الزيادة في الأجور.. مغامرة إقتصادية أخرى؟

الزيادة في الأجور.. مغامرة إقتصادية أخرى؟

تتّجه الحكومة، نحو رفع الأجر الوطني القاعدي إلى حدود 25 ألف دينار (تصوير: فاروق باتيش/Getty)

بعينين حمراوين ووجهٍ شاحبٍ، يسترسل أمين في حديثه عن راتبه الذي لا يتعدى 18000 دج شهريًا، أيّ ما قيمته (150 دولار تقريبًا)، يشغل هذا الشاب منصب عون أمنٍ في مستشفىً عموميّ منذ سنة 2010، ولا يزال أجره الشهري ثابتًا عند عتبة الحد الأدنى للأجور المعروف بـ "السميڨ" عند الجزائريين.

لا يُعير أمين اهتمامًا لوعود الحكومة، برفع الحد الأدنى للأجور، أو خصم الضريبة من الدخل الشهري 

يفضّل أمين، العمل بدوام ليليٍّ لأكثر من 12 ساعة، وهو خيارٌ يسمح له أن يبذل جهدًا في مزاولة مهنة ثانية، كسائقٍ سيارة أجرة، بصورة غير قانونية خلال النهار.

اقرأ/ي أيضًا: "الأفامي" يتوقّع ارتفاع نسب البطالة في الجزائر سنة 2020

في حديث مع "الترا جزائر"، اعتبر أمين أنّ الأجرة الشهرية لا توازي حجم جهود عمله، ولا تسدّد أسبوعًا واحدًا من التكاليف والحاجيات الضرورية للحياة، فهو أبٌ لطفلين، ويتكفّل بوالديه المسنين، وشقيقه البطّال.

لا يُعير أمين اهتمامًا لوعود الحكومة، برفع الحد الأدنى للأجور، أو خصم الضريبة من الدخل الشهري لأقّل من 30 ألف دينار، ويضيف بأنه يعمل في إطار عقد عمل مؤقّت منذ سنة 2010، وقد تَعود على ممارسة أعمال يومية إضافية، دون الاعتماد على وعود الحكومة والنقابات.

وعود انتخابية

تتّجه الحكومة، نحو رفع الأجر الوطني القاعدي الأدنى المضمون من 18 ألف دينار إلى حدود 25 ألف (208 دولار)، أو 30 ألف دينار جزائري (250 دولار)، بحسب تقارير إعلامية. 

 يُذكر أن الحدّ الأدنى للأجور في الجزائر، عَرف 12 تعديلًا منذ سنة 1990، ليستقرّ في حدود 18 ألف دينار، وهذا منذ سنة 2012 إلى غاية اليوم.

وعد رئيس الجمهورية خلال أدائه اليمين الدستورية، بمراجعة الحدّ الأدنى للأجور، والإعفاء الضريبي للمداخيل المنخفضة التي تساوي أو أقلّ من 30 ألف دينار. 

تباينت آراء عدد من الخبراء حول وعود تبون، وجدوى هذه الإجراءات، وآثارها الإيجابية على القدرة الشرائية للمواطن، وتساءلوا عن الانعكاسات السلبية التي تؤثّر على ميزانية الخزينة العمومية، علمًا أن الحكومة لم تحدّد بعد الموارد المالية الكفيلة بتغطية زيادات الأجور، خاصّة في القطاع العمومي. 

الآثار الإيجابية

في هذا الشأن، كشف المختصّ في الجباية، الأستاذ بلية لحبيب، أن اعتزام الحكومة مراجعة مستويات الضريبة على الدخل الإجمالي من خلال فرض إعفاء ضريبي، على الدخل الشهري الذي يقلّ عن 30 ألف دينار جزائري، يستوجب بالضرورة إصدار قانون مالية تكميلي، يعدّل المادة 104 من قانون الضرائب المباشرة. 

وبخصوص أثر القرار على عائدات الحكومة من أموال الضرائب، أكد المتحدّث لـ "الترا جزائر"، أن هذا الإجراء سوف لن يؤثّر كثيرًا على مداخيل الخزينة العمومية، على اعتبار أن حاصل الضريبة على الدخل الإجمالي (IRG)، فيما يتعلّق بهذه الشريحة من المداخيل (الأقلّ من 30 ألف دج) متواضعٌ جدًا.

 للإشارة، يتراوح الإعفاء الضريبي للمداخيل المنخفضة الأقلّ من 30 ألف دينار، في حدود 2500 دج إلى 3000 دج للعامل الواحد، أي (20-25 دولار)، وفي غياب إحصائيات دقيقة حول الكتلة الأجرية للفئة العمالية التي تتقاضى أقل من 30 ألف دينار، لا يمكن احتساب المبلغ الإجمالي الذي لا يمكن تحصيله جبائيًا، كما أن الحكومة لم توضّح كيفية تعويض تلك القيمة المالية.

