السيّد الرّئيس.. لماذا تركت الحصان وحيدًا؟

السيّد الرّئيس.. لماذا تركت الحصان وحيدًا؟

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبو ن (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

يقول الشاعر محمود درويش في إحدى قصائده:

إلى أَين تأخُذُني يا أَبي؟

إلى جِهَةِ الريحِ يا وَلَدي...

- لماذا تركتَ الحصان وحيداً؟

- لكي يُؤْنسَ البيتَ، يا ولدي،

- فالبيوتُ تموتُ إذ غاب سُكَّانُها..( ...)

ألم يحن الوقت للملمة جِراح الجزائريين، وزيارة المدن الجزائرية التي تضرّرت من الحرائق

عندما شعرت بمعنى التّفرقة ومآلات الفِتنة والكراهية، التي عكرت صفو وداد الجزائريين لسنوات طويلة، من أحداث أكتوبر 1988، وأحداث جوان 2001، وحادثة "أرض مْليكة" بغرداية و2005 وكثير سِواها، قرّرت أن أكتب رسالة مفتوحة لرئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية عبد المجيد تبون:

اقرأ/ي أيضًا: فنانون يرسمون جمال بن سماعين.. استعادة الرّوح والجسد

السيّد الرئيس، في الـ 13 من شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2019، ساعات عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي فزت بها، صرحت في ندوتك الصحفية الأولى كرئيس لجزائر ما بعد بوتفليقة أنك:" مُتشوّق لزيارة تيزي وزو وبجاية"، ألم يحن الوقت للملمة جِراح الجزائريين، وزيارة المدن الجزائرية التي تضرّرت من الحرائق. هي فرصة لإيفائك عهدًا قطعته يومًا أمام الملايين وعلى مرمى كاميرات العالم، وشاشات التلفزيونات، وأن تسدل شعور الطمأنينة على قلوب المئات من العائلات التي أكلت النيران أرض أسلافها في لحظات والتهمت قوت سنوات كدها ورزقها في ثواني معدودات. 

سيدي الرئيس؛ ألم يحن الوقت بعد لأن تذيب ذلك الشّوق الذي يعتريك لزيارة مدن خاب ظنها في القاصي والداني؟، وهي لاتزال لحدّ اللحظة تكفكف دمعتها على ضحاياها من الانسان والحيوان وشجرات نمت في أرض لعقود طويلة؟

السيد تبون، في يومك الأول كرئيس جمهورية أجبت على سؤال أحد الصحافيين حيال أول دولة ستزورها بعد اعتلاءك كرسي الرئاسة بالقول: إذا كانت رزنامة دولية تقتضي زيارة رئيس الجمهورية فأنا مضطرّ لذلك، وإلاّ أنا أزور داخل الوطن وليس الخارج"، السيّد الرئيس: ما هي الولايات التي زرتها منذ تربّعك عرش قصر المرادية بأعالي العاصمة الجزائرية؟

السيد تبون، ذكرت أنّك وعدت الإخوان في الجنوب وفي الشرق أنك ستزورهم فور اعتلاءك كرسي الرئاسة، وعدتهم بالعودة إليهم، بعدما وثقوا فيك وفي عهودك ووعودك، فلماذا لا تفعل؟

السيد تبون، لماذا لا تصنع من مرحلتك التي وسمتها بعنوان عريض، بلغ عنان سماء الفضائيات وتداولته كل وسائل الاعلام "الجزائر الجديدة"، مرحلة الاقتراب من هُموم الرّعية، بزيارة أهل الضحية جمال بن سماعين ولجميع الولايات، والقرى والمداشر، التي اكتوت بنيران عدوّ وصديق، لتكون بذلك سُنَّة حميدة تقوم بها متى تسنّى لك الامر ذلك، ومتى سمحت لك ظروف التنقل؟

السيد تبون، توقع الجزائريون زيارتك لولاية ميلة شرق البلاد في شهر تموز/جويلية 2020، عقب الزّلزال الذي ضرب حيا آهلا بالسكان، ونداءاتهم الكثيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، خوف أقضّ مضاجع العشرات من سكّان عاصمة المياه، لأيام طويلة، وظلّوا لأشهر يلتحفون الخِيام داخل ملعب المدينة ووسط محطّة المسافرين، بين حرارة الصيف الحارقة وبرد شّتاء الشرق الجزائري القارس، وبين رُهاب الهزات الارتدادية المتواصلة لأسابيع وأيام طويلة، ولكنّك لم تفعل؟

