حوار | صبرينة قريشي: هزيمة الوطن حضاريًا هي هزيمة نكراء لفنّانيه

حوار | صبرينة قريشي: هزيمة الوطن حضاريًا هي هزيمة نكراء لفنّانيه

صبرينة قريشي (فيسبوك/الترا جزائر)

صبرينة قريشي، هي إحدى أعواد الثقاب التي أشعلت العرض المسرحي "طرشاقة" (2016)، للمخرج أحمد رزاق، وأطلقت العنان بعدها لموهبةٍ اكتشفها روّاد الفنّ الرابع، في عروض أخرى برزت من خلالها لنفس المخرج، وهي "كشرودة" (2017)، ومؤخرًا مسرحية "خاطيني".

صبرينة قريشي: لقد كانت "خوخة" شخصية شقية ومشاغبة، وهي في الواقع مِن أحبّ الأدوار التي جسّدتها إلى قلبي

صبرينة قريشي، أو المعروفة بدور"خوخة" في مسلسل "باب الدشرة"، تنفرد برؤاها الثورية الخاصّة، حيال الفنّ والتمثيل والوطن أيضًا، إذ ساعدها قلقها المزمن على الانحياز الدائم للإبداع، وللأدوار المنتقاة بعناية، وللحرّية خاصّة.

اقرأ/ي أيضًا: شباب جزائريون انتشلهم المسرح من الضياع

إنها تلك الأنثى التي لن تحاول إغراءك بمظهرها بتاتًا، فهي تُدرك جيّدًا أن هذا لا يجدي كثيرًا في الفنّ. إنها تلك الأخت والابنة والزوجة. القروية الطيّبة والعصبية، التي تسحرك بهيبتها على خشبة المسرح وخلف الكاميرا. كمثال عن الفنانة الحقيقية التي تضع كل ثقلها على اختيارها لأدوارها، وأدائها القويّ، البعيد جدًا عن الابتذال.

في حوار لـ "الترا جزائر"، تتحدّث الفنانة صبرينة قريشي، كما لم تفعل من قبل، عن جدوى الفنّ في زمن الثورة. عن تصوّرها للإبداع وعن دور الفنان في مجتمع اغتيلت فيه الثقافة لسنوات، فكيف ستنتصر على شعورها بالهزيمة الحضارية؟

  • بم ينفعنا الفن؟

بدا لي السؤال في بادئ الأمر مربكًا بحقّ، لأنّ الإجابة تحتمل عدّة تأويلات ووجهاتِ نظر، فلو اعتمدت نظرة فلسفية مثلًا، كنت لأقول إنّ منفعة الفن كفعلٍ تبتدعه الروح، ويخلقه الوعي ابتغاءً لعوالم من الجمال والحرّية، تنبع من حاجتنا إليه، ولربما يكون الفن في حدّ ذاته نافذة مشرعة يطلّ من خلالها الجنس البشري بحثًا عن الحقيقة المطلقة، وربّما هو بابٌ يأتي في رواق واحد، مع أبواب العلم والفلسفة والدين.

أمَّا تصوري الشخصيّ للفن؛ فيكمن في أنه وسيلة ترميم للروح والشخصية على حدٍّ سواء، لقد أنقذ الفن ذاتي من الانهيار ومن الانصهار في قبح هذا المجتمع، إنّه عالمٌ غيبي لا مرئي، وجدت نفسي سابحة في غياهبه السحيقة، فغنمت الراحة والجمال وعرفت الحقيقة، في واقعٍ يقتلنا كبشرٍ. واقعٌ أقلّ وضوحًا، لا طمأنينة فيه. فقيرٌ من جماليات الفنّ الذي يهذّب النفوس التائهة، حيث تجلس العاطفة إلى جوار العقل في هدنة جميلة، لقد قيل إنّ "الفنّ هو الطريق الوحيد لمقاومة الموت"، في الأخير كان هذا السلام هو غنيمتي من الفن.

لكنّني في الواقع، أميل أكثر إلى الحديث عن منفعة الفنّ للمواطن البسيط الذي تنهكه لقمة عيشه. هذا أمر يُرهقني كلّما فكّرت به، حيث أن فكرة إقناع هذا المواطن بجدوى الفنّ مرعبة فعلًا.

