17-يونيو-2020

الفنان حكيم دكار (فيسبوك/الترا جزائر)

 

يعدّ الفنان حكيم دكار (1967)، من بين الممثلين الجزائريين الذين أثروا الساحة الفنية مسرحيّا وتلفزيونيًا، والأكثر تفضيلًا لدى الجمهور أيضًا، حيث قدم أعمالًا عديدة تراوحت بين الكوميديا والدراما، وقد بدت عليه بوادر الموهبة طفلًا، حيث كان يقلّد الأشخاص في محيطه وهو لم يتعدّ الخامسة من العمر، ومن ثمَّ ولج المسرح الجهويّ في قسنطينة بتشجيع من شقيقه.

حكيم دكّار: عانيت من الصداع والإسهال وفقدان الشهيّة، لهذا أجلّت سفري إلى أولادي في العاصمة

من أشهر أعماله في التلفزيون، مسلسل "يا شاري دالة" (1988)، وسلسلة "جحا" بأجزائها الأربعة، التي اشتهر بها سنتي 1999 و2010، إضافة إلى المونولوج الشهير "خبّاط كراعو".

اقرأ/ي أيضًا: حوار | باقي بوخالفة: ضاقت مساحة الحرّية في زمن كورونا

في حوار خصّ به "الترا جزائر"، يحدثنا الفنان عن تجربته مع فيروس كورونا، وعن الظروف التي رافقت هذه الإصابة نفسيًا وجسديًا في المستشفى، وعن أصداء الإصابة في المحيط الفنّي والإنساني، كما يجيبنا عن أسئلة تتعلّق بالفن وعلاقته بالجمهور.

  • "كيف تعايشتَ مع إصابتك بفيروس كورونا؟ 

تعايشتُ بشكلٍ واقعيٍّ مع إصابتي بفيروس كورونا، كأغلب من أصيبوا به، لكنّ شعورًا قويًا بالغرابة لازمني طيلة الوقت، ربّما لأنني كنت من بين الأشخاص الذين شاركوا في أولى حملات التوعية والتحسيس بمخاطر هذا الفيروس، على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر حملة المسرح الجهوي، إضافة إلى مشاركتي في سلسلة رمضانية تعلّق موضوعها بهذه الجائحة. مع ذلك، لم يمنع ذلك إصابتي أسبوعًا قبل العيد بنزلة برد تطورّت أعراضها إلى ما يشبه أعراض الفيروس، وهذا ما جعلني أشكّ في حالتي.

إن الشيء الذي يجهله الناس، هو أنني دخلت بشكل طوعيّ في فترة حجر ذاتي داخل غرفتي في البيت، ولم أحتك بمن خارجها، كان هذا قبل دخولي المستشفى، حيث عانيت من الصداع والإسهال وفقدان الشهيّة، لهذا أجلّت سفري إلى أولادي في العاصمة، وفضّلت الانعزال مخافة نقل العدوى إلى المقرّبين منّي.

قمت بزيارة طبيبة في أحد المستشفيات، وهي بدورها أرسلتني إلى أخصائي في الأمراض الصدرية، وهو من أجرى لي التحليل الأنفي الفيروس، ثم عدت إلى منزلي إلى حين ظهور النتيجة التي كانت إيجابية، في الواقع، كنت استبعد الإصابة مع أن كل الأعراض كانت تدلّ عليها.

من هنا، أريد توضيح أمر هام يتجاهله كثيرون، وهو أن حاملي فيروس كورونا كانوا يأتون إلى المستشفى في أغلبهم راجلين ولا يبدو عليهم المرض، وقد رأيت كثيرين منهم حيث قضيت الحجر، وهذا ردي على "محللي الفيسبوك" الذين انتقدوا رؤيتي راجلًا وأتحرّك بشكل عادي.

عندما ثبتت التحاليل الموجبة، التحقت فورًا بمستشفى البير حيث لمست واقعًا آخر، وكأني انتقلت إلى عالم مختلف غير الذي كنت فيه، عالم لم أجسده في أدواري التمثيلية، ولا رأيته في أعمال فنيّة. كوني مصابًا كان بمثابة تجربة مختلفة وغريبة، الأمر الذي جعلني أنزوي بنفسي ليلتها بعدما حصلت بشقّ الأنفس على غرفة رافقت فيها مريضًا آخر. 

  • كيف قضيت الوقت مع الحجر في المستشفى وفي المنزل؟ ماذا خلقَت هذه العزلة في ذاتك؟

لقد فكرت خلال وجودي في المنطقة الحمراء لوباء كوفيد-19 وسط العديد من المصابين مثلي، في كيفية مناسبة لإخبار العائلة والأصدقاء والجمهور، تسلّحت بالشجاعة للبوح بالأمر لأن الناس للأسف يتعاملون مع المصاب بخوف وينفرون منه، مع ذلك اعتبرتُ الإصابة شيئًا عاديًا ومرضًا كباقي الأمراض التي يمكن شفاؤها، ليس من العيب أن تحمل فيروسًا معديًا لكن العيب في عدم الوعي، وإضافة إلى كوني شخصية عامة وفنانًا، كان من واجبي أن أكون قدوة للذين يهتمّون لأمري، وآثرت التصريح بالإصابة حتى لا يتمّ تأويل الأمور بشكلٍ مغاير.

من هنا، كلّفت صديقي الفنان كريم بودشيش بنشر إعلان للأصدقاء والفنانين والجمهور، وكتبناه، ثم قضيت في المستشفى عشرة أيّام مع تطبيق البروتوكول، ثم خرجت لمدة 14 يومًا إلى الحجر المنزلي إلى غاية زوال الفيروس.

لقد صرّحت بإصابتي احترامًا للجمهور الذي أنتمي إليه، أظنّ أن هذه المحنة كانت رسالة ربانية للآخرين، لكي يكونوا أكثر حرصًا كوني انتقلت من دور توعوي إلى واقع الإصابة وكان علي التحرّك والتعامل بكل واقعية، لكي لا يقع المقرّبون منّي في حالة من الذعر. 

  • تأرجحتَ بين التمثيل والواقع في فترة قصيرة عبر دورك في السلسلة الرمضانية "زوج في حصلة" وإصابتك الفعلية. ما الفارق بين ما منحه لك تمثيل ذلك الدور وبين التجربة الفعلية للمرض؟

ممّا لا ريب فيه، أن وضعي التوعويّ كفنان يختلف تمامًا عن وضعي كمصاب بالفيروس، لكن بالنهاية هو أمرٌ مقدر من الله وعلينا التسليم به، والتعامل معه بجديّة وواقعية، لا شكّ في أن الفنان قادر على تقمّص شخصية مصاب بالفيروس ليعيش  الجمهور معه تلك الحالة، ويدركوا ذلك الموقف، لأن دوره بالنهاية هو إقناع الجمهور بما يؤدّيه كوميديا أو دراميًا، لكن الحقيقة أن الأمر بعيد جدًا عن التمثيل في تجربته الفعلية، ولو كان الممثل موهوبًا جدًا، لن يتمكّن في اعتقادي من ترجمة شعوره الداخلي الحقيقي عبر ذلك الدور، وهو يعاني من الإصابة، لأن هناك هُوّة سحيقة بين إنجاز عمل توعوي محض، وتمثيل دور بارتداء القناع الواقي، وبين القبوع خلف القناع وأنت تحمل الفيروس، لأنك تكون ممتلئًا بمشاعر تتأرجح بك بين الغرابة والخوف وترقب المجهول.

  • هل تعتبر الخيال والتمثيل بمثابة استباقات فعلية لما يحدث في الواقع؟

أظنّ أن الكثير من الأعمال الفنية استشرفت عدّة أحداث في الواقع، والفنان يقف دائمًا عبر ما يقدمه في طليعة الأحداث، حيث يعمل في أدوار كثيرة، وفقًا لتصوّر قد يحدث من حروب وكوارث وأوبئة وما إلى ذلك، وربّما كانت هناك أعمال سبق لها وتنبأت بمثل هذا النوع من الأوبئة، لكن في رأيي الشخصي يعد فيروس "كوفيد-19"، ورغم كل التوقعات في الأعمال الفنية، مفاجأة سيئة أربكت العالم أجمع وباغتته.

  • هل دفعتك محنة الوباء إلى إعادة تأثيث تفكيرك في أشياء تتعلّق بالفنّ والحياة والعلاقات الإنسانية؟

نعم، لمَ قد نمارس الفن إذا لم نكن في خدمة قضايا المجتمع؟ علينا الآن أن نعمل دومًا على الاحتكاك بالأفراد والمجتمعات بغية "التوثيق الفنّي"، طبعًا نحن كفنانين لسنا كتاب تاريخ، ولكن بإمكاننا من جهة أخرى، توثيق الكثير من الأحداث التي يمرّ بها المجتمع الجزائري عبر أعمالنا.

