اليوم العالمي للشعر.. شعراءٌ جزائريون يتحدّثون عن عتبة الوجود

اليوم العالمي للشعر.. شعراءٌ جزائريون يتحدّثون عن عتبة الوجود

لوحة للفنان بسيم الريس

يُعَدُّ الشعر هذيانًا آنيًّا يملك من السِّحرِ ما يجعله أبديًّا، وهو من أقدم أساليب التعبير الوجداني التي أثثت بدايات الحضارات الإنسانية، يمتزج من خلاله الواقع بالخيال، فتغدو القصيدة مهربًا للشاعر وللمُتلَقِّي على حدٍّ سواء من حُمَّى التَّفاسير، فما فُسّرت لغة الشاعر إلا وصارت بلا معنى. مع ذلك، وجب على الشِّعر بكل مُبهماته، أن يكون دومًا يدًا غليظة تدق باب الواقع لتزعج نيام العقول والقلوب.

فضَّلنا الاحتفاء بالشعر مع ثلاثة شعراء جزائريين يُحاولون جاهدين الانتقال بالشِّعر واللغة نحو مستوى آخر

سُئِلَ الشاعر إيف بونفوا خلال حوارٍ معه، لمَ الشِّعر؟ فقال إنّه وظيفة مُغرية واحدة بالنسبة إليه، تكمنُ في فتح جنباتِ المعنَى للهويّة النَّفسانية، هويّته، والتي يحاول دائمًا التقطها".

اقرأ/ي أيضًا: حوار| لميس سعيدي: الشعر مزيج من الحساسية العالية والانتباه المبكِّر

أن تَعتَبِرَ الشِّعر "وظيفةً" تبلغ بك "هويةً" تبتغيها، فذلك يعني أن تكون أيضًا صوتًا مُدوّي المعنى لا الصوتِ- لمن لا وظيفة "له، وأن تُعَبِّد دربًا مفتوحا له، نحو  "هوية" يبتغيها، فمع مرور العصور وخلال فتراتِ التجديد والحداثة التي رافقت الشعر، كان لا بدّ للشاعر المُعاصِرِ أن ينزل من عليائه ليختلط بالآخرين، ومهما بلغ الشاعر من الفردانية والوحدانية، سيكون عليه دومًا أن يسعى عبر شِعره نحو الجماعة، ليكون صوتها، لغتها، سُخطها، وفي بعض الأحيان بوصلتها، وغالِبًا متاهاتها الجميلة عبر خلواته وخرجاته القليلة نحو الآخر.

من هنا، فضَّلنا الاحتفاء بالشعر مع ثلاثة شعراء جزائريين يُحاولون جاهدين الانتقال بالشِّعر واللغة نحو مستوى آخر، نحو وجع الجماعة بكل الفردانية التي يقدسونها، فلم يُغفِلوا  وجع المجتمع والإنسان كلٌّ بطريقته وكلٌّ بأسلوبه، ولعلّ ما جمع الثلاثة، هو اشتغالهم الدائم على النصوص الشِّعرية ذات الملامح النثرية التي تتخللها فلسفاتٌ ورؤى حياتية عميقة، تجاوزت الشِّعر بصفته فنًّا للوصف والتنميق، نحو اعتبار فلسفيته ومعانيه العميقة، ليبلغ الشَّاعر درجاتٍ أعلى من مجرد بنّاءٍ للجماليةِ على حساب الشخصية الفلسفية والواقعية للقصيدة والنصّ.

محمد بن جلول

الشِّعرُ بوصفهِ سقطةً سحيقة

حينما يهجرنا الحَكْيُ، نشعر بالعري، وأحيانا باليتم، تارةً بالضياع وغالبًا نَغطُّ في نوباتٍ من الفزع والفراغ، فتغدو كتابة الشِّعر ملاذا، والسفر بين أبياته صلاةً، بهجرانها تفقد الروح القداسة والأمان، فنَهُمُّ بالبحث عن خيوطه الأولى من جديد لتلامس أرواحنا التي غطّت في التيه، فنلاحق الحرف كوليدٍ يحبو نحو الأمام بحذر ولهفة.

فما الأجملُ من الحديث عن الشعر وجمالياته في يومه غير كتابته بعد هجران طال أمدُه؟

 في نصِّه هذا الذي يُنشر لأوّل مرة في "الترا جزائر"، آثر الشاعر محمد بن جلول الحديث عن الشعر بالعودة إلى كتابته:

الحياة المعبّأة في توابيت

"الشّعر بوصفه احتفاء أبديا بالحياة،

الحياةُ المعبّأة في توابيت ومُهربة بحرص وقلق بين الكلمات

     توابيت تطفو كأشياء صغيرة تعني بشدّة أصحابها بعد الدّمار الهائل والموت

والخرابِ الحاصل في كلّ مكانٍ وبعد العاصفة ...

والشّعر بوصفه نشيدا خالدا للمعنى،  للصبّارة المعمّرة على الشّرفات..

وللأبواب القديمة، بمقابض صدئة يغسلها الغيم وللظلال البعيدة ...

بوصفه نشيدًا خالدًا للموتى الذين عبروا وحيدين، بخفّة طائر صغير منح ريشاته للعازف ومشى بحفاء النّبع في اللّيل ...

الشّعر بوصفه مدينةً مُضادّة للرّصاص و يَدًا آمنة تهيل شُحوب الصّباح العالق في الوجوه

وبين الأرجل الفارّة والنّازحة كلّ يوم

يدًا تَسُدّ الثّقوب الكبيرة في المباني

وتسندُ الجُدران ... 

والشّعر بوصفه انتصارا للوردة، خارج السُور، وللحدائق المهجورة وللأغاني

الطويلة كأعناق زرافاتٍ، تأكلُ من شجر الرّوح ومن شوك الجسد 

وللأصدقاء القليلين والنّادرين في الصّورة ..

الشّعر بوصفه سمكة حيّة وملوّنة في صحن اللّغة، وبوصفه بُحيرةً عميقة

ومحيطا شاسعا بداخل حدقة زرقاء، لم ترَ البحر، ونافذةً مُشرعة في ذاتها

تطل على شجرة تُنادي على أختها في الجهة المقابلة ..

والشّعر بوصفه سقطة سحيقة، كقطرة وحيدة بداخلك وقفزة طويلة وشاهقة

إلى ضفة أخرى، هناك حيث الشّعر، بوصفه شعرا تماما، كما تخيلته

أو لا أحد تحديدًا، وتذرعه في الطريق ..

 هناك ، حيث تؤلمك الحياة  ككلّ مرة، وبشدّة،

الحياة المعبّأة في توابيت ومهرّبة بحرص وقلق بين الكلمات..."

الأخضر بركة

قصيدة النثر.. الكتابة/المتاه

في حديثٍ عن قصيدة النثر التي صارت مَحطَّ جدلٍ واسعٍ بين المدافعين عنها ومتبنيها، وبين الذين تبنوا أدوار حُرّاسِ ثروة الشعر العمودي، قال الشاعر الأخضر بركة في حديثٍ لالترا جزائر، أن قصيدة النثر في الجزائر قد تكون تجربةً جديدة، لكنّها تصل مع بعض الأسماء الشعرية المتميّزة مستوى لافتا من النضج والفرادة.

يعتبر بركة أن التجربة المحلية لا تقلّ قيمة أبدا عن مثيلتها في العالم، إذ أنه يقرأُ لعبد القادر رابحي، ولمحمد بن جلول، وخالد بن صالح، وصلاح باديس وعادل بلغيت ومحمد قسط وأمال رقايق، على سبيل المثال لا الحصر، بنفس حسّ الاهتمام والرغبة في الاكتشاف وهو يقرأُ لبيلي كولنز وبوكوفسكي وألدا مارينا وسليم بركات، ووليام كارلوس وليامز وعباس كيارستمي وعامر الطيّب ومحمد بن طلحة، ووديع سعادة وغيرهم.

