ولاة الجمهوريّة.. هؤلاء الذين لا يُحاسبون

ولاة الجمهوريّة.. هؤلاء الذين لا يُحاسبون

(فيسبوك/الترا جزائر)

يعلم المواطن الجزائري؟ أنّ الدّساتير التّي عرفتها البلاد منذ استقلالها؛ بغضّ النّظر عن كونها كانت فاعلًا أم مفعولًا بها أم مفعولًا فيها، حدّدت النّظام السّياسيّ بكونه رئاسيًّا؛ مع شيئ من الصّلاحيات للبرلمان والحكومة؛ لكنّه لا يلمس في يومياته ومحيطه القريب أثرًا لوجود مؤسّسات الرّئاسة والبرلمان والحكومة، فالسّلطة المطلقة التّي تسيّره هي سلطة الوالي. جاء الوالي لم يجئ الوالي. قال الوالي ما لم يقل الوالي.. قرّر الوالي لم يقرّر الوالي.

إنّ الجزائريّين وهم يقتربون من خمسين مليون نسمة خاضعون في الحقيقة لسلطة 58 شخصًا لا غير، هم ولّاة الجمهوريّة

أراد الوالي لم يُرد الوالي؛ فلا شيء ولا أمر ولا حركة في الولاية من غير إرادة الوالي؛ حتّى باتت المديريّات التّنفيذيّة لمختلف القطاعات بلا جدوى؛ فكأنّها مجرّد مكاتب ملحقة بديوان الوالي. ولا وزير يجرؤ على تعيين مدير ولائيّ لقطاعه من غير موافقة الوالي. بل إنّه لا مجال لرؤساء المجالس البلديّة الذّين هم منتخبون من الشّعب في أن يقرروا أو يسيروا خارج مزاج وإرادة الوالي.

اقرأ/ي أيضًا: في ثاني حركة تغييريّة.. تبون ينهي مهام 8 ولاة و6 ولاة منتدبين

لقد زرت عدّة إذاعات محليّة؛ وهي تعمل تحت مسمّى "الإعلام الجواريّ"، فلاحظت أنّ مدراءها وصحافيِّيها لا يراعون رضا المواطن الذّي وُجدت من أجله؛ بل يراعون رضا الوالي. وأنّ تحرّكاته حتّى وإن كانت عادية وبسيطة وأحيانًا تكون تافهة وبعيدة عن الأولويّات، تحظى بالصّدارة في نشرات ومواجيز هذه الإذاعات، في ظلّ أحداث مهمّة تتعلّق بالمجتمع المدنيّ!

يحدّد الدّستور وكثير من قوانين الجمهوريّة مهامّ وصلاحيّات رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان ورئيس المجلس الشّعبيّ البلديّ ورئيس المجلس الشّعبيّ الولائيّ؛ لكنّ صلاحيات الوالي تبقى مطلقة من غير قانون يحدّدها. ويُحاسب هؤلاء؛ ولو ظاهريًّا أمام جهات معيّنة، ما عدا الوالي، فلا أحد يحاسبه!

إنّ الجزائريّين وهم يقتربون من خمسين مليون نسمة خاضعون في الحقيقة لسلطة 58 شخصًا لا غير، هم ولّاة الجمهوريّة. الذّين يأتون فجأةً إلى الولايات من غير أن يعرفهم أحد أو يعرف برامجهم ومؤهّلاتهم، ويذهبون فجأةً أيضًا من غير  أن يحاسبهم أحد على ما قدّموا أو لم يقدّموا!

