أموال الجزائريين المهرّبة إلى الخارج.. هل يُمكن استرجاعها؟

أموال الجزائريين المهرّبة إلى الخارج.. هل يُمكن استرجاعها؟

الحراك الشعبي رفع شعارات تُطالب بمحاسبة الضالعين في قضايا فساد (أ.ف.ب)

تتسارع في الجزائر عمليات التحقيق والتوقيفات والمحاكمات، لرموز نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، من وزراء ورجال أعمال وولّاة، إذ تقول التحرّيات الأولية بشأنهم إنهم متورّطون في نهب المال العام، ما جعل مختصّين من حقوقيين واقتصاديين يطالبون بضرورة مصاحبة إجراءات التحقيق بالتعجيل في استرجاع هذه الأموال، خاصّة تلك المهربة إلى الخارج.

مظاهر الثراء التي ظهرت على مسؤولين في السلطة، كانت نتيجة التربّح من المناصب واستغلال المال العام خارج القانون 

إن كانت التحقيقات الأوليّة لم تكشف حجم الأموال المتحصّل عليها بطرق غير قانونية، سواءً تلك التي مازالت داخل الجزائر أو التي تم تهريبها إلى الخارج، إلا أن المؤشرات تنبئ بأرقام ضخمة، حسب تقارير دولية.

اقرأ/ي أيضًا: علي حدّاد.. نهاية إمبراطورية الزفت !

من جهة أخرى، اعتبر الرجل الأوّل في المؤسّسة العسكرية قايد صالح، في خطابات سابقة، "أن المال العام كان مشاعًا ومباحًا لأفراد العصابة، يغترفون منه كما يريدون ووقت ما يشاؤون ودون رقيب ولا حسيب"، وهو ما يشير إلى مظاهر الثراء التي ظهر عليها مسؤولون في السلطة، نتيجة التربّح من المناصب واستغلال المال العام خارج القانون، وقد تشكّلت ثروات هؤلاء في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقية خلال العقدين الأخيرين.

أبانت ملفات التحقيق الابتدائي المنجزة من قبل الضبطية القضائية للدرك الوطني، أن المتورّطين في الفساد من رجال الأعمال مجتمعين، يملكون ثروات بمليارات الدولارت، إضافة إلى مسؤؤلين سابقين تحدثت عنهم عدّة تقارير تقارير عن ممتلكات لهم خارج الوطن.

الاعتقال ليس كل شيء

هنا، يستعجل عبد المجيد سليني نقيب المحامين بالعاصمة الجزائر عملية استرجاع الأموال العمومية المنهوبة، ويدعو السلطات والجهات القضائية لأن تشكّل مهمّة استرداد ثروة الشعب أولوية أولى بالنسبة لباقي الإجراءات التي تتّخذ ضدّ من المتّهمين بالفساد على حدّ تعبيره.

من جهته، يؤيّد الخبير الاقتصادي عبد الرحمان عيّة في حديث إلى "الترا جزائر" ما ذهب إليه نقيب المحامين، بالنظر إلى أن الوضع الاقتصادي في الجزائر بحاجة إلى استرجاع أيّ مداخيل مالية ضاعت من الخزينة العمومية.

وقال عيّة إن الجزائر ليست دولة مثل فرنسا أو أميركا أو باقي الدول المتقدّمة التي تحارب الفساد باعتباره ظاهرة غيرة مرغوبة، وإجراءات العدالة ضدّ قضايا الفساد لها تأثير مباشر على السيرورة الاقتصادية عندهم، مبينًا أن "ما هو موجود عندنا عكس ذلك، حيث ليس لهذه المحاكمات أيّ تأثير مباشر على الاقتصاد وإن حدث، سيكون ذلك مستقبلًا".   

في هذا السياق، يرى المتحدّث أن مكافحة الفساد الحقيقية لا يجب أن تكتفي بحبس رجال الأعمال المعروفين، معتبرًا أن الفساد يتعلّق بمنظومة وليس فقط بمجموعة من الأفراد، ما يجعل استرجاع الأموال المنهوبة مسألة استعجالية قبل أيّ إجراء آخر على حدّ قوله.

من جهته، يقترح المحامي مصطفى فاروق قسنطيني تفاوضًا السلطة مع المحبوسين لتسهيل استرجاع الأموال المنهوبة، بتخفيف العقوبة عليهم مقابل عملهم على ردّ ما نهبوه طواعيةً، مبينًا أنّ هذا الإجراء طُبّق في عديد الدول التي عرفت حالات فساد شبيهة بالوضع الجزائري، مثلما أوضح في حديث إلى"الترا جزائر".

ودعا قسنطيني إلى تجريد الذين يثبت ارتكابهم قضايا فساد من كل ممتلكاتهم المالية والعقارية، مع التعجيل في استرجاعها قبل شروعهم في تهريبها وإخفائها.

