نشطاء في مصالح

نشطاء في مصالح "كوفيد -19".. في مواجهة الوباء والملاحقات القضائية

ناشرو الفيدوهات المنتقدة للوضع الصحي من داخل المستشفيات مهدّدون بالحبس (تصوير: رياض قرامدي/أ.ف.ب)

أثار نشر مواطنين فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر ما يعتبرونه "تسيبًا" وعدم اهتمام بالمرضى في المستشفيات جدلًا واسعًا وسط الجزائريين، بين من يعتبر ذلك تشهيرًا وتحريضًا موجّهًا ضدّ الأطباء والمستشفيات التي تواجه اليوم لوحدها جائحة كورونا، وبين من يعتبرها الوسيلة الوحيدة المتاحة للمواطنين، لكشف تقصير السلطة في التكفّل بالمصابين بفيروس كورونا، ولإثبات أن ما تدّعيه السلطة بأن الوضع تحت السيطرة، مجرّد كلام لا يمتّ للواقع بأيّة صلة.

تعمل صفحة "أطباء" على فيسبوك، على نقل كل الأخبار المتعلّقة بالوضع الذي يعيشه عمّال قطاع الصحّة

ووسط هذا السّجال الذي يصعب فيه أحيانًا التفريق بين المتهم والضحية، تدخّلت السلطات بتطبيق القانون ضدّ مصوّري الفيديوهات، وتسليط عقوبات تصل إلى حدّ السجن، غير أن تفاعل المواطنين مع ناشري هذه الفيديوهات تختلف عن نظرة الحكومة، حيث تباينت بين مساند وداعمٍ لأصحابها وبين منتقد وناقم عليهم.

اقرأ/ي أيضًا: حصيلة.. 587 إصابة جديدة بكورونا و13حالة وفاة

تعاطف ودعم

في الـ 11 حزيران/جوان الماضي، تداول نشطاء على مواقع التواصل، فيديو يُظهر مصلحة "كوفيد-19" للمستشفى  الجامعي بن باديس بقسنطينة شرقي البلاد، في حالة مزرية ودون اهتمام بالمرضي الراقدين هناك لتلقي العلاج، حيث لقي تفاعلًا كبيرًا من قبل الجزائريين وتعاطفًا مع نزلاء المركز الاستشفائي.

وعلى إثر هذا الفيديو، أرسلت وزارة الصحّة لجنة للتحقيق في ما يحدث في هذه المؤسّسة، التي سارعت إدارتها إلى توقيف تحفظي لخمسة مستخدمين بين أطباء وشبه طبيين وأعوان، لكنها انتقدت في بيانٍ لها ناشري هذا الفيديو، واتهمتهم بالسعي لـ "تغليط الرأي العام".

ومع ارتفاع عدد الإصابات في البلاد، ارتفعت أيضًا الانتقادات الموجّهة للحكومة ولإدارات المؤسّسات الاستشفائية، في التكفّل بالمصابين بفيروس كورنا، وكانت الوسيلة الأسهل والوحيدة للتعبير عن رفض ما يحدث في الهياكل الصحيّة، هو النشر على الإنترنت وفضح المتخاذلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن بين الناقمين على الوضع، الكاتب والسوسيولوجي شرف الدين شكري، الذي انتقد عبر تدوينات وفيديوهات الوضع الصحّي في ولاية بسكرة، بعد ارتفاع عدد الإصابات، فتم إيقافه من قبل السلطات بتهمة الشتم والمساس بالهيئات والمؤسّسات الرسمية، لكن هذا الوضع الذي وجد نفسه فيه، جعله يحظى بتعاطف كبيرٍ من قبل المواطنين، الذين لم يرقهم توجّه الحكومة إلى قمع الأصوات التي تكشف النقائض الموجودة في المستشفيات، بدل فتح تحقيق ومعاقبة المتورّطين والعمل على تحسين الوضع بهذه الهياكل، والسهر على تقديم العناية الصحيّة اللازمة للمصابين بفيروس كورنا.

وحقّق فيديو نشره شاب بولاية المسيلة، ينتقد فيه الوضع بمستشفى سيدي عيسى، أين توفّي والده الذي أصيب بفيروس كورونا، تداولًا واسعًا على مواقف التواصل الاجتماعي، وتم مشاركته من قبل الكثيرين، بالتعليق عليه بعبارات تعزية وتتعاطف مع الحالة التي عاشها، وأدت إلى وفاة والده بسبب نقص الخدمات الصحية.

غضب وانتقاد

غير أن هذه المنشورات المتوالية لم تلق التعاطف نفسه من قبل الجميع، فصفحة "أطبّاء" التي يتابعها أكثر من مليون شخص على فايسبوك ترى في الفيديوهات المنشورة تهجمًا على السلك الطبي، ولا تنقل كامل الحقيقة مثل إرهاق العاملين في أقسام "كوفيد-19" وسط ظروف تغيب في بعض الأحيان عنها وسائل العلاج.

وتنقل الصفحة بشكلٍ دوري، أخبار اعتداءات على السلك الطبّي مثل الاعتداء على طبيبات مقيمات في مصلحة الطبّ الداخلي وحدة كوفيد بقسنطينة، واللواتي اضطررن للاختباء من المعتدين في غرف المستشفى.

