مناظرة الرئاسيات.. مغازلة للحراك وتهرب من نظام بوتفليقة ووعود فئوية

مناظرة الرئاسيات.. مغازلة للحراك وتهرب من نظام بوتفليقة ووعود فئوية

تضمنت المناظرة أخطاء تقنية وغابت عنها التفاعلية (أ.ف.ب)

قبل خمسةِ أيّامٍ من الاستحقاقات الرئاسية، نظّمت الجزائر ليلة الجمعة السادس من كانون الأول/ديسمبر 2019، مناظرة تلفزيونية لمرشحي الرئاسة الخمسة تعد الأولى من نوعها في البلد، وحملت عنوان "الطريق إلى التغيير" حاول فيها المتنافسون إقناع الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع من جهة واستمالتهم نحو برامجهم المطروحة.

غلبت على أجوبة بعض المترشحين اللغة العمومية بعيدًا عن نص السؤال الذي كان يتكرر خمس مرات في كل محور، أين مكّنت المناظرة من كشف هشاشة بعض المترشحين في الإلمام بتفاصيل المشهد السياسي

ووصل إلى المركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال، بالعاصمة، المترشح عن حزب طلائع الحريات، علي بن فليس في حدود الساعة الـ 17 و54 دقيقة، وتلاهُ ثانيا المترشح عز الدين ميهوبي، وبعده المترشح الحر عبد المجيد تبون، وحلّ رابعا المترشح عبد القادر بن قرينة، فيما وصل أخيرًا المرشح عن حزب جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب في الحملة الانتخابية.. مرشحو الرئاسيات يفتحون الملفّات الشائكة

وانطلقت قبل بداية المناظرة التلفزيونية، قرعة لاختيار ترتيب المترشحين من اليمين إلى الشمال وقرعة لكيفية تدخل المترشحين وترتيبهم في الإجابة عن أسئلة الصحفيين، وأيضًا ترتيبًا يخصُ المترشح الذي يجيب أولًا عن السؤال الأخير رقم 14 المتعلق بتطلعات الشعب الجزائري في ثلاث دقائق.

خوفٌ وارتباك وتضييعٌ للوقت

بعد 16 دقيقة من التأخر، انطلقت مجريات المناظرة التلفزيّة، بدخول المترشحين الخمسة متتابعين حسب ترتيب جلوسهم في المقاعد الخاصة. وفي أول سؤال في الشق السياسي المتعلق بنظام الحكم والحريات الفردية، تعثر المترشح الأول عبد العزيز بلعيد في رده على تغيير الدستور وضيع أكثر من دقيقة و20 ثانية في الجواب واكتفى بجملة مقتضبة حول تغيير الدستور، وعلى نهجه تلعثم المترشح الحر عبد المجيد تبون في رده على السؤال متحدثًا عن الفصل يبن السلطات في دستور مشروعه الرئاسي.

وبدا المترشح علي بن فليس، أكثر وضوحًا وعمقًا في رده على سؤال تغيير الدستور، حيث أكد اقتراح دستور شبه رئاسي يكون جامعًا للطبقة السياسية والجزائريين التواقين للتغيير، منهيًا رده قبل التوقيت المحدد، وبتقارب في النهج والإجابة رد ميهوبي على نفس السؤال في وقت لم يصل الدقيقة.

وبكلمات متسرعة، أراد المترشح عبد القادر بن قرينة، أن يجيب على أول سؤال، غير أنه لم يتحكم في جوابه ووقته وأنهى شوطه الأول متقدمًا عن دقات آلة قياس الزمن "الكرونو"، مؤكدًا أن دستور بلاده (في حال انتخابه) سيكون بفتح حوار مجتمعي شامل يليه استفتاءٍ شعبي وليس عبر البرلمان.

وحتى في السؤال رقم 14 (الأخير) الذي حُددت مدته بـ 3 دقائق، والمخصص لتطلعات الجزائريين، لم يستطع المترشحان علي بن فليس وعز الدين ميهوبي استكمال الوقت كاملًا مضيعين الفرصة في تقريب تصورهم أكثر إلى الفئة الناخبة.

مغازلة للحراك وتهرب من نظام بوتفليقة

استعاد المرشحون الخمسة للرئاسيات أنفاسهم في الأسئلة التي تأخذهم إلى الحراك الشعبي من حريات وتغيير وتحول ديمقراطي وشباب، فقال المترشح بن قرينة إنه "أوّل من خرج إلى الشارع مع الحراك ودعمه"، متهربًا من نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة/ حين أكد أنه لم يشارك في أي دستور من دساتير فترة النظام البوتفليقي.