فالوالي وحده هو من يرسم الخارطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والرّياضيّة وهلمّ جرًّا لولايته؛ فكأنّنا بصدد إقطاعيات خاصّة لا بصدد ولايات تابعة لجمهوريّة واحدة. وإنّه من المسكوت عنه لدينا ظاهرة الفقاعات التّي صنعها الولّاة وأبناء الولّاة في مجال الاستمار والأعمال؛ بعيدًا عن أيّ منابعة شعبيّة أو حكوميّة. فكم من والٍ سابق أو حالي طاله ما سُمِّي بالمنجل؟

هل من المنطق والعقل والمهنيّة والوطنيّة والدّين والتّاريخ والأخلاق وأصول الحكم أن يبقى؛ على سبيل المثال الصّارخ هذه الأيّام، ولّاة ورقلة وتيزي وزّو وسطيف وخنشلة وتلمسان في مناصبهم، فلا هم استقالوا ولا هم أقيلوا؟ وكأنّ شيئًا لم يحدث في ولاياتهم؟

إنّ والي خنشلة احترقت غابات ولايته بكلّ ما ترتّب عن ذلك من حرائق ماديّة وبشريّة وحيوانيّة؛ وإنّ والي ورقلة تشهد ولابته منذ شهر احتجاجات شعبيّة قد تتطوّر إلى ما لا يحمد عقباه؛ وإنّ ولّاة تيزي وزّو وسطيف وتلمسان مات عشرات المواطنين في ليلة واحدة في مستشفيات هم يشرفون عليها بسبب الإهمال والارتجال! هل هذا قليل؟

والغريب في هذا كلّه أنّ المواطن نفسه قد يحتجّ على الحكومة ويطالب برحيلها وعلى رئيس الجمهوريّة ويطالب برحيله؛ وعلى البرلمان ويطالب بحّله، حدث هذا أكثر من مرّة، كان آخرها مطلع الحراك الشّعبيّ والسّلميّ، لكنّه لا يفعل ذلك مع الولّاة؛ لأنّهم ترسّخوا في ذهنه بكونهم فوق مقام المحاسبة والمراقبة والمتابعة والمطالبة بالرّحيل! وهم استغلّوا هذا الوضع/ المعطى؛ فتغوّل بعضهم، حتّى صاروا أربابًا صغارًا.

هل لاحظتم أنّ كثيرين في مسعاهم إلى القول إنّ عهد بوتفليقة استمرّ في عهد تبّون،  أشاروا إلى الوجوه البوتفليقيّة التّي عادت أو استمرّت؛ بما فيها الرّئيس الحالي؛ لكنّ قلّة قليلة فقط أشارت إلى أنّ معظم الولّاة الحاليّين هم ولّاة بوتفليقة؟

وإنّ قليلًا من المتابعة يجعلنا ندرك أنّ قطاعًا واسعًا من الولّاة منذ مطلع الاستقلال الوطنيّ يملكون عداءً دفينًا لكلّ ما هو ثقافيّ حقيقيّ

وإنّ قليلًا من المتابعة يجعلنا ندرك أنّ قطاعًا واسعًا من الولّاة منذ مطلع الاستقلال الوطنيّ يملكون عداءً دفينًا لكلّ ما هو ثقافيّ حقيقيّ؛ فهم يميلون إلى الفلكلوريّات الفقاعيّة ويشجّعونها ويحتفون بممارسيها؛ في مقابل تهميش مرّ لكل مبادرة أو تظاهرة ثقافيّة تتعلّق بصناعة الوعي وتثمينه؛ بل إنّ كل مدير ثقافة يملك نظرة ثقافيّة واعية ومتميّزة وخارجة عن القطيع يضعه الوالي في خانة المتبوذ والمغضوب عليه، فيبقى مكتوف اليدين في مكتبهسأل أحدُهم أحدهم: ما الذّي يجب أن يحدث حتّى يُعزل الوالي في الجزائر أو يُحاسب؟ فقال له: إذا لم يزوّر الانتخابات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بلديات بقانون خاص.. هل يفتح الدستور الجديد الباب أمام نظام فيدرالي؟

إيداع واليين سابقين الحبس.. هل وصلت آلة القضاء إلى ولاة بوتفليقة بعد وزرائه؟