افتحوا لنا أبواب المسارح!

افتحوا لنا أبواب المسارح!

عرض مسرحي بركح قسنطينة (الترا جزائر)

تَزين رُكح مسرح قسنطينة الجهوي خلال الأسبوع الفارط، بعروض متنوعّة، آخرها كان عُرض يوم السبت الماضي، لمجموعةٍ من المقاطع المسرحية التي اقتُبِست من أشهر الأعمال العالمية، وجاءت هذه اللوحات احتفالًا بنهاية التكوين المسرحي الخاص بورشة فنّ التمثيل في هذا المسرح الذي باشر عروضه بشكل متقطع بعد توقّفٍ طويل سببته أزمة كورونا (كما هو مُعلن).

يحدث أن يسعفنا الحظ في المرات الشحيحة التي تُفتح فيها أبواب المسرح في الجزائر للجمهور لنكتشف أننا لا نواكب المواهب المسرحية؟

 أبدع في تقديم هذه العروض شبابُ أول دفعة من خريجي هذه الورشة، الذين أنهوا لتوهم تكوينهم المسرحي الذي دام حوالي ثلاث سنوات على فترات متقطعة وغير منتظمة بسبب الظروف الصحية والانتخابات وغيرها من المعوقات والعقبات، حيث تكونوا من خلال مجموعات متعددة الأعمار (كبار، أشبال وأطفال) صنعوا هذا المشروع الفتي والطموح، تحت إشراف نخبةٍ من خيرة المكوّنين المسرحيين من داخل قسنطينة وأحيانًا من خارجها أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: من يفتح الأبواب ومن يغلقها في الجزائر؟

من بين هؤلاء المكوّنين، محمد عدلان بخوش الذي عمل منذ البداية رفقة مساعديه بشكل تطوعي حسب تصريح له، احتجاجًا على تقييم مادي سيء لمجهوداته كمكوّن من طرف إدارة المسرح، إضافة إلى أسماء أخرى مثل صلاح الدين ميلاط، و داودي سرحان وغيرهم ممن كرسوا وقتهم وجهدهم لإنجاح الورشة بكل مستوياتها وتخريج مجموعة واعدة من فناني المستقبل.

تمَّ تكريم هؤلاء الشباب ومؤطريهم بشكلٍ رمزي في نهاية العرض من طرف مدير المسرح رفقة مجموعةٍ من فنّاني قسنطينة والجزائر، إضافة إلى بعض الفنّانين الذين أثروا العروض المسرحية على مر السنوات، وكل من ساهموا في إنجاح هذا النشاط الذي يعتبرُ سابقة في نشاطات المسرح الجهوي لهذه المدينة.

 فتحت هذه الورشة (رغم نقص الإمكانيات المتاحة لحمل صفة مدرسة) بابًا واسعًا لخلق فضاءٍ خاص بالتكوين المسرحي، واكتشاف وتدريب المواهب من خلال تكوين تُشرف عليه طاقات شابة وأخرى مخضرمة للخروج بأجيال مهمة رغم كل العقبات المعروفة، بغية ضخّ دماء جديدة لتقف واثقة على ركح المسرح الوطني الذي ما يزال في معاناة مريرة، جراء شحِّ العروض وقلّة النشاط وغياب ميزانيات الإنتاج أو توزيعها بشكل غير عادل.

في ذات المناسبة، لاقت فعاليات اليوم الاختتامي لهذه العروض صدى واسعًا وترحيبًا كبيرًا من الجمهور الذي ملأ المقاعد والشرفات، وصفق طويلًا لمختلف اللوحات الفنية المقدمة، حيث تعالت الأصوات المطالبة بمواعيد عروض لاحقة، كما شجع الحضور أولئك الشباب الخريجين الذين واجهوا الجمهور القسنطيني لأول مرة بحماس شديد والتزام واحترافية عالية.

إلى هنا، بدا كل شيء مثاليًا إلى درجة كبيرة، لكن التساؤلات نفسها كانت تصعد نحو السطح قبل هذا العرض وبعده، كما بقيت نفس علامات الاستفهام مُحلقةً فوق رؤوسنا، قبل الأزمة الصحية وبعدها؟

لمَ يُحرَم الجمهور من عروض مماثلة بشكل دوري ومنتظم؟  لمَ تبقى أبواب المسرح في قسنطينة مغلقةً لأسابيع طويلة ولأشهر أطول أحيانًا، ثم تفتح أبوابه للعروض التي يحالفها بعض الحظ وتغنم الاختيار بشكلٍ مريب، أو تخصص قاعاته لتنظيم تظاهرات انتخابية وندوات ذات نشاط لا يمتّ بالصلة للفن والمسرح، في حين تغلق طويلًا في وجه مشاريع واعدة وطموحة أخرى وتُعرقل عدة أسماء بعينها عن الوقوف على ركحه؟ هل نضخ في المسرح دماء جديدة لِتُركَنَ في زاوية التهميش والبطالة؟

 لمَ تغيبُ عروضٌ مهمة فازت بجوائز محلية وعربية عن ركح مسرح قسنطينة الذي يعد من أعرق المسارح معماريًا، فنيًا، وتاريخيًا في الجزائر (حتى بعد سنوات من إنتاجها)؟

