13-أبريل-2020

الإجراءات الوقائية فرضت توقيف كثير من النشاطات التجارية في الجزائر (تصوير: فاروق باتيش/Getty)

في حيّ وادي كنيس بقلب منطقة رويسو بالعاصمة الجزائرية، تعوّد عبد القادر أن يركن شاحنته الصغيرة لنقل البضائع، على حافة الرّصيف المحاذي للمحلّات المعروفة ببيع الأجهزة المنزلية والأثاث القديم، إذ يقوم برحلات صباحية يوميًا تقوده لأحياء سكنية، بغية الحصول على الأغراض القديمة من أصحابها بأثمان أقلّ بكثير من ثمنها الأصلي، ثم يبيعها لفائدة أصحاب المحلّات الذين يقومون بدورهم بعرضها للزبائن.

مهنٌ كثيرة يومية غابت اليوم بسبب الأوضاع التي فرضتها الأزمة الوبائية

مهنٌ اختفت

حلقة طويلة يتشارك فيها عدد من التجار الصّغار للحصول على رزقهم اليومي، رحلة تبدو سهلة من حيث الوجهة، لكنّها صعبة عندما تتعلق بتوفير قوت يومي لأسرة مكوّنة من أربعة أطفال مثلما قال لـ "الترا جزائر"، موضّحًا أنه أحيانًا وفي الأيام العادية، لا يحالفه الحظّ كي يحصل على صفقة بيع أثاث قديم، فيضطر إلى أن يركُن شاحنته في الشّارع ليقوم بتوصيل الأغراض للزبائن، إن وجد "كورسة" على تعبيره.

اقرأ/ي أيضًا: بعيدًا عن الحجر المنزلي.. قصص موظّفين في زمن الكورونا

حال السيد عبد القادر، مع " الكورسات" أي خدمة توصيل الأثاث للزبائن عبر أحياء العاصمة، هو حال العشرات من الجزائريين ممن امتهنوا هذه المهنة، منهم أيضًا من كانوا يجوبون الأحياء السكنية كباعة جوّالة، يجرّون عربات صغيرة متنقّلة، يسعون للبحث على أثاث قديم، بعد أن حالت ظروفهم المعيشية دون الحصول على فرصة عمل قارّ، على حد قول كثيرين منهم، واليوم لم يعد لهم مكان هنا بين تجّار وادي كنيس الذين يتعاملون معهم في خدمات التوصيل.

مهنٌ كثيرة يومية غابت اليوم بسبب الأوضاع التي فرضتها الأزمة الوبائية، وضاع معها أصحاب العمل اليومي من ذوي الدخل الوحيد، بسبب تدابير حظر التجوّل وإجراءات الحجر الصحّي المنزلي، ومخاوف كثيرة من الإصابات بالفيروس في غلب ولايات الجزائر، في وقت يتحسر المتحدّث على تلك الأيام، بالقول: "العمل الخاص دائمًا غير مضمون، لكن اليوم غير المضمون بات طموحًا صعب المنال، فنحن في بطالة إجبارية، وننتظر أن تنفرج الأزمة".

 جائحة كورونا غيّرت حياة الكثيرين في الجزائر رأسًا على عقب، فالعمّال في الأسواق في مجال العتالة وباعة الأرصفة والجوالة، أو باعة الخبز التقليدي أو المطلوع، ونادلو المقاهي والمطاعم وسائقو سيارات الأجرة، وغيرها من المهن التي اختفت مع الأزمة، إذ يرى الباحث في الاقتصاد، عبد العزيز زراري من جامعة قسنيطنة في تصريح لـ"الترا جزائر"، أنّ هذه "القرارات جاءت لتحفظ سلامة المواطنين، وتفاديًا لانتشار واسع للوباء، ولكن في المقابل ضاع معها الآلاف من مناصب عمل يومية، دون بدائل"، لافتًا إلى أن القطاع العمومي أكثر ضمانة في واقع الحال مع أزمة كورونا، كما قال.

بطالة اضطرارية

لقد أثّرت الأزمة الوبائية التي يعرفها العالم والجزائر، بسبب تفشي فيروس"كورونا"، سلبًا على العمال الظّرفيين والموسميين واليوميين، خصوصًا أولئك الذين يعتمدون على العمل ما تجنيه عملية بيع محدّدة أو العمل بالساعات فقط، وهو ما جعل العشرات من سائقي سيارات الأجرة يقومون بوقفات أمام مديريات النقل عبر عدّة مناطق بالجزائر بسبب "انقطاع عملهم اليومي والذي يرتكز- حسبهم - على وجود زبائن، وخصوصًا الناقلين الذين يشتغلون ما بين الولايات.