يرى الشاعر الأخضر بركة في قصيدة النثرِ مساحةَ كتابةٍ جديدة، منفتحة على التجريب والمغامرة، وهي تضع الشاعر حسبه، ليس فقط في حالةِ بحثٍ عن الاختلاف عمّا يكتبه الآخرون، بل في حالة بحث أيضا عن الاختلاف عمّا يكتبه هو نفسه، في حالةٍ أشبه بالكتابة /المتاه، حيث تسقط ترسانة الثقافة الايقاعية الموروثة عن الشعر العمودي وحتى التفعيلي، ليجد الوعي الشعري نفسه في حالة عري، ولتصير العلاقة باللغة صعبة جدا، حيث ينبغي الجمع بين العفوية والعمق، بين اليومي والشمولي، بين المشهديّة والتجريد.

النثر تحريرٌ من وهم الاحتراف

يرى الشاعر الأخضر بركة أن استسهال قصيدة النثر أغلوطةٌ كبيرة، مرهونة بقصور الفهم لحقيقة الشعر، ولحصره في الجوانب الشكلية، فهي حسب تصريحه، على العكس من ذلك، إذ تضع الشاعر في المحكّ الإبداعيّ الصعب، وإذ تحرّره هو نفسه أحيانًا من وهم الاحتراف، والظنّ بامتلاك مهارة التأليف، لتعود به إلى طفولة البدء الشعري.

ويؤكد بركة أن هذا النوع بصورة من الصور، حربٌ دائمة على عادات الكتابة، غايتها هدمٌ للعوالم في مقابل بناء عوالم جديدة، كما أنها اشتغال على الدّال، وعلى إمكاناته خارج سلطة الشكل والنمط.

جدل قصيدة النثر في الجزائر

هنا، يقول الأخضر بركة إنّ القصيدة النثرية تجد صعوبة في تقديم نفسها، وحتّى في التقديم لنفسها في فضاء ثقافي مأسور ضمن أنساق ثقافة الشعر المنمّط بأصوات مشرقية محدودة، ويمكن القول أيضا حسب المتحدث، أنّ حضور قصيدة النثر الافتراضي أقوى من حضورها الورقي لاعتبارات ترتبط بشروط النشر شبه البائسة في الجزائر، لكن على الرّغم من ذلك هي تقتحم فضاء القارئ بشجاعة دونكيشوتية، وتجعل مسألة طرح المفهوم الشعري على طاولة النظر أعمق، وأنأى عن مفاهيم التحديد الإيقاعيّ العروضي له، كما يمكن، يقول بركة، ضمن هذه المساحة الزلقة للكتابة، إيجاد تنوّع يتراوح بين القصيدة الشذرية، وبين القصيدة المتدفقة في صورة هذيان، ولكن "تبقى المسألة مرهونة بحرّية الانفتاح في النصّ الشعري النثري على ممكنات القول، سواءً على تقنيات السرد، أو على شذرية التركيب والتكثيف، أو على تقنيات السينما، وفن التصوير الفوتوغرافي، والمسرحة التشخيصية، ولعبة كثافة الهايكو، والتوقيع الخاطف، وغيرها من عوالم الفن التي صار يمكنها الحضور بصورة أو بأخرى داخل لعبة الكتابة التي لم يجد لها النقد الجامعي أو الإعلامي من اسم يميّزها سوى نعتها بقصيدة النثر".

عادل بلغيث

قاعدة شعرية تكسر القواعد!

يرى الشاعر عادل بلغيث أننا إذا آمنّا أنّ الشعر روح تسكن المعنى دون إيغالٍ في مناقشة البنى العروضية والنثرية، فمن قواعد الروح الشعرية كسر القواعد، ومن متوقّعاتها ألَّا نتوقع لا نحن ولا القارىء ماذا سنجد في نهاية القصيدة أو أثناءَها، بنتائجه مفصّلة على مقولة الرسام بيكاسو:

"إذا كنا سلفًا نعرف ماذا سنفعل، فما فائدة أن نفعله أصلًا"

رغم ذلك فبيكاسو وغيره من المبدعين، حسب بلغيث، يجيدون العثور على الشيء لا الاكتفاء بوصفه، كما لا يمضي عملهم نحو ذلك المشجب البائس المتقادس بحجة الإبداع الذي اسمه "الحيرة ".