وسارَ على ذات النهج، عبد المجيد تبون، الذي قال بأن سبب خروج الجزائريين إلى الشارع للمطالبة بالتغيير هو الاضطهاد وشخصنةُ الحكم بطريقة غير مسبوقة، مردفًا أن الحراك نعمة جنبت الجزائر كوارث كانت وشيكة الحدوث، كاسرًا الصورة النمطية للبلاد التي أصبحت حسب وصفه مثالًا لدول غربية.

من جانبه، حاول المترشح عز الدين ميهوبي أن يقدم أمثلة عن الحراك في غالبية أجوبته عن الأسئلة، مشددًا على أن برنامجه يكرّس الحريات ويدعمها ويحميها، أما عبد العزيز بلعيد فأشار إلى أن استرجاع الثقة للجزائريين الذين يخرجون إلى الشارع لا بد أن يُبنى على محاربة ممارسات الإدارة وإعادة إحياء النضال لدى الجزائريين مع القضاء على ظاهرة شراء الذمم والرشوة.

أما خامس المترشحين علي بن فليس فرأى أن حرية الحراك لا بد أن تُصان، مقترحًا ضرورة إنشاء لجنة حقوق الإنسان لحماية الحقوق والحريات الشعبية. كما أجمع المتنافسون على كرسي المرادية على احترام توجهات الرافضين للانتخابات مضيفين أن حرية الاختيار في كل المجالات هي الحل لإفراز تمثيل حقيقي.

عموميات..

غلبت على أجوبة بعض المترشحين اللغة العمومية بعيدًا عن نص السؤال الذي كان يتكرر خمس مرات في كل محور، أين مكّنت المناظرة من كشف هشاشة بعض المترشحين في الإلمام بتفاصيل المشهد السياسي، فيما عانى الآخرون من افتقارهم للغة السياسية رغم تجارب بعضهم الطويلة في العمل السياسي.

وسقط المترشح عبد المجيد تبون، في فخ العموميات والتكرار في كل محاور النقاش، بربطه فكرة واحدة مع غالب المحاور التي أُستجوب فيها، وهي فكرة فصل المال عن الشأن العام، كما بدت لغة تبون في الخطابة مفككة وغير متوازنة نظرًا لتكوينه الإداري متدرجًا في مسؤوليات ولائية ووزارية.

لكن اللافت في قائمة الخمسة ممن خانتهم الدقة، كان عبد العزيز بلعيد بشكل يناقض مساره السياسي الطويل في حزب التحرير الوطني وعلى رأس اتحاد الشبيبة الجزائرية، ومؤخرًا حزب جبهة المستقبل الذي يتزعمه منذ 2012، بالمقابل بدت لغة المرشح عز الدين ميهوبي أكثر صلابة من سابقيه لكنه أخفق في تحديد آليات واضحة لتجسيد سياساته سواء في مجال الحريات أو في الاقتصاد وحتى في مسألة دستور الدولة.

المرشح عبد القادر بن قرينة، كان يكرر بين فكرة وأخرى، وكأنه خيار مسبق، صفات يعتقد أنها تفرقه عن المنافسين الآخرين بنفيه المتكرر أي صلة بحكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لكنه أجاب معتدًا بلغةٍ عربية فصيحة كسبها من مساره في التيار الإسلامي، ممارسًا نخزًا غير مباشر لمسار الأربعة الجالسين إلى يساره من خلال إشارات لتورط كثيرين في تفخيم مسار بوتفليقة حينما رافقوه في مسؤوليات تلك الفترة (إلا عبد العزيز بلعيد)، متناسيًا أنه كان وزيرًا للسياحة لبضعة شهور في العام الأول من ولاية بوتفليقة الأولى.

المترشح علي بن فليس كان أكثر المترشحين استفادة مما ورثه من خصومة جمعته بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة منذ 2003، تاريخ إقالته من رئاسة الحكومة، وسحب البساط من قيادته لجبهة التحرير الوطني، فظهر واضحًا في ذكر الآليات نقطة بنقطة فيما يخص تعديل الدستور، قانون الانتخابات، قانون الأحزاب، وقانون السلطة الوطنية للانتخابات، لكنه كان أقل وضوحًا في الملف الاقتصادي، ربما لتكوينه القانوني المحض.