على الأرض، تطوّرات الأزمة الوبائية ومنع السلطات الجزائرية المواطنين من التنقل، وندرة بعض المواد التموينية كالسميد، أدخلت فئات من الجزائريين، تلك التي كانت تعيش على مداخيل يومية من تحضير وبيع الخبز المنزلي، أو بعض الخضر التي توجد في الحقول نفسها في عطالة، خاصة النساء في البيوت، اللواتي زادهن الحجر فقرًا، بعدما كانت هذه المهن مصدر رزقهم الوحيد.

كورونا بجمرتين

"ما يحس بالجمرة غير اللي كواتو"، عبارة كثيرًا ما يردّدها المتضررون من الأزمة الحالية، ففي الأزمات تظهر الكثير من الحقائق، على حدّ تعبير كثيرين منهم في حديث إلى "الترا جزائر"،  مطالبين الدولة بإيجاد خيارات أخرى لإغاثة المواطنين المتضررين من هذه الإجراءات،  رغم عشرات المبادرات التضامنية الجمعوية من متطوعين في إيصال المئونة للأحياء والقرى والمدن وخاصة لولاية البليدة، المتضرر رقم واحد في الجزائر.

على غير عادتهم، اختفى باعة الخبز المنزلي من الأسواق، إذ خسرت السيدة عتيقة من منطقة" درقانة" شرق العاصمة الجزائرية، الكثير من زبائنها في هذه الفترة، وهي التي تعودت على طهي الخبز التقليدي في البيت (الكسرة والمطلوع)، مثلما قالت في تصريحات لـ "الترا جزائر"، موّضحة أنها بذلك كانت تكسب قوت يومها منذ أن فقدت زوجها، وبفضل هذا العمل اليومي يمكنها أن تعيش هي وأبناؤها.

لقد خسرت الكثير من العائلات مداخليها اليومية بسبب أزمة كورونا، وأضحى الوباء وبالًا عرّى هذه الأسر الفقيرة مرّتين؛ مرّة عندما انتشر الوباء ونقصت وسائل الوقاية، ومرّة  بعد أن منعهم من  ممارسة مهنتهم الوحيدة، إذ كانت العائلات تصنع الخبز ويبيعه أطفالها في الأسواق. هنا تقول المتحدثة في هذا السياق، إنها فقدت مع الحجر الصحّي مدخولها اليومي، وأصبحت تنتظر مساعدات الجمعيات الخيرية، التي بدورها لم تبخل على أمالها، كما قالت.

في انتظار الجمعيات الخيرية

هي صورة من صور الجزائر العميقة. مواطنون كان بالأمس مدخولهم هو ما تجنيه أيديهم من خلال العمل اليومي، وإلا فلا مدخول آخر لديهم من خلال العمل.    

هناك فئة أخرى من الشباب والعائلات التي كانت تعيش على بيع بعض الخضراوات، ويتنقّلون من منطقة إلى منطقة في الأسواق الكبرى، إذ انقطعت بهم السبل، بسبب منع التنقل وتعطل وسائل النقل. وكعيّنة من هؤلاء من صغار العمال في الأراضي، ممن الذين يذهبون إلى الحقول والمزارع لجلب بعض البضاعة وأخذها للسوق وبيعها يوميًا، إذ لم يصبح ذلك اليوم ممكنًا. هذه العائلات وأرباب الأسر، بحاجة الى مساعدات تضامنية توفّرها عديد الجمعيات الخيرية عبر الأحياء والقرى والمدن.

لا تتوفّر أرقام رسمية حول عدد العمّال في المجال الحرّ في الجزائر

لا تتوفّر أرقام رسمية، حول عدد العمّال في المجال الحرّ في الجزائر، أو العمّال اليوميين، إذ يصعب تعدادهم لأنّ غالبيتهم غير مؤمّنين اجتماعيًا، فضلًا على ذلك، لم تكن هناك وزارة للتخطيط إلا بعد مجيء الرئيس تبون، غير أن الثابت الوحيد هو أن عودة كثيرين إلى عملهم مرهون بانتهاء الأزمة وعودة الحياة مجددًا، في مقابل اقتراب موعد شهر رمضان، وبذلك ستحصي الجزائر آلاف المتضرّرين اقتصاديًا واجتماعيًا بسبب أزمة مستمرّة.

 

اقرأ/ي أيضًا: