حوار | باقي بوخالفة: ضاقت مساحة الحرّية في زمن كورونا

حوار | باقي بوخالفة: ضاقت مساحة الحرّية في زمن كورونا

رسام الكاريكاتير، باقي بوخالفة (فيسبوك/الترا جزائر)

حين تخرّج رسّام الكاريكاتير باقي بوخالفة (1977) المعروف اختصارًا "باقي"، من المدرسة العليا للفنون الجميلة في الجزائر العاصمة، متخصّصًا في التّصميم الخطيّ عام 2007، كان قد فرض نفسه في المشهد الفنّيّ والإعلامي الجزائريّ الذّي التحق به عام 1998، ببصمة تختلف عمّا كان سائدًا فيه. وقد كرّس تلك البصمة في كتاب عام 2010، جمع فيه نخبة من رسوماته.  

باقي بوخالفة: يمكن للمعالجة الكاريكاتيريّة إضافة جانب جماليّ مهمّ أو تمرير فكرة قويّة

بين المنابر الورقيّة والإلكترونيّة والتّلفزيونيّة، استطاع باقي أن يصل برسوماته البسيطة والدّالّة إلى المواطن البسيط، بتكثيف اللّحظات السّياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والرّياضيّة، بما ينوب عن مقالات كثيرة. وقد سخّر موهبته في مرافقة هذا المواطن، طيلة فترة الحجر المنزليّ الذّي فرضه فيروس كورونا، فجمع بين الإبداع والإمتاع والتّوعية.

في هذا الحوار الذّي خصّ به "الترا جزائر"، اقتراب من منطلقات وأدوات ورؤى باقي بوخالفة، الذّي حصل على عدّة تتويجات محلّيّة ووطنيّة ودوليّة، منها تصنيفه من طرف وزاره الثّقافة المصرية عام 2011، كأهمّ خمسة فنّانين أثّروا في الثّورة المصريّة من خارج مصر.

  • يأتي رسّام الكاريكاتير في طليعة الفنّانين اللّصقين باللّحظة الشّعبيّة والسّياسية، فمادتهم ثمرة لذلك الالتصاق. هل نستطيع القول إنّ الكاريكاتيريست سياسيّ بالضرورة؟

الكاريكاتيريست ليس سياسيًّا بالضّرورة، رغم أنّ مساحة كبيرة من المادة التّي ينتجها سياسيّة بامتياز. ذلك أنّ اشتغال معظم رسّامي الكاريكاتير في منابر ومؤسّسات تشتغل على المادّة المرتبطة بالسّياسة جعل الانطباع بأن الكاريكاتير سياسي بالضّرورة. علينا أن نفرّق بين الاشتغال في السّياسة والانشغال بها. يسمّى الأوّل سياسيًّا فيما يسمّى الثّاني مسيَّسًا. أنا مسيّس ولست سياسيًّا.

  • عادةً ما تفرض حادثة ما نفسها على المشهد الوطنيّ أو الدّوليّ، فتصبح الهاجس الأكثر تداولًا في اليوم أو الأسبوع. هل أنت مطالب بالتّفاعل معها رسمًا، أم يمكن أن تتجاوزها إلى حدث أقلّ منها تداولًا؟

من حيث المبدأ أنا لست مطالبًا بالتّفاعل مع مع الحدث الطّاغي، لكن من حيث خبرتي في ميدان الإعلام، فإنّ تناولك لموضوع الحدث البارز والمتداول يشكّل نصف تفاعل القرّاء معه. ولذلك فأنا أميل دائمًا إلى تناول الحدث ولو بفكرة أقلّ قوّةً من تناول موضوع ''بارد '' وفكرة أقوى، وهذا ما يخلق ما أسمّيه بمادة الثّلّاجة؛ أي الماّة التّي يمكن أن أنشرها في أي وقت قد تكون السّاحة مفتقرة فيه إلى الأحداث الهامّة.

  • من هنا، هل هناك حدث مهمّ من منظور كاريكاتيري وآخر أقلّ أهمّيّة؟ أم أنّ التّناول الكاريكاتيري هو ما يصبغ الأهمّيّة على الحدث؟

الحدث الهامّ عمومًا يبقى حدثا هامًّا مهما كانت المعالجة. يمكن للمعالجة الكاريكاتيريّة إضافة جانب جماليّ مهمّ أو تمرير فكرة قويّة، ويبقى المهمّ في الأمر أنه كلّما كان الحدث لافتًا كلّما كان قبول الجمهور لتناول الفكرة مهيَّئًا أي أنّه كلّما كان الحدث كبيرًا كلّما كان الجمهور مهتمًّا بكلّ ما يُرسم فيه ويُعلَّق عليه. ومن هنا وجب على رسّام الكاريكاتير استغلال تلك الفرصة للفت الانتباه إليه. هذا يشبه كثيرًا الفرصة التّي ينالها المنتوج من خلال الدّعاية التّلفزيونيّة مثلًا. وتبقى نوعية المنتوج هي التّي تصنع الفارق.

