الحملة الانتخابية.. لافتات ممزقة ولقاءات ميدانية فاترة

الحملة الانتخابية.. لافتات ممزقة ولقاءات ميدانية فاترة

إعلانات الانتخابات المحلية بالعاصمة (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

 

في مدينة صغيرة مثل الشّيقار بولاية ميلة (495 كيلومترا شرق الجزائر)، استغرب كثير من المتابعين كيف لامرأة تُدير حملتها الانتخابية هذا الحجم والتّجاوب، وتجوب المقاهي والشّوارع وتلتقي بالمواطنين في أماكن عملهم، وتعرض عليهم برنامجها الحزبي في جولة تستمرّ إلى غاية منتصف الليل؟

تعرضت اللافتات المروّجة لصور المرشّحين  للتّمزيق أو التشويه في ظل فتور شديد عرفته الحملة الانتخابية للمحليات

لقد كانت زهية بن قارة، مرشّحة "حركة مجتمع السلم" كبرى أحزاب التيار الإسلامي في الجزائر للانتخابات البلدية، تعرض برنامج حزبها، وتُحفِّزهم على اختيار الأكثر كفاءة، خاصّة وأنها منافِسة شرسة لعدد من المرشّحين في المنطقة، بعدما أثبتت قدرتها في التسيير وأخذت حصة الأسد من استحسان ساكنة المدينة الصغيرة وأخرجتها من العزلة، خلال العهدة الانتخابية الأولى لها في الفترة ما بين 2017-2021.

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات المحلية.. هل تستمر القطيعة بين المُواطن والمجالس البلدية؟

لخطابات والميدان

نموذج يستحق التوقّف في هذه المناسبة السياسية المهمة في استكمال بناء المؤسّسات الجزائرية، في ظلّ فتور ملاحظ بسبب عدم إقبال المواطنين على التجمّعات الحزبية، في المقابل وجب التوقف أيضًا عند الخلفية الذهنية واستغراب البعض من تحركات المرشّحة عبر دواوير وقرى المنطقة التي ترشّحت فيها، حسب ما لاحظه  وليد حساني وهو طالب جامعي بكلية الحقوق بجامعة قسنطينة ومنحدر من منطقة الشيقارة.

يضيف حساني في حديث إلى "الترا جزائر"، أنّ العشرات من المترشّحات للمحليات القادمة رفضن حتىّ وضع صورهم الشخصية في لافتات الحملة الانتخابية، معلّلا ذلك إلى الصورة النّمطية التي لا زالت تُسيطِر في المِخيال الاجتماعي ونظرة الكثيرين للمرأة في قوائم الترشّح للانتِخابات المحَلية المنتظَرة في الـ 27 تشرين الثّاني/ نوفمبر الجاري.

الواقِع جعل من عمل السيدة زهية بن قارة تفرِض نفسَها ومشروعها وعملها في الميدان، بعد أن حقّقت في هذه المدينة الصغيرة المحافظة، الكثير من المشَاريع، بحسب مواطني هذه البلدة الصغيرة بأعالي مدينة ميلة، وأسهمت في إخراج عديد الأحياء من العزلة، وفي توفير الاحتياجات المحلية في الحياة اليومية.

رئيسة البلدية زهية هي عينة من العينات اللواتي ترشّحن للانتخابات البلدية والولائية ويحملن مشروعًا وبرنامجًا، في حين أن الصورة النّمطية للمرأة في المجال السياسي، تجعلها دومًا في مرتبة مُتقهقِرة مع زميل لها في الرّتبة نفسها، وفي منصب المسؤولية ذاتها، رغم أنها أثبتت نجاعتها بشهادة المواطنين وكان الالتفاف حولها عكس ما هو حاصل خلال الحملة الانتخابية لمحليات هذا الشّهر.

ورقة النّاخب

في صورة معاكسة لما سبق أن ذكرناه آنفًا، تعرّضت اللافتات المروّجة لصور المرشّحين وأرقامهم للتّمزيق أو التشويه في كثير من المناطق، في ظلّ فتور شديد عرفته الحملة الانتخابية للمحليات القادمة، وبذلك تثير مشاهد الحملة الانتخابية عدّة من الملاحظات أهمّها أن المواطن يصدق أفعال المسؤولين وإنجازاتهم وليس أقوالهم، وثانيها أنّ الوعود عبر خطابات الحملة الانتخابية صارت لا ترضي الناخبين خصوصًا بالمقارنة مع الانتخابات المحلية السابقة وتقييم العهدة الأخيرة للمجالس المحلية.

في هذا المِضمار، لم تكُن اللّقاءات الجوارية، -حسب ما يراه البعض في الميدان-سِوى تجمّعات كضرورة ملحّة للحملة الانتخابية التي تستوجب التفاف المرشحين ورؤساء الأحزاب، واقترابهم بالمواطنين، والذهاب إليهم في أقاصي القرى والمداشر بغية كسب تعاطفهم، أو من باب الضرورة الشكلية التي يستوجبها هذا الموعد الانتخابي.