يضيف الشاعر في حديث إلى "الترا جزائر، أن الجميع يقفون محتارين أمام عديد القضايا السياسية والظواهر الكونية والحالات المجتمعية لكن وحده المبدع من يحمل لنا نزرًا من كشوف، وحين يقول مبدع بحجم بيكاسو "أنا لا أبحث بل أجد "، فهذا ليس معناه أنّه لا يبحث، بل أنّه لا يكتفي بالعودة خائبا بعد شقّ طريق طويل من التفكير، كذلك هم الشعراء، يقول بلغيث، أثناء العملية الابداعية يضاعفون وجودهم، ويجنون ثروة من المبهم بتحويل جزء منه إلى معرفة والحصول على وحدات وجود فكرية، لغوية، ابتكارات عقلية، وكأنهم أيضا يتشكّلون من بازل جديد.

وجوه الشعر تحدد اختلافاته

 تختلف بنية النصّ الشّعري حسب عادل بلغيث، باختلاف البنية النفسية للشاعر ووفق تغاير الأفكار التي تتشكل في العقل.

 ويؤكّد الشاعر أنّ الشعر العمودي مناسبٌ لموضوع ما، في ما يشبه زجاجةً ذات سطح عاكس واحد، يعكسُ وجوهنا وقلوبنا بتبسمها وعبوسها، بكرجها وأريجها - بوفاء تام للتفاصيل- أمّا قصيدتا النثر والتفعيلة فهُمَا، حسبه، مناسبتان لمواضيع أكثر موشورية، لتعقيدات ذهنية، تمامًا كالماسّة متعدّدة الأوجه، كل وجه في اتجاه، وفي مسرى ضوئي مختلف عن الآخر، رغم انتماء تلك الوجوه إلى الجوهرة ذاتها.

يشيرُ المتحدث إلى وجود اختلافٍ بين النثر والتفعيلة في مدى الرغبة في الصقل والحاجة إليه، وفي طريقة فهم كل شاعرٍ لهذا التشكيل في بنية النص، متسائلًا: هل يكون ذلك هندسةً لانعتاقاتنا الوجدانية، أو خروجًا عن المألوف من أنظمة الكلام لدينا؟ أم هو زخارف على جدران التفكير وأعمدته؟"

حرّية الشعر بين فكي السلطة

يتساءل عادل بلغيثهل توفّر الرعاية الرسمية للأدب شرط الحرية التامة في التعبير، لكل الأعمال المشاركة في تظاهراتها، ولو وفرتها هل سيتم احترام آراء الكاتب وحريته من طرف اللجان القائمة على تقييم الأعمال؟ ."

ويُعقِّب المتحدث على تساؤله قائلًا: "لا يأتي أيّ عمل بجديد إلا إذا كان حرًا، ومتجاوزًا لما يتم تسميته أحيانا بالخطوط الحمراء، على رأسها المحظور السياسي وكذا الديني".

هنا، يضيف الشاعر تساؤلًا: "إذا كنّا نحن المعنيين بالاستحقاق السياسي والامتحان الإلهي، لماذا يصبح المجالان محظوران علينا؟".

عادل بلغيث: إذا أرادت السلطة أن تكون حليفةً للفن والأدب فلْتَعي أن الفنّ الحقيقي لا يُحالف إلا الحرّية

إن التجاوز للمحظور حسب بلغيث، لا بدّ أن لا يكون سفليًا فيسقط في العنصرية والأنا المتضخّمة وكراهية الآخر فقط لأنه الآخر، أو التعريض بالسلطة فقط لأنها السلطة، المقصود هو التجاوز الذي فيه لا تُصنع الأعمال بمقاييس الجوائز ولا تتمثل ببالونات الأعياد، فهذا مع الوقت سينتج أدب جوائز خال من دسم الواقع، ونزيفه، بل وينتج أدب سلطة، لا سلطة أدب، وإذا أرادت السلطة أن تكون حليفةً للفن والأدب فلْتَعي أن الفنّ الحقيقي لا يُحالف إلا الحرّية، عليها فقط أن تثق بمخرجات الحرية، وألا ترتبك من بعض سلبياتها التي ستختفي مع الزمن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار | رباح بدعوش: الشعر هو الشاهد على الإنسانية

حوار | محمد بن جبّار: الحراك الجزائري تجاوز المثقف والنخبة