ورغم تواضع القيمة المالية، إلا أنها ستكون ذات قيمة معتبرة للفئات الهشة والفقيرة، بحسب أقوال بلية لحبيب.

 الآثار السلبية 

من جهته، أكد الوزير الأوّل عبد العزيز جراد، لدى عرضه لمخطط الحكومة أمام نواب البرلمان، أن الحكومة ستعمل على دعم الأجر الوطني الأدنى المضمون، بعد إجراء مشاورات مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.

يُجمع مختصّون على ضرورة إعادة النظر في الحد الأدنى للأجور، في سياق تنشيط الاستهلاك الداخلي، في مقابل ذلك، يُبدي بعض خبراء الشأن الاقتصادي، مخاوفهم من مؤشّرات سلبية ستؤثّر على الخزينة العمومية، وتسبب ارتفاع نسبة التضخّم العام.

هنا، يوضّح مؤسّس "معهد هايك للتفكير الاقتصادي" بالجزائر، مصطفى راجعي، أنّ جميع الحكومات تتدخّل لوضع حدٍّ أدنى للأجور، وهو قرارٌ سياسيٌّ قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا، معتبرًا أن الأجر هو سعر العمل، مثله مثل سعر أيّة خدمة، يخضع للعرض والطلب، ويتحدّد من خلال عقد عمل بين طرفين.

وحذّر راجعي، من الانعكاسات السلبية على عملية التوظيف في القطاع الخاص، قائلًا في حديثه لـ "الترا جزائر"، أن ارتفاع الأجور يدفع الشركات الخاصّة إلى تقليص التوظيف، تفاديًا لارتفاع تكاليف كتلة الأجور على المؤسسة".

يُشير الباحث السوسيولوجي، إلى خصوصية الحالة الجزائرية، فالدولة فيها هي أكبر شركة توظيف، وبالتالي من المتوقّع أن تتحمل الخزينة العمومية عبء هذه الزيادات، في ظلّ غياب موارد جبائية جديدة، على حدّ قوله.

وفي تقدير مؤسّس "معهد هايك للتفكير الاقتصادي"، فإن رفع الأجور إن لم تقابله وتيرة تنموية وإنتاج مكثّف للسلع والخدمات، سيسبّب ارتفاعًا في الأسعار، ما يترتب عنه ارتفاعٌ في مستوى التضخّم، وبالتالي لا أثر إيجابي فعلي، يدفع إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطن. 

عجز في الموازنة العامة 

في السياق ذاته، ينبه الأستاذ في العلوم الاقتصادية، كمال سي محمد في حديث إلى "الترا جزائر"، أن الرفع من الحدّ الأدنى للأجور، سيكلّف الخزينة العمومية أعباءً مالية إضافية، في حين يعاني الوضع المالي عجزًا في الموازنة العامة.

يرى المتحدث، أن رفع الحد الأدنى إلى حدود 20 ألف دينار كما هو متداول، لا يُعتبر إضافة نوعية ذات انعكاسات إيجابية على الفئة الهشة والطبقة العمّالية.

يشدّد كمال سي محمد، على أن رفع الحد الأدنى للأجور يمكن أن يكون على مراحل؛ متوسطة المدى وقريبة المدى، مشترطًا توفّر عوامل مالية واقتصادية. 

يُذكر أن وزير الحكومة عبد العزيز جراد، صرح أمام الهيئة التشريعية مؤخرًا، أن الوضعية المالية للجزائر صعبة وهشّة، وأن الدين العمومي الداخلي وصل إلى 45 في المائة من الناتج الداخلي، هنا، يتساءل خبراء عن ماهية الموارد المالية المخصصة لتغطية تكاليف زيادة الأجور؟ 

يبقى مقترح رفع زيادات الأجور دون انعكاسات إيجابية على المستوى المتوسّط، في ظلّ وجود القطاع الخاص

على العموم، يبقى مقترح رفع زيادات الأجور دون انعكاسات إيجابية على المستوى المتوسّط، في ظلّ وجود القطاع الخاص، المعروف بعدم الجدّية في تطبيق القرارات الحكومية، وعدم فعلية آليات المراقبة والعمل الموازي، وغياب التأمين الاجتماعي، ينعكس تحسن القدرة الشرائية عمومًا على التنمية الاقتصادية والبيئة الإنتاجية، وقوّة مؤشّرات النمو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

البنك العالمي: حبس رجال الأعمال سيؤدّي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد الجزائري

تونسيون يحاولون اختراق الحدود الجزائرية بسبب البطالة