ونُشرت أيضًا صورة رسام "يرد بطريقته على الهجمة الممنهجة ضدّ الفرق الطبيّة ببرج بوعريريج"، والتي تضمّنت الآية القرآنية "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".

وتعمل صفحة "أطباء" على فيسبوك، على نقل كل الأخبار المتعلّقة بالوضع الذي يعيشه عمّال قطاع الصحّة، ونفي التهم الموجّهة لهم، فقد أشارت إلى كسر أنف طبيب من قبل أقارب مريض بكورونا، اعترضوا على قرار عدم تحويله من مصلحة العزل إلى مصلحة الأمراض المعدية.

وإذا كانت الفيديوهات السابقة قد لقيت تعاطفًا من البعض، فإن الفيديو الذي نشرته مغنية الراي سهام المعروفة باسم "الجابونية"، وانتقدت فيه الخدمات الصحية بمستشفى وهران الجامعي، بتهجمها لفظيا على الطاقم الطبّي والعمال، قد قوبل باستهجان وتنديد كبيرين من قبل روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين استغربوا إقدام من تدّعي انتمائها لعالم الفنّ، على التطاول على الطبيب الذي يُفني أكثر من عقدين من حياته على الأقلّ في الدراسة، ودون التزام بآداب المعاملة والاحترام لأفراد "الجيش الأبيض".

من جهة أخرى، انتقد البعض الهجوم الذي تعرّضت له المغنية ذاتها مقارنة بباقي ناشري الفيديوهات المنتقدة للخدمات الصحية بالمستشفيات، واعتبروا أن هذا التنديد جاء من منطلق رفضهم واحتقارهم لمهنتها كمغنية ملاهٍ، أكثر من رفضهم لنشر هذه الفيديوهات، بالنظر إلى أن سابقيها ممن قاموا بالفعل ذاته لقوا تعاطفًا واسعًا على عكس التفاعل الذي كان مع الفيديو الذي نشرته.

مقاضاة وحبس

رفعت إدارة مستشفى وهران دعوى قضائية ضد "سهام الجابونية"، بعد الفيديو الذي نشرته، وأدينت على إثرها بـ 18 شهرًا حبسًا نافذًا من قبل القضاء، عن تهم إهانة موظف أثناء تأدية مهامه، وإهانة هيئة نظامية، والقذف، والتقاط صور ونشرها بغير إذن صاحبها، والمساس برموز الثورة التحريرية.

وأيد كثيرون هذا الحكم الصادر ضد "سهام الجابونية"، لكن اعتبروا متابعة ناشري فيديوهات مستشفيات قسنطينة وسيدي عيسى وبسكرة، ظلمًا لأقرباء مرضى "كوفيد -19" أو المتوفّين بهذا الوباء الفتاك.

وبخصوص حادثة مستشفى سيدي عيسى، أوضحت ولاية المسيلة أن "حادثة الفيديو تعود إلى قيام خمسة أشخاص باقتحام حرم المؤسّسة الاستشفائية بتسلق السياج، حاملين معهم العصيّ، ليهدّدوا الطاقمين الطبي وشبه الطبي العاملين ومنهم الطبيبة المناوبة، وأخذ الشخص المتوفّى من سريره ورميه في الرواق بجانب النفايات الطبية التي تم إفراغها عمدًا قصد الإساءة لوضعية الشخص المتوفّى والمستشفى".

وأضافت الولاية في بيان لها، أنه "بعد فتح تحقيق في الحادثة تم التعرّف على هويّة أحد الأشخاص المشتبه بهم، وتم توقيفه والتحقيقات متواصلة في هذا الشأن لتوقيف بقية المتورّطين وتقديمهم للعدالة".

غير أن هذا التحرّك من إدارة ولاية المسيلة شرقي البلاد، لم يرق لكثيرين، الذين رأوا في ذلك تجنيًا على الشخص المشتكي في الفيديو المنشور، والذي أقدم على بثّه في مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب الحزن الذي يعيشه إثر وفاة والده، خاصّة في غياب السلطات المحلية وتفضيلها للحل الجزائي، بدل معالجة النقائص الموجودة في المؤسسات الاستشفائية.

وتستند السلطات في متابعة ناشري الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى المادة 196 مكرّر من قانون العقوبات المعدّل مؤخرًا التي تنصّ على أنه "یعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبغرامة من 100 ألف دج إلى 300 ألف دج، كل من ینشر أو یروج عمدًا بأيّة وسیلة كانت أخبارًا أو أنباءً كاذبة أو مغرضة بین الجمھور، یكون من شأنھا المساس بالأمن العمومي أو النظام العام، وتُضاعف العقوبة في حالة العود".

السلطة توجّهت إلى فرض عقوبات قاسية ضدّ كل من ينشر فيديوهات من داخل المستشفيات

وإن كانت هذه المادة تحفظ للأطباء حقّهم في عدم التشهير والتحريض عليهم دون وجه حقّ، إلا أنها تطرح عدة تساؤلات بشأن حقّ المواطن في التعبير وكشف الحقيقة، خاصّة في عصر صار فيه الإعلام البديل وصحافة المواطن واقعًا لا يمكن مقاومته، وإنما يمكن تنظيمه وتأطيره.

اقرأ/ي أيضًا:

فيديو مصلحة كورونا.. إيقاف 5 موظفين بالمستشفى الجامعي لقسنطينة

خرق قرار حظر السباحة.. هل تنقل مياه البحر فيروس كورونا؟