في الواقع، لا تقتصر كل هذه التساؤلات على حال مسرح قسنطينة فقط، بل إن الوضع يمتد إلى أغلب المسارح على قلّتها عبر التراب الوطني (حوالي 17 مسرحًا جهويًا) وعلى قلة نشاطاتها أيضًا، ورغم ما يسمى "بتوسيع اللامركزية" بموجب القانون، لا نعرف إلى الآن نشاطًا قارًا لمسارح الجنوب التي تبقى الأكثر بؤسًا والأقل حظًا، هذا إن هي كانت موجودة في الأصل، لتبقى مجرد صروح خاوية مهملة، ما يجعل المواطن الجزائري في تلك المدن (التي وضعوها عنوةً تحت الظلّ)، دائم الإحساس بالانتقاص وبأن حقوقه في الترفيه والتثقيف الفني والأدبي معدومة تماما، مثلها مثل أحواله المادية المزرية التي تنسيه الاهتمام بذائقته الفنية.

يحدث إذن أن يسعفنا الحظ في المرات الشحيحة التي تُفتح فيها أبواب المسرح في الجزائر للجمهور، لنكتشف أننا لا نواكب تطوّر العديد من المواهب الخبيئة التي يخفيها عنا ستارٌ ملَّ الانسدال والإغلاق وظلمة الرّكح وبرودته منذ زمن طويل.

لم يعد الأمر متعلقًا إذن بطول فترة الحجر الصحي الذي أطبق على صدورنا لسنتين، وقضى على المئات من المشاريع المسرحية الموجهة للكبار وللصغار، كما تسبب في بطالة طوعية طال أمدها لتصبح بعد الحجر إجبارية، للعديد من الفنانين الذين وجدوا أنفسهم بلا دخل وبلا نشاط فني يحيي أرواحهم المختنقة.

لم يعد الحجر الصحي سببًا وجيهًا، بل إن هنالك حجرًا من نوع آخر قد تكوّن مع الوقت وتجبّر أكثر، وخارت أمامه قوى الفنانين وطموحاتهم، أحلامهم ومشاريعهم، مواطنون ذوي رسائل نبيلة تكفلت لسنوات بالنهوض بالوعي المجتمعي والفني لدى الأفراد، يشتكون اليوم سطوة القهر والتشتيت والمحسوبية وكبت الإرادة والحريات، أصحاب فكرٍ وآراء يراد لها أن تُغتال، فنانون يبكون في الصمت وفي العلن، يلزمون بيوتهم ومقاعد المقاهي متوشحين سواد الانتظار والفراغ، ويجوبون الشوارع باحثين عن أمل ما.

يشتكون بخيبةٍ كبيرة حال هذا الفن الرابع الذي يختنق من فرط التضييق والتحييد والمنع، إضافة إلى تحكم بعض  المسؤولين والسياسيين في نوعية ما يقدم على الركح الذي هو بالأصل صنيعة الشعب ويحكي ألمه وواقعه ويصور حاله، لا حال خيارات المسؤول التي تأتي إلى المواطن بعروض من عالم وردي لا ينتمي إليه في الواقع.

إنه الحَجْرُ المُطبِقُ على حرية الفنان وعلى مصدر قوته، فقد صار المسرح خانقا لأبنائه، أو لأغلبهم، حجرٌ جائرٌ يقتل في صمتٍ أولائك الذين ما زالوا يمتلكون حرية الاختيار وحق القرار في ما يقدمونه أو ما يخططون له من أعمال ينتهي بها المطاف على الورق الذي تأكله الأدراج الموصدة، أو في الكواليس المظلمة، ليكون الفنان الذي اعتاد أن يقول لا لتلك الشلة المتوارية خلف الستار، ضحيةً لثقافة المحسوبية والشللية التي شَلّتِ المسرح وجعلته كسيحًا، في بلد أنجب عز الدين مجوبي، علولة، بشطارزي، نورية، صونيا، صراط بومدين، وغيرهم كثيرون.

هل يمكن إنعاش المسرح إذن من خلال مشاريع مدارس حرة ذات ميزانيات محترمة تنجب فنانين حقيقيين عصيين على التدجين وعلى التقييد، ليقدموا رسالة حرة تبعث بالوعي نحو بعد آخر بعيدًا عن التصورات الرسمية و(العقليات الكولونيالية) التي تُثقِلُ صدر المسرح وأبنائه؟

هل ستستمر هذه الورشات المسرحية الواعدة في النشاط في زمن الكبت وخنق الحريات وقص أجنحة كل فنان أو مواطن حر قد يتغنى برأيه بكل أريحية؟

من الممكن طبعًا أن يتم ذلك، إذا ما سارت الأمور بشفافية تبدو إلى غاية الآن عصيةً وبعيدة المنال، أم أن الأمر سيحتاج إلى أكثر من ذلك، مثلما قال مخرج العروض محمد عدلان بخوش، وهو يختم تلك اللوحة الفنية بمقطع من مسرحية "عدو الشعب" للكاتب النرويجي هينريك إبسن:

"يجب أن يتولّى زمامَ أمورنا رجالٍ جددٌ

 

اقرأ/ي أيضًا:

دون مبررات.. الجزائر تسحب فيلم "هيليوبوليس" من الأوسكار

فيلم "هيليوبوليس" للمخرج جعفر قاسم في قاعات العرض هذا الشهر