ultracheck
اقتصاد

أطفال الجزائر يقاومون التقشف بخبز "المطلوع"

29 أكتوبر 2016
GettyImages-154807367.jpg
يقبل الجزائريون بشكل خاص على خبز المطروح (ريزا/Getty)
عبد الرزاق بوكبة
عبد الرزاق بوكبة شاعر وروائي وإعلامي من الجزائر

للوضع الاقتصادي، صعودًا وهبوطًا، دور حاسم في تحديد أنماط العيش والتفكير والسلوك، ويصبح هذا الدور أكثرَ حسمًا في المجتمعات التي يعتمد اقتصادها على النفط، في ظلّ حكومات تعمل بمنطق "أحيني اليوم واقتلني غدًا"، إذ تستهلك كلّ العائدات متى توفرت، من غير أن تخصّص منها ما يغذي مشاريع استثمارية تدرّ الثروة.

من الظواهر التي أفرزتها مرحلة التقشف في الجزائر، خروج الأطفال إلى أرصفة الشوارع لبيع الخبز المصنوع على الأفران في البيوت

هذا الوضع ينطبق تمامًا على الاقتصاد الجزائري، الذي لا يصدّر إلا 300 مليون دولار خارج المحروقات، رغم أن مساحة البلاد تبلغ 2.5 مليون كيلومتر مربع، وساحلها يبلغ 1500 كيلومتر، وفصولها أربعة في الفصل الواحد، وهو ما دفع الحكومة إلى مواجهة الشعب بسياسة التقشف، مباشرة بعد نزول سعر البرميل إلى ما دون الخمسين دولارًا أمريكيًا.

اقرأ/ي أيضًا: فواتير الكهرباء والغاز تصعق جيوب الجزائريين

لم تستوعب الأسرة الجزائرية الأمر في الأسابيع الأولى، ذلك أنها تعوّدت على ثقافة التبذير على مدار عشرية كاملة، لكنها راحت تتكيّف معه فيما بعد، وفق أكثر من طريقة وإجراء، حتى تضمن استمرار اللقمة، ولا تقع حبيسة الحاجة إليها.

من الظواهر التي أفرزتها مرحلة التقشف وتكيّف الشارع الجزائري معها، خروج الأطفال الذين في سنّ التمدرس إلى أرصفة الشوارع وجنبات الطرق السيّارة، لبيع الخبز المصنوع على الأفران في البيوت، يسمّى شعبيًا "المطلوع" أو "خبز الخميرة"، مستغلّين تعلّق الجزائري به، أكثر من "الخبز الفرنسي"، الذي يباع في المخابز، ويستهلك منه الجزائريون البالغ عددهم 40 مليونًا، ما يقارب من 49 مليون خبزة يوميًا.

يختلف لون وحجم وطعم "المطلوع" من منطقة إلى أخرى، ويقلّ إعداده ذاتيًا في المدن الكبرى، لذلك فهو يباع في المطاعم والمحالّ التجارية، وعلى الأرصفة، بسعر يتجاوز مرتين سعر الخبز العادي، وقد يتجاوز ذلك بكثير، خلال شهر رمضان، حيث يصبح وجوده على مائدة الإفطار عادة مقدّسة.

ما إن يعود سعيد مساء من المدرسة، 11 عامًا، في مدينة بودواو، 38 كيلومتر شرق الجزائر العاصمة، حتى يجد أمّه قد أعدّت كيسًا يحوي من 20 إلى 30 خبزة/"مطلوعة"، ليطلع بها إلى ساحة الحي، وقلما يجد نفسه مضطرًا لأن يجلب الانتباه إلى سلعته بالنداء عليها والإشادة بها، مثلما يفعل باعة سلع أخرى، لأن الإقبال عليه يحدث عفويًا.

يضع سعيد خبزه داخل قماشة نظيفة فوق كرسي بلاستيكي، حتى لا يتعرّض للغبار والذباب، تاركًا خبزة ظاهرة للعيان حتى تحدّد طبيعة السلعة، وإلى جانبها صحن صغير يضع فيه النقود. "اتفقت الأسرة على تقاسم الأعباء، فأبي يجلب كيس السميد من الدكّان، وأمّي تعجن الخبز وتنضجه على الكانون، فيما أتولّى أنا بيعه في الخارج"، هذا ما صرح به سعيد لـ"ألترا صوت".

الأطفال باعة المطلوع على أرصفة الشوارع، أكثر حظًا من الذين يبيعونه على جنبات الطرق السيارة، باعتبار قربهم إلى البيت وقلة المخاطر

يقول محدثنا إنه مرّت تسعة أشهر على تولّيه هذه المهمّة، والسبب هو "ضرورة كسب مدخول إضافي، حتى تستطيع الأسرة قضاء حاجاتها المختلفة، في ظلّ ارتفاع الأسعار". ويكشف: "نشتري كيس السميد بـ1000 دينار، ونربح منه 500 دينار".

اقرأ/ي أيضًا: أول رمضان في زمن التقشف الجزائري

التحق ثلاثة أطفال آخرين بالمكان ذاته، من بينهم بنت، ورصدنا منافسة بينهم على المكان الأكثر استراتيجية، فيما انتشر آخرون في أماكن أخرى. تقول وداد: "تعوّدت على الخروج في الوقت الذي ينفذ فيه الخبز العادي من المخابز والدكاكين، حيث يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى شراء المطلوع، هكذا لا أقضي وقتًا طويلًا على الرصيف". وتعترف: "هذه التجارة ضمنت لي ولإخوتي الثلاثة ثمن اللباس والأدوات خلال الدخول المدرسي، وجعلت مائدتنا في رمضان متنوعة".

