العنف ضدّ المرأة.. جرائم لا تتجاوز غرف النوم

العنف ضدّ المرأة.. جرائم لا تتجاوز غرف النوم

لا توجد إحصائيات دقيقة تعبّرعن حالات العنف ضدّ المرأة (فيسبوك/الترا جزائر)

 يتّفق نشطاء وحقوقيّون، على أن أرقام الإحصائيات المعبّرة عن العنف ضدّ المرأة لا تُترجم الحالات الحقيقية لحالات العنف وسط المجتمعات الذكورية في كثير من الأحيان، وإن كانت الأرقام التي تقدّمها الجهات الأمنية، تُشير إلى انخفاض معدّلات هذه الظاهرة.

كشفت المديرية العامة للأمن الوطني عن تسجيل 5620 حالة عنف خلال أول تسعة أشهر  من السنة الجارية

قد تكون قصّة سامية لوحدها، كافية لاختصار معاناة آلاف النساء الجزائريات، ممّن يتعرّضن للعنف ولا تتجاوز حكاياتهّن أسوار البيت، إذ يفضّلن الصمت إمّا هربًا من ملاحقة نظرات المجتمع، أو حفاظًا على أسرهنّ وأطفالهنّ.

اقرأ/ي أيضًا: حرمان المرأة القبائلية من الميراث.. 3 قرون من التعسّف

تشتغل سامية ممرّضة في أحد المستشفيات العمومية، لتعيل ابنتيها وتتكفّل بمصاريف البيت، ورغم ذلك، كما تقول في حديث إلى "الترا جزائر"، فهي تفضّل أن تتحمّل كلّ هذه المشاق على أن تتحمّل تعنيف زوجها البطّال الذي يعتدي عليها بالضرب.

لأنّ بيت سامية الزوجي، يبعد كثيرًا عن بيت أهلها، فقد زاد ذلك الأمور تعقيدًا، إذ لا تجد هذه الأمّ، من يساندها أو يتضامن معها، فهي كثيرًا ما تتردّد في إيداع شكوى لدى مصالح الأمن خوفًا من ردّة فعل عائلتها وأهل زوجها، هنا، تعلّق المتحدثة "الخوف يسكن الكائنات الضعيفة مثلي".

كشفت المديرية العامة للأمن الوطني، تزامنًا مع اليوم العالمي للقضاء على العنف ضدّ المرأة، عن تسجيل 5620 حالة عنف خلال تسعة أشهر الأولى من السنة الجارية، من بينها حالات اعتداء جسدي وضرب عمدي أفضى إلى الوفاة.

 وأفاد تقرير المديرية العامة للأمن الوطني، أنّ هناك أشكالًا مختلفة للانتهاكات التي تتعرّض لها المرأة، تشمل الاعتداءات الجنسية، والجسدية، والتحرّش الجنسي، وحالات الاغتصاب، وسوءُ المعاملة في الفضاء العام، وتشير إحصائيات مديرية الأمن، إلى أن ظاهرة العنف ضدّ المرأة عرفت تراجعًا هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية التي سُجّلت فيها 7061 حالة اعتداء.

تعليقًا على الأرقام المقدّمة من طرف المديرية العامة للأمن الوطني، ترى الناشطة الجمعوية في جمعية "المرأة في الاتصال"، مايا أزقاغ، أنّ التقرير، وإن أشار إلى تراجع حالات العنف ضدّ المرأة، إلا أنه قد لا يعبّر عن الواقع المرير بدقّة. وتبرّر تحفّظها عن هذه الأرقام بأن غالبية النساء ضحايا العنف، يحجمن عن تقديم أيّة شكوى، خاصّة ربات البيوت، مضيفةً أن ضحايا العنف من النساء، يتردّدن في ذلك، إمّا خوفًا من ردّة فعل المحيط العائلي، أو على مستقبل الأبناء، إضافة إلى عدم وجود متابعة جدّية عند تقديم شكوى لدى المصالح الأمنية.