وُثّقت الثورة الجزائرية على سبيل المثال، عبر الكثير من الأعمال، لكننا لم نفكر في تخليد أحداث أخرى أثّرت في تاريخنا الحديث والقريب، وهذا خطأ فادح نرتكبه، حيث تم اللجوء أيضًا لتوثيق العشرية السوداء كلٌّ من منظور، ولم نغص فيها بالشكل المطلوب، لأن التأريخ لتلك الفترة مبهم بالنهاية، لكننا لم نوثق فيضانات باب الواد مثلًا أو زلزال بومرداس، حيث كان من الممكن أن تروى العديد من القصص الإنسانية المؤثّرة التي يجد الفرد الجزائري نفسه في أحداثها.

أنا حقيقة أجهل الأسباب التي جعلتنا نتغافل عنها، لنلجأ دوما إلى تكرار المواضيع نفسها، لم نقم ولو بالتلميح لهذه الأحداث في أعمالنا، لهذا أجد شخصيًا أن التوثيق الفنّي يضاهي بشكل كبير أهميّة التوثيق التاريخي لما نعيشه من أحداث.

  • خلال قراءتك لرسالة بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، ذكرت عبارة قالها كاتبها، المسرحي شاهد نديم: "الأوقات السيئة هي وقت جيد للمسرح". كيف تستغل الأوقات السيئة كونك مسرحيًا؟

أشكر هذا السؤال المهمّ، مع ذلك، أظنّ أنه لم يكن هناك وقت للتنبه إلى الوقت السيء من الجيد في قلب هذه الجائحة، حيث انشغلنا بشكلٍ جدي في المسرح الجهوي من خلال خلية اتصال بشكلٍ تطوعي عبر حملات من فناني قسنطينة، إذ أرادوا البقاء على مقربة من المجتمع، وهذا في رأيي هو موقع الفنان الحقيقي، ليس فقط في مواقع التصوير وخشبات المسرح والحفلات، إنما عليه أن يبقي التواصل وثيقا مع الجمهور من خلال إحياء قضاياه المصيرية التي يتوجّب عليه كفنان طرحها للجدل، والبقاء في الساحة وسط الناس حيث يحظى بمصداقية أكبر من السياسيين مثلًا، لقد منحنا الله الموهبة لنستغلها في هذه الأمور.

شخصيًا، حينما أرى خشبات المسرح وساحات التصوير مهجورة، لا يمكنني تصوّر الحياة خارجها، حتى لو كانت هناك نشاطات افتراضية عديدة، من مهرجانات ومقابلات وعروض فنية ومسرحية، ومناقشات للأعمال على الإنترنت، فإن "الكثير من الصور تقتل الصورة" كما يقال. الأوقات السيئة تكون بفرض هذه النشاطات الافتراضية بديلًا للخشبة والفن الواقعي، هناك فرق شاسع بين التواصل مع الفنان فوق الخشبة مباشرة وبين رؤيته خلف الشاشة، لن نلامس صفحات الكتب ولن ننبهر بالمعارض التشكيلية، لن نُطرب في حفل موسيقي بشكل مباشر، لهذا فإن الافتراض ذو حدين، ولا يجب أن يكون سوى مهربٍ مؤقّت وليس البديل الدائم.

  • هل تعتبر هذا الوباء محنةً عصيبةً أم أنها فترة تأملية لمراجعة الذات فنيًا وإنسانيًا؟

إذا لم نتعلم دروسًا من المصاعب والظروف القاسية التي تحلّ بنا، هذا يعني أننا تلاميذ كسالى وفاشلون، وسنقع دومًا في الأخطاء نفسها، هناك مثل ياباني يقول: "كل فشل هو بداية جديدة"، ومع أن ما مرّرت به ليس بالفشل، وإنما تجربة مُقَدّرة علمتني الكثير من الأشياء، فإن هذا النوع من المحن يساعدنا على إعادة التفكير في كل ما يخصّنا في الحياة الشخصية والمهنية، في العلاقات الإنسانية خاصّة، ويمنحنا الفرصة لكسب طريقة جديدة لتسيير حياتنا، أدركنا فكرة أن العالم صغير بحجم قرية، وأنه لا شيء بعيد عن جمع البشرية في قالب واحد، عرفنا أن الحروب ليست وحدها من تقتل الإنسان، صار للشر وجوه كثيرة غير طلقات الرصاص، هذا الوباء هو الوجه الجديد للشرّ الذي كان على العالم أجمع مواجهته، ومنه بدأنا التفكير جديًا في كيفية حماية أنفسنا وحماية الكوكب الذي نعيش فيه، لأننا لسنا مواطنين محليين فقط، نحن تنتمي إلى العالم،  ننشر الوعي ونتعلّم كيف نحمي الآخرين، وهذا نوع من الوعي والتحضر الذي يجب أن يجمع كل البشر. 

