التأريخ.. بين الدعاية السياسية والحقيقة التاريخية

التأريخ.. بين الدعاية السياسية والحقيقة التاريخية

غياب الأطر الديمقراطية للتداول على السلطة جعل من التاريخ الثوري مصدرا لبسط الشرعية السياسية للحكم (الصورة: ميدل إيست)

شهدت نهاية الأسبوع، وصول رفات 24 مقاومًا جزائريًا حاربوا ضد الاحتلال الفرنسي، على متن طائرة تابعة للقوات الجوية للجيش الشعبي الوطني قادمة من فرنسا، حيث كان في استقبالها كل من رئيس الجمهورية وإطارات مدنية وعسكرية، كما تصادف هذا الحدث مع الاحتفالات بمناسبة مرور 58 على استقلال الجزائر.

محطات تاريخية أخرى تعرضت للتهميش والتجاهل رغم تشكيلها منعرجًا هاما في نضج الوعي الوطني والفكر التحرّري

كانت بداية كرونولوجيا استرجاع الرفات وجماجم الشهداء محتشمة، وقلّما وردت القضية في أدبيات الخطابات التاريخية للسلطات السياسية منذ الاستقلال، كما أنّ النظام في الجزائر لم يقدّم دعمًا سياسيًا ولا مطلبيًّا بخصوص قضية الجماجم إلا خلال السنوات القليلة الماضيّة.

اقرأ/ي أيضًاتجارب فرنسا النووية.. جرح الجزائر الغائر

 يجدر التذكير بأن مطالب استرجاع الجماجم جاءت ضمن انشغال أكاديميّ واهتمام معرفيّ ومطلب إنسانيّ، حيث كان أول من أثار القضية هو المؤرخ الأنثروبولوجي فريد علي بلقاضي سنة 2011، وظل المطلب دون دعم سياسي، إلى غاية 2016 حيث أطلق مجموعة من الباحثين والمؤرخين عريضة بغية استرجاع الجماجم وإعادة دفنهم بما يليق بكرامتهم وتاريخهم.

يجدر بنا الإقرار بأن الكثير من القضايا التاريخيّة المرتبطة بالفترة الاستعمارية، لم تحظ بالتناول الإعلامي المناسب ولا بالاهتمام التاريخي والسياسي، خاصة تاريخ المقاومات الشعبية التي تم اختزالها في طابعها الفولكلوري والاحتفالي، فالأمير عبد القادر على سبيل المثال، ورغم قامته المقاوماتية والروحية لم يحظَ بعمل سينمائي أو فيلم توثيقي في مستوى كفاح الرجل، أما حفيده الأمير خالد فتعد الأعمال التاريخية حول شخصه نادرة أو منعدمة.

لقد أضحى من الضروريّ جدًا أن نطرح بعض الاستفسارات أو التساؤلات عن هذا التهميش لمراحل مفصليّة في تاريخ الجزائر الحديث، لماذا تم تجاهل تاريخ المقاومات الشعبية والحركة الوطنية، والقضايا البعيدة عن التمجيد والتقديس الفردي والجهوي، لمَاذا تمّ اختزال المادة التاريخية واحتكارها، واقتصر التقديس والتمجيد فقط على أحداث وشخصيات الثورة التحريرية المسلحة.

إن الحقيقة التاريخية التي نريد تأكيدها هي أن الحركة الوطنية لا تقتصر على ما قامت به جبهة التحرير الوطني ولا جيش التحرير فحسب، لكنها تشمل حزب شمال أفريقيا، والحزب الشيوعي الجزائري، وجمعية العلماء المسلمين، وأنصار وأتباع فرحات عباس، دون أن ننسى جمعية الشباب الجزائري ونضالات الأمير خالد، وزعماء المقاومات الشعبية.

شكلت كتابة التاريخ خلال الفترة التي تلت الاستقلال مسألة سياسية جد حساسة ومعقّدة، خضعت للعديد من الاعتبارات السياسية والجهوية والايديولوجية، وحتى للمزاجيات الشخصية، والاستعمال الدعائي والشوفيني، وكذلك لتوظيف التاريخ في البحث عن الشرعية الثورية للسلطة القائمة، وخدمة للمصالح الفردية والفئوية والجهوية ومدِّ جذور الفرقة والفتنة.

واختزل التاريخ الرسمي معركة التحرير الوطني في فترة الفصل العسكري الممتدة ما بين 1954 و1962، وتعرضت المحطات التاريخية الأخرى إلى التهميش والتجاهل، وهي محطات شكلت منعرجًا هامًا في نضج الوعي الوطني والفكر التحرّري.

ثمة سبب آخر بحسب المهتمين في عدم تناول أحداث المقاومات الشعبية، وهي الحساسيات المجتمعية، وتتمثل في الصراعات العشائرية والقبائلية بين أطراف كانت موالية لإدارة الكولونيالية وجهات اختارت المقاومة المسلحة ضد المستعمر كأسلوب للدفاع عن الأرض والدين والكرامة، هذه الحساسية قد تفتح أبواب سجالات تاريخية وإسقاطات وتأويلات قد لا يتم استيعابها في سياقها التاريخي والزماني والمكاني، فعلى سبيل المثال، قلّما تتحدث المصادر التاريخية عن محاصرة الأمير عبد القادر للطريقة التيجانية أو إخضاع بعض الزوايا والقبائل إلى المبايعة بالقوة، والصراع القائم بين موسى الدرقاوي والأمير عبد القادر الذي أخذ أبعاد عشائرية وحتى دينية.

في هذا السياق أيضًا، فقد أثار كتاب "بن قانة آخر ملوك الزيبان" الذي حاولت حفيدته "فريال فرعون" من خلاله تمجيد عائلة بن قانة، استهجان الكثير من المهتمين بالتاريخ، وهذا بعد محاولة احتفاء منابر إعلامية بتاريخ بن قانة تحت رعاية وزير الاتصال آنذاك حميد قرين.

اقرأ/ي أيضًا: قرية إغيل إيمولا.. من هنا خرج بيان أوّل نوفمبر وبدأ كل شيء

إن غياب الأطر الديمقراطية للتداول السلمي على السلطة، جعل من التاريخ الثوري دومًا مصدرًا لبسط الشرعية السياسية للحكم، على حساب كتابة التاريخ الموضوعي والتأريخ الأكاديمي لمختلف المحطات التاريخية، كما أن إعادة رفات وجماجم الشهداء لا بد من أن يتبع بإعادة الاعتبار تاريخيًا لكفاحهم وتضحياتهم دون توظيف سياسي دعائي.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل سيكتب تاريخ الجزائر من جديد؟

مجزرة السين.. أرواح برسم النسيان