نوّارة لحرش تسأل

نوّارة لحرش تسأل "ذلك الذي حكى البحر".. مرزاق بقطاش يلفظ سيرته الذاتية

الكاتب الجزائري مرزاق بقطاش (الصورة: موقع سيلا)

ليس غريبًا أن تصف نوّارة لحرش الروائي مرزاق بقطاش بـ "ذلك الذي حكى البحر"، وقد جاء عنوانًا لكتابها الصادر أخيرًا عن منشورات "الوطن اليوم" بالجزائر، فهو الذي وُلد قرب شاطئه وكتبه مثلما لم يكتبه مُعظم الروائيين الجزائريين القادمين من "يابسة" القرى الصغيرة والمدن الهامشية.

من يعرف مرزاق بقطاش أو يقرأ مقالاته المنشورة في الصحف بالعربية والفرنسية يُدرك أنه أمام "قارئ محترف"

كان الراحل الطاهر وطّار أوّل من انتبه للأمر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما قدّم الرواية الأولى لمرزاق بقطاش "طيور في الظهيرة"، وبشّر حينها بميلاد كاتب المدينة في الجزائر، وميلاد "أدب المدينة" مقابل "الريف" الذي أنجب كبار الروائيين الجزائريين، على عكس ما هو معروف في الرواية العالمية.

اقرأ/ي أيضًا: "جدل الثقافة".. النقد في مواجهة أسئلة الكولونيالية وما بعدها

وبعد عقود طويلة من الكتابة باللغتين العربية والفرنسية، وبعيدًا عن الضجيج، أرادت نوّارة لحرش، تكريم بقطاش بطريقة رمزية، حيث أصدرت كتابًا في شكلٍ حوار مطوّل مع "ذلك الذي حكى البحر"، والذي سيكون حاضرًا في صالون الكتاب المزمع تنظيمه ما بين 30 تشرين الأوّل/ أكتوبر الجاري و9 تشرين الثاني/ نوفمبر الداخل.

في هذا الحوار يكشف بقطاش سرّ علاقته بالبحر، فيقول: "أنا من عائلة بحّارين تحترفُ البحر من عام 1915، والبحر هو الخبز أولًا، ثم هو الرمز الكبير الذي يتّسع مداه كلما نظرت إليه. أنا أجد فيه كلّ شيء. أسكن قبالة البحر، ويستحيل أن يمرّ عليّ يوم دون أن أصبّحه وأمسّيه".

لا عجب إذن، إن تكرّرت تيمة البحر في نصوصه المتنوّعة بين الرواية والقصّة والمقال والدراسات، بدءًا بالعناوين، مثل: "جراد البحر"، و"مدينة تجلس على أطراف البحر"، و"المومس والبحر"، وعنوانين أخرى كان البحر فيها "ضميرًا مستترًا".

من يعرف مرزاق بقطاش أو يقرأ له مقالاته المنشورة في الصحف بالعربية والفرنسية، يُدرك أنه أمام "قارئ محترف"، قبل أن يكون كاتبًا محترفًا، فهو يجمع بين مختلف الثقافات، ساعده تخصصه الجامعي كمترجم بين اللغات العربية الفرنسية والإنجليزية على ذلك.

لا يتصوّر بقطاش الفصل بين القراءة والكتابة، فهما بالنسبة إليه مثل "وجهي أية قطعة نقدية"، ويذكر في هذا الصدد مقالًا له صدر قبل سنين في مجلة "العربي" عنوانه "الحمد لله الذي خلق القراءة والكتابة، وأعطاني حظًا منهما"، إذ يؤكّد: "منذ عرفت معنى الحرف، وأنا في سن الثالثة من العمر، عام 1948، وجدتني أوطد العلاقة تلقائيًا بين القراءة والكتابة، بل إنني كثيرًا ما اعتبرت، وما أزال، أن القراءة جزء من الإبداع الأدبي".

ومن منطلق القراءة، يؤكّد بقطاش أنه كتب عن مدينة الجزائر لأنه "يعرفها وعايشها"، وتأسّف لأنّ كثيرًا من الروائيين القادمين من "القرى والمداشر" لم يكتبوا ذاتهم واستعاروا مدنًا غريبة عنهم "كأني- يقول- بالروائي يخجل من وصف والدته وهي تفتل الكسكسي في قرية من القرى، أو من والده وهو يعود من الحقل".

وعن تجربة الراحل الطاهر وطار الذي كتب مدينة "قسنطينة" في روايته "الزلزال"، فيقول بقطاش إنّ السبب هو "إيديولوجي بحت"، وعلى العكس من ذلك "مولود معمري كان صادقًا مع نفسه حينما كتب رواياته وعالج فيها وضع الإنسان في القرية التي ولد بها، وهذا على الرغم من أنه عاش بعد ذلك في وسط مديني، ومحمد ديب فعل الشيء نفسه".

يتمنّى مرزاق بقطاش أن "يقرأ رواية يكتب فيها أديب من الطوارق عن تامنراست والهقار بصفة عامة، وأخرى عن مداشر الأوراس وثالثة عن الهضاب العليا. ويظلّ الموضوع الروائي الكبير في حاجة ملحّة إلى الصدق الفنّي والصدق في التعبير".

يتواصل نهر الذكريات متدفقًا مع الروائي مرزاق بقطاش، لكنه يضطرب عندما يصل به إلى سنة 1993، فيُحاول القفز في الزمن، لكن المحاورة نوارة لحرش تُعيد السؤال مرّة أخرى، عن تلك الحادثة عندما "كادت رصاصة مرّت عبر قفاه أن تذهب به إلى نومة أبدية لا استفاقة بعدها".

كان ذلك عندما تعرّض كاتبنا إلى محاولة اغتيال، تركت أثرًا عميقًا في نفسيته وفي صوته الذي يكاد يفقده، فيستعيد ذلك المشهد المأساوي ويقول: "سامح الله من وجّه تلك الرصاصة إلى دماغي، ولكن لا سماح الله لمن دبّروا تلك المكائد كلّها، أيًا ما تكن انتماءاتهم السياسية والعقائدية والأمنية. كلّهم مجرمون سواءً بسواء".

تعرّض الروائي مرزاق بقطاش لمحاولة اغتيال في فترة التسعينات تركت أثرًا عميقًا في نفسه

وفي الوقت الذي انتظرنا قراءة مذكرات مرزاق بقطاش بعد هذا العمر من الكتابة، جاء هذا الكتاب الصغير في حجمه، والمهمّ في مضمونه، في شكل سؤال من نوارة لحرش وجواب من بقطاش، ليُقدّم شذرات من سيرة ذاتية، ظلّت سنين طويلة موزّعة بين مقالاته الكثيرة ومؤلفاته الروائية والنقدية والقصصية، وبعضها مدفونًا في ذاته التي كادت تُفارق عالمنا سنة 1993، في زمن العشرية السوداء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصص "أخبار الرازي".. هل يحكم الجنون العالم؟!

رواية "الحي السفلي".. سجل سياسي لانتحار بطل كافكاوي