قصص

قصص "أخبار الرازي".. هل يحكم الجنون العالم؟!

غلاف مجموعة "أخبار الرازي" القصصية

هل هناك مبرّر لقراءة "أخبار الرازي" لأيمن الدبوسي في هذا الوقت بالذات؟ كان النصّ بحوزتي منذ سنتين، وأتذكّر أنّ الكاتب التونسي قد أرسله لي، لكنّي تركتُ النص جانبًا، فكثيرًا ما نترك النصوص، فلا نقرأها، لأنّ وقت قراءتها لم يحن بعد.

في "أخبار الرازي"، يقحمنا السارد عالمًا لا توثقه التقارير الطبية، ذلك الجانب الواقع وراء اللغة والخطاب الطبي، إنه عالم الجنون

لا أملك ما يمكن أن يبرهن على علاقة النصوص بالزمن، أقصد زمنية القراءة تحديدًا، لكنّه سؤال لا نطرحه دائمًا: لماذا نقرأ نصًا الآن، ونؤجّل قراءة نصوص أخرى إلى وقت لاحق؟ ومن يدري قد لا نقرأها إطلاقًا؟ هل أسمي هذا تجاهلًا؟ لا أحبّذ التسرع في تقديم إجابة هنا، لأنّ لفظة التجاهل تحمل حكمًا قاسياً. وفجأة، تمثّل في ذهني هذا النص، كأنّ صوتًا غيبيًا انطلق من اللا شعور لينبهني مرة إلى هذا النص.

اقرأ/ي أيضًا: "مونتي".. القصة الكاملة لـ"سمسار" حسني مبارك

الرازي مصحة نفسية

و"أخبار الرازي"، مجموعة قصصية للكاتب التونسي أيمن الدبوسي. والرازي هنا لا يحيل إلى اسم العالم الإسلامي أبو بكر الرازي، بل إلى مصحة للأمراض النفسية. والقصص في "أخبار الرازي" هي يوميات السارد، ويبدو أنّ هناك سارد واحد لكل هذه القصص، وهو الذي يعمل طبيبًا في هذه المصحة.

أيمن الدبوسي
أيمن الدبوسي نفسه طبيب نفساني في مصحة الرازي التي كتب عنها

سندخل إلى عالم الجنون والأمراض النفسية، والهذيان، والمفارقات. كما سنكتشف من خلال هذه اليوميات عالمًا عنيفًا، يتصادم فيه العقلاء مع المجانين، ومن حين إلى حين نشهد عملية تبادل المواقع بين الطرفين.

جدير بالذكر أن أيمن الدبوسي نفسه طبيب نفساني في مصحة الرازي بتونس. وقد تعرض لمضايقات من قبل إدارة المصحة بعد أيام من صدور مجموعته القصصية.

عالم ما وراء التقارير الطبية

وبالعودة للسؤال الأول: لماذا هذه النصوص الآن؟ ثمة فكرة أساسية أحالت إليها قراءة يوميات الطبيب النفساني، وهي أن العالم مصحة كبيرة للمرضى، فمن خلال هذه القصص نكتشف الجانب المريض في العالم؛ وأصعب ما في هذه الخلاصة هو أنّنا نفتقد للمعايير الدقيقة للتمييز بين من هو المجنون ومن هو العاقل، بين من هو الطبيب ومن هو المريض.

يقحمنا السارد في العالم الذي لا توثقه التقارير الطبية، أي ذلك الجانب الذي يقع دائمًا وراء اللغة، ووراء الخطاب الطبي، وهو عالم الجنون والهلاوس والانفصامات والهذيان. فبين جدران غرف الحجز الطبي تنام القصص المريبة التي تحكي الحقيقة. وكأنّ الخطاب الطبي هو خطاب وأد الحقيقة. كائنات فصامية عنيفة مسكونة بالكوابيس والخرافات، حتى ادعى بعضها النبوة، وأخرى تبحث عن طريقة للموت.

هذيان الطبيب النفساني

لكن ما أثار الانتباه أنّ السارد، أي الطبيب النفساني، هو نفسه يعاني من الهذيان؛ فهناك دائمًا من يرافقه في مكتبه، وهو دانتي أليغييري، وكذا أبو العلاء المعرّي الذي يحب الاختباء داخل الخزانة، وفي الخارج يحدث أن يصادف نيتشه دون شواربه الأسطورية، وقد يكون من زواره إميل سيوران شخصيا. عالم هذياني بامتياز، والأدب يشكل جزءا كبيرا من ذلك الهذيان.

ألم يحدث أن نظرنا إلى العالم بأنه يعاني من الهذيان؟ هناك كتاب صدر منذ سنة عن الحكام الذين يحكمون العالم وقد وصفهم الكتاب بالمجانين؟ ألا يبدو العالم مثل شخص فقد عقله؟

هل يحرك الجنونُ العالمَ؟

تعزز هذه النصوص، هذه الرؤية بأنه من الممكن أن نكون قد أخطأنا في قراءة التاريخ، وأنّ العقل الذي ندعي أننا ننتمي إليه، هو مجرد الجزء البسيط الظاهر من الحقيقة، في حين أنّ ما يحرك العالم هو الجنون، هو كل هذه الأمراض النفسية التي نداريها بطرق شتى. كم هي مخيفة ومربكة هذه الحقيقة المزعجة.


"أخبار الرازي" و"انتصاب أسود"، عملا أيمن الدبوسي

لا يُمكن أن تخرج من نصوص الدبوسي دون أن تعيد بنفسك طرح سؤال طرحته شخصية في النص: "هل الجنون معدي؟"، ستشعر أنّ العدوى قد تنتقل إليك. وفي نص آخر، نتابع مباراة كرة قدم؛ اللاعبون من الممرضين، والجمهور من المجانين. يدخلنا النص إلى لعبة المركز والهامش/ العاقل والمجنون، لكن كانت المباراة مجرد عبث فوضوي انتهى بحصول إصابات بين الممرضين، وكان في كل مرة يصاب ممرض يُستبدل بمجنون، لتنتهي المباراة بمباراة بين المجانين. زحزحة رهيبة للمركز.

كتب صاحب رواية "انتصاب أسود"، نصوصًا مثيرة، وأعاد للسرد قوته على زحزحة اليقينيات وإسقاط الكلفة عن البلاغة الأخلاقية، فكل ما يتحرك داخل المصحة يخضع لقانونها الداخلي، وقد نظنّ بأنّ العقلاء هم من يضع تلك القوانين، في حين أنّ الأمر عكس ذلك.

تعزز نصوص "أخبار الرازي" الاعتقاد بأنه من الممكن أن يكون العقل الذي ندعي انتماءنا إليه، هو مجرد الجزء البسيط الظاهر من الحقيقة

وما يلفت في هذه النصوص أيضًا، أسلوبها الساخر، حتى أن بعض القصص تدفع للضحك حد القهقهة. وما يثير العقل والنظر فيها، أن الحقيقة حين نكتشفها قد يكون لها مفعول السخرية من عالم العقلاء وليس من عالم المجانين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سعيد خطيبي.. خيوط الدم بين البوسنة والجزائر

"مخاض سلحفاة".. رواية الواقع الجزائري البطيء