خوف  من التزوير

لمّح المتنافسون على كرسي المرادية، إلى خوفهم من تزوير الانتخابات، رغم ما ما تقول السلطة إنها قدمته من ضمانات قبلية لمسايرة العملية الانتخابية وإبعادها عن كل الممارسات السابقة بما فيها التزوير وشراء الذم والأصوات الانتخابية. وأكد المترشح عن التيار الإسلامي، عبد القادر بن قرينة، أن الانتخابات الوحيدة، التي لم تُزور منذ إنطلاق المسار الديمقراطي بالبلاد هي انتخابات التسعينات، مواصلًا: "سأكرس شفافية حقيقية وتامة وإرادة سياسية لتكون الانتخابات بعيدة عن أي تزوير".

كما ذهب إلى نفس الاتجاه، المتنافس علي بن فليس الذي قال في الشق السياسي خلال المناظرة إنه سيجمع كل الأطراف السياسية بما فيها المعارضة للعمل على إدراج قوانين للانتخابات والأحزاب ولسلطة الانتخابات تمنع التزوير. وشدد عبد المجيد تبون على أن انتخابات الـ 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري ستكون سابقة تسند إلى هيئة خارج سلطة الحكومة، مشيرًا إلى أن "هناك غريزة تزوير ما تزال سائدة والقوانين الموجودة وتجند الشعب سيحبطا أي محاولة تزوير". كما أوضح أن "الشعب المنبطح هو من يساعد على التزوير لكن الحرص على وصول الأصوات إلى وجهتها يمنع ذلك".

وكذلك دعا المترشحان عز الدين ميهوبي وعبد العزيز بلعيد إلى ضرورة محاربة شراء الذمم والأصوات الانتخابية لقطع الطريق أمام المزورين، واعدين بتعديلات قانونية تكرس الحق في الانتخابات بعيدًا عن التزوير.

غياب التفاعلية

وجد المترشحون الخمسة للرئاسيات أنفسهم مقيدين بأسئلة تُملى عليهم من الطاقم الصحفي الذي أدار المناظرة التلفزيونية، وغاب عن الأخيرة عنصر التفاعلية وهو نواة المناظرات السياسية الكبرى، وذلك راجع لميثاق الشرف الذي وضعته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

وما يعاب على المناظرة الانتخابية أن السلطة وضعت مسبقًا شروطًا تمنع المترشحين من التراشق وانتقاد بعضهم البعض، كما أن الصحفيين "تقوقعوا" في زاويا محددة متعلقة ببرامج المترشحين وأسئلة سطحية أكثر منها واقعية متعلقة بأحداث الجزائر.

وسجلت المناظرة خلال ساعاتها الثلاث محاولة المترشح عبد القادر بن قرينة القفز عن شروط سلطة الانتخابات، من خلال توجيهه لانتقادات حادة إلى النظام السابق مستخدمًا مصطلحات من الشارع السياسي الجزائري، على غرار "العصابة".

كما انتقد المترشح عز الدين ميهوبي، بشكل غير مباشر منافسه المترشح الحر عبد المجيد تبون بكشفه عيوب برامج السكن، التي كان يرأس وزارتها هذا الأخير.

أخطاء تقنية..

وقعت مؤسسة التلفزيون العمومي الجزائري في حظرٍ مفضوحٍ، من خلال ممارستها "الشرعية" على النقل الحي للمناظرة التي فتحتها السلطة المستقلة للانتخابات، باعتبارها الراعي والمنظم الحصري لها، لكل القنوات الخاصة المعتمدة، غير أن القائمين على البث المباشر من مؤسسة البث التلفزي الجزائري عمدوا إلى وضع شارة القناة الرسمية الجزائرية، واضعين بذلك يدهم على الصورة، ما جعل قناة "النهار" الخاصة تمارس حيلًا لنزع شارة التلفزيون العمومي.

وفشل القائمون على الأستوديو الضخم المخصص للمناظرة المتلفزة، في استغلال المعدات التقنية للحدث الأبرز رغم إشراك تقنيين فرنسيين وتونسيين، وراح التقنيون والمخرجون يقدمون صورتين وحيدتين من بعيد وعن قرب للحضور والصحفيين والمترشحين الخمسة.

وفي الساعة الثامنة و14 دقيقة من المناظرة، وقع خلل تقني آخر متعلق بنقل الصوت، إذ وجد المترشح عبد العزيز بلعيد نفسه يخاطب الجمهور بصوت يشوبه تشويش وضجيج إلى أن تدارك القائمون على القسم التقني الخطأ وصححوا الهفوة.

وفي الوقت بدل الضائع، وقبل نصف ساعة من نهاية المناظرة تحرر القائمون على الجانب الإخراجي التلفزي ومزجوا صورًا جمالية للمترشحين والأستوديو الضخم بجمهوره الحاضر، مع التركيز في صور فردية على رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات محمد شرفي.