صعوبات بنكية

قبل أكثر من أسبوع، أعلن المستشار الفيدرالي السويسري إغنازيو كاسيس استعداد بلاده للتعاون مع نظيرتها الجزائرية لاستعادة أموال الشعب المنهوبة المودعة في البنوك السويسرية كقيّم مالية أو استثمارات عينية.

لكن رغم النيّة المسبقة التي أبدتها سويسرا للتعاون مع الجزائر، لا يبدو أن استرجاع الأموال التي هُرّبت إلى الخارج سيكون بالسهولة ذاتها التي قد تجدها السلطات في استعادة الأموال التي نهبت محليًا.

هنا، يصف المحامي قسنطيني المهمّة بـ"الصعبة"، نظرًا إلى أن البنوك في سويسرا أو غيرها من الدول الأخرى ستعمل جاهدة من أجل إيجاد مبرّرات قانونية تحول دون عودة هذه الأموال إلى بلدها الأصلي، موضّحًا أن الصعوبة تكمن في أن الجزائر لن تتعامل مع هذه الدول لاستعادة الأموال، حتى ولو جمعتها بهم اتفاقيات تنظّم تعاونهم المالي، وإنما ستخاطب البنوك مباشرة دون تدخّل دبلوماسي على حدّ قوله.

تجارب فاشلة

ليست هذه المرّة الأولى التي تسعى فيها الجزائر لاسترجاع أموالها المهرّبة إلى الخارج، فالسنوات التي تلت انهيار "إمبراطورية الخليفة" العام 2003، شاهدة على الجهود التي بذلتها السلطات لاسترداد أموال "الفتى الذهبي" عبد المومن خليفة، والتي باءت جميعها بالفشل، بعد أن اكتفت بريطانيا بترحيل الرجل إلى الجزائر في إطار تعاون متبادل دون إرجاع ثرواته.

وإلى غاية اليوم، مازال عدد من ضحايا بنك الخليفة يتنقّلون بين المحاكم ليسترجعوا أموالهم التي أودعوها في المؤسّسة المالية المنهارة، بعد أن أخفقت عمليات التصفية لتعويض الزبائن المتضرّرين.

تشير تقارير دولية، إلى أن بعض رجال الأعمال الموقوفين على ذمّة التحقيق مثل إيسعد ربراب والإخوة كونيناف يمتلكون استثمارات كبرى في عدّة دول منها سويسرا وإيطاليا وفرنسا. في مقابل ذلك تعمل الحكومة الجزائرية على مراسلة دول أوروبية  مثل فرنسا وسويسرا وإسبانيا بهدف مصادرة أملاك والتحفّظ على ودائع مسؤولين ورجال أعمال تم سجنهم مؤخرًا بحسب تقارير إعلامية.

الأملاك الموجودة في الخارج ليس محصورة في قائمة رجال الأعمال فقط، بل إن كثيرًا من مسؤولي الرئيس السابق يمتلكون أيضًا عقارات ومدّخرات مالية في الخارج في مقدمتهم بوتفليقة وعائلته، إضافة رؤساء حكوماته عبد المالك سلال وأحمد أويحيى الذي تحدثت بعض التقارير عن امتلاكهم عقارات في أوروبا.

في هذا السياق، سبق لوثائق بنما في إصداريها الأوّل والثاني المنشورين عام 2016 و2017، الإشارة إلى رئيس منتدى رؤساء المؤسسّات السابق علي حداد، الذي طلب في سنة 2004 خدمات مكتب المحاماة "موساك فونسيكا" لإنشاء شركة وهمية في الجزر العذراء البريطانية، تحت اسم "كنغستون غروب كوربورايشن" المختصّة في الاستثمار العقاري.

 وبحسب الوثائق ذاتها، فإن هذه العقارت كان يشرف عليها المسيّر غي فايت الذي كان يسيّر مصالح وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، والذي ورد اسمه أيضًا في فضيحة وثائق بنما.

ولم يحضر بوشوارب حتى اليوم جلسات التحقيق التي باشرتها النيابة العامة الجزائرية، واكتفى بإرسال مبرّر لغيابه تمثّل في خضوعه للعلاج الطبّي في فرنسا.

استرجاع ممتلكات المسؤولين التي أنشأوها بغير حقّ، ستكون أصعب من إعادة الأموال التي هرّبها باقي الأشخاص

تصرّف بوشوارب، يفسّره الحقوقي فاروق قسنطيني في حديث إلى "الترا جزائر" بأن استرجاع ممتلكات المسؤولين التي أنشأوها بغير حقّ، ستكون أصعب من إعادة الأموال التي هرّبها باقي الأشخاص، ما يتطلّب تحيين القوانين الموجودة في أسرع وقت، خاصّة وأن التجارب الدولية بيّنت أن استرجاع ما نهب قد يتطلب سنوات وسنوات على حدّ تعبيره

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقرير البنك العالمي..احتياطي الصّرف في الجزائر يتآكل

اعتقال أغنى رجل في الجزائر.. عدالة انتقالية أم انتقائية؟