  • هنا أجدني أسألك: لماذا تفرّغتَ لفيروس كورونا، منذ دخوله إلى المشهد الجزائريّ؟

هناك سببان رئيسيّان، جعلاني أتفرّغ للمعالجة والمساهمة في التّوعية ضدّ انتشار فيروس كورونا. الأوّل هو المرحلة التّي تمرّ بها البلاد والتّي أثّرت سلبًا في مساحة الحرّيّة التّي يمكن لرسّام الكاريكاتير أن يعبّر فيها، اتّسعت مساحة تدخّل مقصّ الرّقيب على حساب الرّيشة. والسّبب الثّاني متمثّل أساسًا في كون أسلوب التّحسيس والتّوعية في الكاريكاتير نوع فنّي أميل إليه شخصيًّا خاصّةً في ظروف وبائيّة عالميّة كهذه، فهي فرصة بالنّسبة لي لكي أساهم في التّوعية وفي لعب دور مهمّ تقوم به وسائل الإعلام في هذا الجانب. وكما ذكرت في الحملة التي قمت بها وجب إبراز الدّور الإيجابيّ للصّحفيّ، فهو بجانب الطّبيب مباشرةّ في نفس الخندق.

  • زاوجتَ بين التّناول السّياسيّ للوباء والتّناول الاجتماعيّ (نفسيات وذهنيات وسلوكات شعبيّة)، لكن ميلك وتركيزك على التّناول الثّاني كانا أبرز. لماذا؟

ركّزت على تناول الجانب الاجتماعيّ في معالجة الوباء بطريقتي الخاصّة لنوعية الجمهور المستهدف. فالرّسائل التّحسيسيّة هنا في معظمها تصبّ في محاربة سلوكيات وطبائع اجتماعيّة موروثة عند العامّة. لذلك كان ترتيب المتلقّي المستهدف هرميًّا. فرد فأسرة فمجتمع.

  • هل هذا ما جعلك لا تكتفي بنشر الرسم في الجريدة التّي تشتغل لصالحها، فوسّعتَ نطاق النّشر إلى مواقع التّواصل الاجتماعيّ؟

السبّب الذّي جعلني أوسّع مجال نشر الرّسومات من الجريدة إلى حساباتي على مواقع التّواصل الاجتماعي، هو أوّلًا لإعطاء بعض الحصرية وتفعيل صفحاتي الافتراضيّة، وثانيًا إعطاء بعض المصداقيّة للأعمال الفنّيّة بنشرها في صفحة شخصيّة لا في صفحة مؤسّسة إعلاميّة تدفع مقابلًا للفنّانين. هنا وجب التّذكير بأنّ الرّسومات الخاصّة بفيروس كورونا لم أنشرها في الجريدة التّي أشتغل لصالحها. وتركت حقّ إعادة النّشر لمن يهمّه الموضوع خدمةً لعنصر التّوعية.

  • هل حدث أن تلقّيتَ، في الواقع أو في المواقع، طلبًا من أحدهم برسم فكرة معيّنة؟ أنا هنا أسأل عن مدى تدخّل الجمهور في ما تقترحه؟

كثيرًا ما طلب منّي أصدقاء وزملاء وحتّى مسؤولون مباشرون تنفيذ أفكار معيّنة. ولأنّي أعلم أنّ تجسيدها يسيئ إلى صورتي ويتعارض مع قناعاتي، فأنا أرفض رفضًا قاطعًا رغم مكانة البعض عندي. أمّا الجمهور فيطلب أحيانًا طلبًا مباشرًا وحميميًّا يتعلّق به، ولا يسعني إلّا أن أكون صوته.

  • على ذكر تدخّل الجمهور. قال لي أحد متابعيك إنّك تتناول الظّواهر الذّكوريّة، وقلّما نجد النّساء محلّ رسوماتك. هل هذا انحياز منك إلى الجنس اللّطيف، فتتستّر عليه، أم أنّ المرأة في الجزائر أقلّ من الرّجل اقترافًا للأفعال المدانة؟ 

أنا لم أنتبه إلى هذه النّقطة. لكن مادامت قد أثيرت وقد تكون صحيحة، فأنا أعتقد أنّها ترجمة للواقع السّياسيّ والاجتماعيّ عندنا، لأنّي أحاول دائمًا أن أكون مرآة لهما.

باقي بوخالفة: أودّ كثيرًا أن أجمع رسوملتي في كتاب للمرّة الثّانية لتبقى تاريخًا وشاهدًا على هذه الفترة الخاصّة.

  • جمعت نخبة من رسوماتك في كتاب عام 2010. هل تنوي أن تنشر كتابًا آخر يوثّق لتفاعلك مع تجربة كورونا؟

أودّ كثيرًا أن أجمع رسوملتي في كتاب للمرّة الثّانية لتبقى تاريخًا وشاهدًا على هذه الفترة الخاصّة. ورغم أنّ المادّة المتوفّرة غير كافية لإصدار كتاب، فأنا متحمّس هذه المرّة أكثر من أيّ مرّة سابقة، لأنّ الفترة مميّزة والعمل مثير.