في هذا السياق، قال الأستاذ في العلوم السياسية عبد القادر ضروي من جامعة وهران غرب الجزائر في إفادته لـ الترا جزائر"، إن الأحزاب لن تتمكّن من كسب ثقة المواطن بهذه الطريقة "المشهدية" خاصّة في مثل هذه الظّروف الصعبة على صعيد الجبهة الاجتماعية، حيث تعرف الجزائر بمختلف بلدياتها، "أحداث الانهيارات، وانسداد البالوعات وارتفاع الأسعار، وقطع الطرقات، فضلًا عن الازدحام المروري، وإحالة الآلاف على البطالة، فبأيّة لغة سيتحدث المرشحون لإقناع المواطنين؟".

إضافة إلى ذلك، تساءل الأستاذ ضروي عن جدوى الحملة الانتخابية في غياب الفِعل، أو إذا لم يستشعر المواطن ذلك في حيّه، وفي المؤونة التي يدخلها لبيته، وفي ضرورات الحياة كتوفر المياه في مسكنه، وفي النقل المدرسي لأبنائه، وفي الطريق الذي يسلكه، المدرسة، وغيرها من ضرورات الحياة اليومية.

ميدانيًا، هناك حقيقة لا يمكن أن نغفلها، حيث لفت المتحدث إلى الكوارث التي رافقت تساقط الأمطار، وتدهور وضعيات البنايات الهشة وعديد العمارات التي غمرتها المياه والمدارس أيضًا لم تسلم من ذلك، إذ كشفت، حسبه، الكثير من عيوب البنى التحتية، والعديد ثّغرات التسيير في العشرات من البلديات.

عقبة الصّلاحيات

الملفت للنّظر، أن البرامج الانتخابية تتكرّر كل ما حلت الاستحقاقات السياسية، لكنها إذ بقيت منحصرة في إطار الوعود التي يطلقها المرشّحون كلّ مرة، ثم يصطدم المنتخب البلدي والولائي بحواجز تكبله لعدم تنفيذها بسبب الصّلاحيات، فإن الأحزاب والمنتخبين دائما ما يواجهون مشكلات المواطنين دون القدرة على وضع قرارات لحلّها.

وعليه غلبت على تصريحات الأحزاب والمرشحين الأحرار خلال الحملة الانتخابية مطلب توسيع الصلاحيات للمنتخبين، إذ تعد شبه منعدمة، ما يفوت فرص التنمية في البلديات التي تعد مرآة عاكسة للبرامج والمشاريع على المستوى المحلي.

وعلى سبيل المثال، دعا الأمين العام لحزب التجمّع الوطني الديمقراطي الطيّب زيتوني في أحد التجمّعات الشّعبية إلى "توسيع صلاحِيات المنتخبين المحَليّين لكسب رهان التنمية والحوكمة المحلية بما يخدم الصالح العام" كما قال.

واعتبر زيتوني في أحد خرجاته في إطار الحملة الانتخابية، هذه الصلاحيات هي من "ستجعل من البلديات والولايات قاطرة للتّنمية ويتيح الاستفادة من الخبرات الوطنية في مختلف المجالات بما في ذلك الكفاءات الجزائرية المتواجدة بالخارج".

وباعتبار المجلس البلدي هو النواة الأولى للمسؤوليات القريبة من المواطنين، فإن صلاحيات المنتخبين مازالت ضئيلة، بل محدودة وغير متاحة لسنّ القرارات من أجل تنفيذ المشاريع التنموية، حسب تصريحات عبد العزيز بلعيد رئيس حزب" جبهة المستقبل".

ورافع العديد من المرشحين للانتخابات المحلية لأجل توسيع صلاحياتهم، إذ تدفع منظومة السياسية المركزية في إدارة مؤسسات الدولة في الجزائر، إلى إعادة النظر في القوانين التي "تمنع حاليًا العديد من المسؤولين في البلديات من اتّخاذ قرارات بشأن التّنمية المحلية، وتحقيق مشاريع كبرى في فائدة البلديات والقرى والمناطق".

أغلبية بلديات الجزائر لا تحظى بميزانية كافية تمكن المنتخبين من إطلاق مشاريع تنموية حقيقية

وبالمقارنة مع سلطة الوالي، إذ هو فعليًا من يحكم في رئيس البلدية، فضلًا عن تحكم رئيس الدائرة في رؤساء البلديات الواقعة تحت سلطته المركزية، تشهد أغلب البلديات الجزائرية ضعفًا في الميزانية للقيام بالمشاريع، وتغطية حاجيات المرافق العمومية، إذ لا تملك مداخيل إلا من القليل من المشروعات ككراء الأسواق، وهو ما يطلبه المرشّحون بأن يكون لرئيس البلدية خاصّة والمجلس البلدي بشكل عام، أن تكون لهم صلاحيات واسعة في بلديته، وتحريره من قيود الإدارة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شرفي: سجّلنا 400 تجاوز منذ بداية الحملة الانتخابية

تبون يربط تنظيم الانتخابات المحلية بتحسن الوضع الصحي