السيد تبون، توقع الجزائريون أيضا زيارتك لمنطقة بجاية في الزلزال أيضا، وزيارة جيجل جرّاء الحرائق والهزات الأرضية، وغيرها من الأحداث لكنّك لم تفعل، وزيارة أهالي عناصر الجيش الوطني الشعبي عند استشهادهم في كمائن إرهابية، ولكنّك للأسف لم تفعل؟

السيد تبون، قد تختلِف الأحداث، وتتباين حِدّتها ويتمايز وقعها على النفوس، وقد تختلف ضرورات الزيارات والوقوف إلى جانب المهمومين في محنتهم، وضرورة كفكفة دموعهم، والربت على كتفهم وقت اللّزوم، وقد تزدحم أجندة سيادة الرئيس السياسية بين تكليف المسؤولية، ومتاعب مقاليد الحكم وتراكماته، نعم السيّد تبون كلها حجج تتقدّم أمام شعور مواطن برأفة حاكِم، ووقفة مسؤول هو القاضي الأول للبلاد، تنسيه عذابات فقدان تعب السّنين.

السيد تبون، الجميع يعلم حجم المسؤولية التي ألقيت على ظهرِكم منذ قرارك خوض معترَك الحياة السياسية من جديد، والعودة للواجِهة، وسط حراك الشّارع المحموم، وقرار الشّعب الرافض للعودة للوراء ومطالب الحناجر بالتغيير، وعدم البقاء في حضرة السّكون الذي خيّم على مختلف مؤسّساته طيلة العشرين سنة الماضية، رفض شعبي سَبَق العاصفة التي إن انطلقت لن تهدأ إلاّ بوقفة، أو موقف تاريخي، فلماذا لم تنتهز الفرصة اليوم قبل الغد؟

السيد تبون، إيقاف مسالِك الفرقة الوعرة، والبدء برمي اسفنجات تجفيف منابِع الفتنة المتعدّدة، لن تخمد نيرانها بجرّة بيان أو نشر تغريدة أو الخروج للعَلن خلال دقائق معدودات في التلفزيون الحكومي، فتكرار كلمة أو جملة لا يكفي لقول الحقيقة، لأرض الزيتون أنّها احترقت، فالشّجرة تُشبه الضَّنَى أو فِلذة الكبد، لا يغلى عليهما شيء، فكيف بأن تحرِقه وتعدِمه مرات ومرات؟

السيد تبون، في خضم التململ في الشّارع، وحمى التّغيير التي لازالت تقض مضاجع الجزائريين، صرختَ وقلتَ أريدها "جزائر جديدة"، وتعهّدت بالكثير من التغييرات، ترجمتها في 54 بند من بنود الحملة الانتخابية، أطلقت عليها تسمية: "تعهّدات" أو "وعود" أو "عُهود" وجميعنا يعلم أنّ:" العهد كان مسؤولا، السيد الرئيس؛ يا رئيس الجزائريين الذين قرّروا يومًا منحك صكّ رفع الظلم وإيقاف زوبعة الخَراب، "لماذا تركت الحِصان وحيدا؟".

في محطّات الأعياد يأتيك الجميع مهلّلًا ومباركًا، بينما في مواقِف الشَّدائِد؛ قليلٌ من ينسى الضَّغائن ويحترِم أحزانك ويتوقَّف ليُواسِيك

السيد تبون، أنا ومن سبقوني وكم هم بالآلاف، من جيل عرف الإرهاب الإداري والدموي والمجازر والسيارات المفخّخة، جيل كثير من أفراده من عضّ على نواجِده من فرط الظّلم الاجتماعي والإداري والتعسّف في الحقوق، يكفيه أن يذكّرك اليوم، إن الحصان لن يبق وحيدًا، سيفكّ وثاقه ويترك البلد، فالبلدان تحيا بقوة شعبها، ففي محطّات الأعياد يأتيك الجميع مهلّلًا ومباركًا، بينما في مواقِف الشَّدائِد؛ قليلٌ من ينسى الضَّغائن ويحترِم أحزانك ويتوقَّف ليُواسِيك، فلا أحَد يرضَى أن يعيش حُزنه وَحيدًا، ولا أحد يعلَم تبِعات الحُقوق المُعلّقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قضية جمال.. القبض على 36 مشتبهًا فيه واعترافات بارتكاب الجريمة

مثقفون يرفضون استعمال جريمة قتل جمال لنشر الكراهية