تقول أزقاغ في حديث إلى "الترا جزائر" إنّ أرقام مصالح الشرطة ربّما لا تأخذ بعين الاعتبار، الحالات التي تتنازل فيها المرأة عن الشكوى لإسقاط المتابعة القضائية عن المعتدي كما ينصّ القانون الصادر سنة 2016. وأشارت الناشطة الجمعوية، أنه "وقفنا على حالات في مراكز الشرطة، تُقدّم فيها نصائح للضحيّة بعدم تقديم شكوى، ودفعها نحو الصلح، أو تحذير المعتدي لفظيًا فقط كأقصى إجراء يُتّخذ ضدّه".

سلمية الحراك الشعبي وراء حالات العنف؟

في السياق نفسه، وبخصوص تراجع معدّلات العنف ضدّ المرأة، بحسب بيانات مصالح الشرطة مقارنة بسنة 2018، تتساءل رئيسة "شبكة وسيلة"، فضيلة شيتور، في اتصال مع "الترا جزائر" قائلة "هل الأمر مرتبط بالحراك الشعبي وانعكاساته الايجابية على المجتمع؟".

ما يعزّز هذا التساؤل المشروع، بحسب المناضلة الحقوقية، هو الحضور النسوي الكثيف في مختلف التظاهرات والمسيرات، والعودة القويّة للمرأة في احتلال الفضاء العام، دون تسجيل حالات عنف أو تحرّش، خلال تسعة أشهر الماضية من الحراك الشعبي، وتستطرد شيتور، أن الأمل في تراجع العنف ضدّ المرأة، يبقى مرهونًا بإحصائيات إضافية، تقدّمها أيضًا مصالح الدرك الوطني والجهات القضائية، ووزارة التضامن والأسرة، وهي الاحصائيات التي تسمح، بإعطاء صورة شاملة عن العنف الممارس ضدّ المرأة في الجزائر، على حدّ قولها.

العنف له أشكال متعدّدة

من هنا، ترى ناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، أن مفهوم العنف ضدّ النساء، يتجاوز الاعتداء الجسدي والمادّي؛ فالعنف النفسي حسبهن، يسبب مضاعفات نفسانية ومرضية للمرأة، قد تكون أخطر من العنف الجسدي، وقد لا يتم ّإدراجها ضمن إحصائيات العنف ضدّ المرأة، وتنقل الناشطات، شهادات عن نسوة أصبن بانهيار نفسي وعصبي ومرضي نتيجة عنف معنوي يمارسه المجتمع الذكوري، يؤدّي إلى الإصابة بسرطان الثدي، أو حتى إلى حالات جنون.

في هذا السياق، ترى مايا أزقاغ، أن العنف النفسي اليوم بات أكثر ضررًا من العنف الجسدي، والعنف ضد النساء يأخذ أشكال مختلفة، كالمنع من الدراسة، والطرد من العمل، والتعسّف في استخدام المسؤولية قصد التحرّش، والتمييز في الأجر بالنسبة للعاملات، وعدم التأمين الاجتماعي، وغياب التكفّل الصحّي والنفساني، إضافة إلى الحرمان من الإرث.

ما هي نسبة النساء ضحايا التحرّش والاعتداءات الجنسية، وعدد اللواتي لا يقدّمن شكاوى لدى مصالح الأمن؟

غياب احصائيات دقيقة

من جهتهم، ينبّه متابعون لملفّ العنف ضدّ المرأة، إلى غياب إحصائيات دقيقة عن هذه الظاهرة، والتي تكشف بالتحديد عن نسبة العنف في الوسط الحضري والريفي، عن الأعمار الأكثر عرضة، والأماكن الأكثر انتشارًا للظاهرة، وما هي نسبة النساء ضحايا التحرّش والاعتداءات الجنسية، وعدد اللواتي لا يقدّمن شكاوى لدى مصالح الأمن؟، وما هي الدراسة التي تسمح بالمعالجة النوعية، بينما تبقى الاجراءات القانونية، التي تعاقب المعتدي وتحمي المرأة من التجاوزات غير كافية، دون ترجمة حقيقية وفعلية تسمح بتراجع ظاهرة العنف ضدّ المرأة على أرض الواقع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 لماذا لا ترث المرأة الأمازيغية في الجزائر؟

الأمازيغية في الجزائر.. من جحيم النضال إلى جنة الدستور