأحمد السبتي، وعز الدين الشّدادي، واحميدة البلبالي، ودليلة فخري من المغرب، وزينب الأعوج وتوفيق ومان، ومحمّد قسط، وعمار حسان، ورمزي نايلي من الجزائر، ومحمّد الهادي الجزيري والجليدي العويني من تونس، ومحمّد علي الدّنقلي وسالم العالم من ليبيا. 

هنا، يقول الشّاعر الزجّال توفيق ومان، رئيس الجمعية الجزائريّة للأدب الشّعبيّ، إنّ الزّجّالين تعوّدوا على أن يلتقوا في منصّات واقعيّة، خلال ملتقيات باتت معروفة في المغرب والجزائر وتونس، فيواجهون جمهورًا واقعيًّا يسمعهم مباشرةً ويلتقط معهم الصّور، "وها هم يجرّبون تقنية جديدة في الوصول إلى متلقٍّ غير ملموس أو محسوس، في بثٍّ مباشر يضمن لهم التّفاعل معه بطريقة مختلفة". يضيف: "علينا أن نواجه جمهورًا غير تقليديٍّ يملك الخيار التّام في أن يسمعنا أو لا يسمعنا أو يقطع الاستماع في اللّحظة التّي يشاء، فيصبح التّلقي شبيهًا بالقصيدة، من زاوية الحرّيّة".

في السّياق ذاته، يقول الشّاعر الجزائريّ عمار حسان، إنّ النّزعة الحداثيّة للقصيدة المكتوبة باللّغة المحكيّة ينبغي أن تحيلها على أفق حداثيّ في التّلقّي، "إذ ليس منسجمّا أن نكتب نصوصًا حداثيّة، بينما نكتفي بأن نلقيها في منابر تقليديّة، فلم يعد النصّ مفصولًا عن وسيلة تسويقه". يسأل محدّث "الترا جزائر" أنّه: "إذا كان النصّ الزجليّ قائمًا على التّكثيف والاختلاف، من حيث الدّلالة، وعلى الروح الشّعبيّة، من حيث اللّغة، وعلى الذّات لا الجماعة، من حيث الهواجس، لماذا لا يذهب إلى مواقع التّواصل الاجتماعيّ التي تقوم على هذا الثّالوث؟".

ويقول الأكاديميّ المغربيّ ورئيس الهيئة الاستشاريّة للملتقى، محمّد رمصيص، إنّ الهيئة اختارت "لغة الأمّ - بياض القصيدة - لغة محكيّة" شعارًا للملتقى، في سياق محاولة الرّبط بين العناصر الوجوديّة التّي تشكّل التّجربة الزّجليّة في الفضاء المغاربيّ، "فالزّجّال الذّي يُتّهم بخيانة النّمط الكلاسيكيّ في كتابة الشّعر الشّعبيّ، إنما كان وفيًّا لحليب/لغة أمّه المرتبطين باللّحظة الذّاتيّة الحميمة المنسجمة مع روح الشّعر الحداثيّ، عكس النّمط الموروث الذّي يصبّ في الارتباط بهواجس ومساطر الأمّة التّي يمكن التّعبير عنها وفق أجناس أخرى". 

هنا، يؤكّد الشّاعر اللّيبي محمّد علي الدنقلي على أنّ ما بات يُكتب مغاربيًّا باللّغة المحكيّة، على تفاوت جرعة التّجريب فيه من فضاء مغاربيّ إلى آخر، بات مالكًا لقدرة الانتقال إلى أيّة لغة حيّة في العالم، "بالنّظر إلى أبعاده الإنسانيّة والكونيّة والوجوديّة. فلا فرق بينه وبين الشّعر المكتوب باللّغة المعياريّة من حيث إمكانية ترجمته". 

من جهته، يقول الشّاعر الزّجّال والمشرف على الملتقى رشيد بلمومن، إنّ الملتقى يأتي في إطار الاشتغال الثّقافيّ لجمعية "فسيلة" على اللّحمة المغاربيّة، في ظلّ فشل الاشتغال السّياسيّ في ذلك، "إنّ اللّهجات الشّعبيّة في تقاربها وتجاورها وتبادلها تلعب دور المرآة الأولى للتّقارب والتّجاور والتّبادل الذّي يطبع شعوب المغرب العربيّ والأمازيغيّ الكبير".

ويذكر محدّث "الترا جزائر" أنّ الملتقى المغاربيّ الافتراضيّ الأوّل للإبداع الزّجليّ يعدّ فاتحة الملتقيات الافتراضيّة الإثني عشر التّي برمجتها جمعية فسيلة للإبداع الثّقافيّ، منها ملتقى القصّة القصيرة وملتقى الرّحلة والأسفار، وملتقى عروض الأزياء الفرديّة، وملتقى الرّقص الفردي المعاصر، وملتقى الحكاية الشعبية وملتقى الفيلم الوثائقيّ القصير، "وسوف نصدر أعمال كلّ ملتقى في كتاب أو في قرص مضغوط، ليكون في متناول الباحثين، بحيث ستصدر النّصوص التّي تشارك في ملتقى الزّجل عن دار "ضمّة" للنّشر والتّوزيع".

أصبح ممكنًا للنّشطاء الثقافيّين المستقلّين في الجزائر أن يضمنوا وجودهم وحضورهم، من غير انتظار الدّعم الحكوميّ

بتنظيم هذا الملتقى الافتراضيّ الذّي يضمّ هذا العدد من الزّجّالين المغاربيّين الوازنين، مع ضمان الأرشفة وعدد أكبر من المتلقّين عن العدد الذّي نجده في ملتقًى واقعيّ، من غير أيّ إرهاق للخزينة العموميّة، يصبح ممكنًا للنّشطاء الثقافيّين المستقلّين في الجزائر أن يضمنوا وجودهم وحضورهم، من غير انتظار الدّعم الحكوميّ، أو الخضوع الإكراهات المالية المختلفة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صالون الجزائر الدولي للشاورما

ما بعد صالون الكتاب 2019.. إصدارات جديدة بين الاحتفاء والاختفاء