الأطفال باعة "المطلوع" على أرصفة الشوارع، أكثر حظًّا من الأطفال الذين يبيعونه على جنبات الطرق السيّارة، من زاوية قربهم إلى بيوتهم، وقلة المخاطر، ذلك أن بعضهم تعرّضوا لحوادث أودت بحياتهم أو خلّفت لهم إعاقاتٍ دائمة.

في الشطر الغربي من الطريق السيّارة، الذي يربط شرق البلاد بغربها، 1700 كيلومتر، يحتلّ أطفال ومراهقون مفاصلَ منه، لبيع "المطلوع"، مرفوقًا بسلع أخرى مثل اللبن والبيض المسلوق والماء المعدني وفواكه الموسم، مواجهين الموت بكرة وأصيلًا. يقول الطفل عثمان، في منطقة وادي رهيو غربًا، إنه يأتي في الفترات التي لا يدرس فيها، على أن يخلفه أبوه في غيرها. ويضيف: "الآخرون يدرسون كي يعملوا في المستقبل، وأنا أعمل كي أستطيع مواصلة الدّراسة".

خبز المطلوع في أحد البيوت الجزائرية (مواقع التواصل الاجتماعي)

اقرأ/ي أيضًا:

"قوانين صندوق النقد الدولي" تؤرق البرلمان التونسي

الجنسية المصرية للـ"بيع".. مقابل وديعة بنكية!

الكلمات المفتاحية

الاقتصاد الجزائري

ما توقعات البنك الدولي للاقتصاد الجزائري في 2026؟


القدرة الشرائية في الجزائر

القوة الشرائية تبلغ 915 مليار دولار.. ماذا يمثل هذا المؤشر للاقتصاد الجزائري؟

وضع تقرير حديث لصندوق النقد الدولي الاقتصاد الجزائري في المرتبة الرابعة عربيًا، بعد أن قدر حجمه بـ915 مليار دولار وفق مؤشر تعادل القوة الشرائية.


الجزائر-فرنسا

الجزائر-فرنسا.. تراجع المبادلات التجارية بـ14.8% خلال 2025

سجلت المبادلات التجارية بين فرنسا والجزائر انخفاضاً ملحوظاً خلال عام 2025 لتبلغ قيمتها الإجمالية 9,4 مليار يورو، مقارنة بـ11,1 مليار يورو في 2024، مسجلة انخفاضاً نسبته 14,8%. وفق ما نقله موقع "الخبر" عن بيانات صادرة عن المديرية العامة للخزانة الفرنسية.


أسعار الذهب في الجزائر

أسعار الذهب تنخفض في السوق الدولية.. ما صدى هذا التراجع في الجزائر؟

عادت أسعار الذهب للانخفاض عالميًا في تكريس للتقلبات التي تعرفها خلال هذا العام، لتوقف بذلك الارتفاع الذي شهدته في العامين الماضيين، وهو الانخفاض الذي يطرح تساؤلات بشأن مدى تطابقه مع مؤشرات المعدن الأصفر في السوق الجزائرية، وبالخصوص بعد أن وصلت الأسعار إلى معدلات قياسية لا تتلاءم مع القدرة الشرائية للجزائريين.

أوغسطين
ثقافة وفنون

ثاني أقدم زيتونة في العالم.. هنا مهد القديس أوغسطين ومحراب خلوته الروحية

دأب سكان مدينة سوق أهراس منذ عقود طويلة على مشاهدة سياح أجانب يداومون على زيارة هده الزيتونة في تتبع لمسار أوغسطين الخالد عبر هذه الربوع المقدسة لديهم، والممتدة عبر الزيتونة المباركة، وتاورة، ومادور

taks
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة ورياح قوية تضرب عدة ولايات

توقعت مصالح الأرصاد الجوية استمرار تساقط أمطار رعدية غزيرة، مصحوبة أحيانًا بكميات معتبرة، على عدد من الولايات الشرقية للبلاد، بالتزامن مع هبوب رياح قوية على مناطق أخرى، وذلك طيلة نهار اليوم الثلاثاء.


ميلوني
أخبار

زيارة البابا إلى الجزائر.. بماذا علّقت رئيسة الوزراء الإيطالية؟

علّقت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على جولة البابا ليون الرابع عشر إلى إفريقيا، التي تعد الأولى له في القارة وتشمل أربع دول هي الجزائر، الكاميرون، أنغولا، وغينيا الاستوائية، معربةً عن امتنانها وتمنياتها له بالنجاح في هذه الزيارة.

البابا
أخبار

بابا الفاتيكان: جئتُ بفرح للجزائر لأنها أيضًا أرض القديس أوغسطين

قال بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، خلال زيارته إلى جامع الجزائر، إنه جاء بفرح إلى البلاد باعتبارها أيضًا أرض القديس أوغسطين الذي كان دائمًا يبحث عن الحقيقة والسلام.

الأكثر قراءة

1
أخبار

الرئيس تبون في كلمة مشتركة مع البابا: ندعو لإنصاف فلسطين وإحلال السلام في الشرق الأوسط والخليج


2
أخبار

بابا الفاتيكان يدعو من الجزائر إلى عالم أكثر عدلًا ويحذّر من "دوامة الأحقاد"


3
أخبار

يوم وصوله إلى الجزائر.. ترامب يهاجم بابا الفاتيكان بسبب إيران


4
أخبار

أول زيارة بابوية في تاريخ الجزائر.. البابا ليون الرابع عشر يحلّ اليوم في "أرض أوغسطين"


5
أخبار

جدل فرنسي حول غلق الكنائس في الجزائر قبيل زيارة البابا.. ماذا حدث؟