كل محنة نقع فيها هي درب نحو التفكير العميق لما بعدها، نحن كفنانين نقول دائمًا بعد كل ظرف صعب أننا سنرجع بقوة، وهذه الإرادة هي ما تجعل الفنان مُجددًا ومنتجًا، أن يولد من جديد من رحم الفرص الجديدة في زمن الوباء.

  • ما ردّك على الشائعات التي تردّدت حول مرضك في مواقع التواصل الاجتماعي؟

أظن أن هذه الشائعات مِنْ صُنعِ نفوس ضعيفة، وحتى بعض من طرحوا تلك التساؤلات المشكِّكة في إصابتي، فعلوا ذلك بشيء من الشرّ والتجريح، لكنني شخصيًا لا ألتفت إلى هذا، لأن الكم الهائل من التعاطف الذي وجدته في مقابل ذلك من الجمهور والزملاء يجعلني لا أرد، أو قد أرد بطريقتي الخاصة يومًا ما.

  • تفاعل كبير خصّك به الجمهور والأصدقاء من فنانين ومشاهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ماذا ترك هذا في نفسك؟

لقد اندهشت في الحقيقة من ذلك التفاعل العظيم والتضامن مع إصابتي بالفيروس. أدرك أنني لم أتحايل يومًا في ما قدمته خلال مسيرتي في المسرح والتلفزيون، وربما كان هذا جزاءً لذلك، كل تلك المحبة وذلك التضامن والتأثّر من الجمهور داخل وخارج الوطن، وذلك الكم الهائل من الدعاء والتعاطف من خلال منشورات في شبكات التواصل الاجتماعي، لا تضاهيه كنوز الدنيا بالنسبة لي، أعتبر أن هذه المحبة نعمة لا ندركها إلا في هذه المحن، فنانون محلّيون وعرب، رياضيون، مواطنون مغتربون ومن كل نواحي البلد بعثوا برسائل مفعمة بالمحبّة، وهذا من الأشياء التي منحتني تفاؤلا كبيرا أثناء المرض، وسرعت في شفائي، لقد أعانني الحب على تفادي اليأس والخوف.

  • هل تعتقد أن هذه الجائحة كانت فرصة لعودتك إلى الشاشة من باب التوعية والترفيه؟

في الحقيقة، كان لديّ مشروع درامي، كنت أنوي الرجوع به قبل الظروف التي مر بها الوطن سياسيًا مؤخرًا، وهو عبارة عن مسلسل تراثي بالتعاون مع صاحب هذه الفكرة الجميلة الأستاذ عرسان عقلة، وبدأنا بالفعل التحضير له، لكن بسبب هذه الظروف، آثرنا تأجيل العمل إلى السنة المقبلة، لأنني من الأشخاص الذين يحبّون أخذ وقتهم في التحضير لأيّ عمل، ووددت أن تكون عودة جميلة نعمل عليها بحب، وهذا ما يجيب عن سؤالك، أنا لا أنتظر أبدًا ظهور هذا النوع من المحن للعودة نحو الشاشة، وكل هذه السنوات التي مضت ولم أقدم خلالها عملًا جديًدا تعني أنني لم أصادف مشروعًا يثير في نفسي رغبة العودة.

حكيم دكار: وباء "كوفيد-19" سيكون سببًا في تغير خارطة العالم  حسب اعتقادي

  • في تصوّرك الشخصي، كيف سيكون العالم والفن خصوصًا، بعد أزمة كورونا؟

من المؤكّد أن هذا العالم ذاهب في ثقة نحو التغيير لا محالة، لم تغيره كثيرًا كل تلك الكوارث والحروب، لكن وباء "كوفيد-19" سيكون سببًا في تغير خارطته حسب اعتقادي، كما سيؤثّر قطعًا على تركيبة البشر ونفسياتهم بشكل جذري، ميزان القوى العالمي أيضًا سيختل، وبالنهاية، أظنّ أن فيروس كورونا وضع كلّ البشر سواسيةً أمام هذا الواقع الجديد الذي وجب التعايش معه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كورونا "تؤسّس" لمشهد ثقافي افتراضي في الجزائر

عروضٌ افتراضية.. هل يملك الفنّ القدرة على كسر الحجر؟