لو سألني أحدُ هؤلاء؛ كنت لأقول له إن الفنّ عمومًا والفنانين بشكلٍ خاصٍ، لا يفعلون شيئًا سوى نقل الحقيقة إلى المواطن، إلى هذه الفئة المهمّة جدًا في النسيج المجتمعي، بل هي ركيزته.

إنّ الفن في حقيقة الأمر هو رسالة صادقة إلى هؤلاء، والفنّان لا يغنم شيئًا سوى رضاهم. هو فقط يريد أن يكون رسول الواقع. إنه لا يشبه ولو قليلًا تجّار السياسة والدين، هو يقول الحقيقة ويمضي، ثم يدفع ثمنها غاليًا على الصعيد النفسي والمجتمعي.

على المواطن البسيط الذي أنا منه وهو منّي، أن يدوس خوفه من الفنان، فليس هناك أشرارٌ حيثما يقبع الفن، والبحث عن الحقيقة بالنسبة للفنّان الحقيقي أهمّ من البحث عن خبزته، لأنّه حين يدركها، سيبلغ حقوقه الأخرى تدريجيًا.

  • يقال إن "القلق وِسادة الفن"، هل ساعدكِ قلقك الفنيِّ والمعرفيِّ على اكتشاف ذاتك في التمثيل أو على استيعاب القضايا المجتمعية الراهنة؟

في الحقيقة، لقد كان هذا القلق دائمًا بمثابة تلك الشعلة التي لا تخبو في صدري، وقد ساعدني كثيرًا على اكتشاف ذاتي من خلال التمثيل، قلقي هذا منحني فرصة تقديم ما أصنفه في خانة الفنّ المحترم، والمبنيُّ بالضرورة على أسس جمالية ومعرفية. أستطيع الجزم بأن هذا القلق قد أنقذني من الوقوع في الابتذال.

أنا أُدين بهذا الكمّ البسيط من الوعي الذي أحتفظ به في قراراتي لمدرسة المسرح، فالركح هو الذي أعاد بناء ذاتي المحطّمة، وأدخلني عوالم كنت أجهلها ولا ألِجها، وعرّفني على حقائق كنت أرتعب منها وأهاب الخوض فيها.

  • صرحتِ منذ أيام بأن شعورك، بصفتك مواطنة جزائرية، قبل تاريخ الثاني والعشرين من فيفري، كان الهزيمة الحضارية. كيف يمكن للفنان أن يُهزم حضاريًا؟

أظنّ أن هزيمة الوطن حضاريًا، هي أيضًا هزيمة نكراء لفنّانيه ومثقفيه ومفكريه. هم أوّل من يعانون من تداعيات هذه الهزيمة، وهم أوّل من سيصطدم بنتائجها الكارثية في تعاملاتهم مع المجتمع، سيصبحون حبيسي واقعٍ أليمٍ جدًا، حيث يستحيل عليهم الإبداع والعطاء.

يشعر الفنان غالبًا، بالمهانة والعار بانتمائه إلى أمّة محبوسة فيما يسمّى بالعالم الثالث، أو ما أطلقُ عليه شخصيا تسميةَ "عالم ما تحت الصفر"، حيث تُطبِق الهزيمة الحضارية بكلّ أريحية على أنفاس الناس.

من هنا، تفجّر حراك الثاني والعشرين من فيفري المبارك، حيث اعتبرتهُ شخصيًا قبسًا من أمل، ودليلًا على صحوةٍ من سبات هذه الهزيمة، لحظاتٍ فقط قبل حلول الخراب بهذا البلد.

صبرينة قريشي: أجزم أن الحياة تزرع في النفوس كلّ أنواع البذور، نحن فقط من نختار ما يمكن سقايته والعناية به ليكبر فينا

قلتُ بأنني كنت أشعر بالهزيمة الحضارية قبل هذا التاريخ، لأنّني أؤمن في قرارتي، بأنه من حقّ العقل الجزائري أن يطرح وجهة نظره للعالم، من حقّ هذا العقل أن يكسر قيوده لينتج ثقافة وفكرًا، أن يمتلك القدرة على التعامل مع الحداثة والمعرفة، وأن يكون قويًا بما فيه الكفاية، ليخلق جسدًا جديدًا لهذا النظام الحالي الذي يتّسم بالحقارة والوحشية.

إذن، على العقل الجزائري أن يبتكر طريقةً للإفلات من هذه الوحشية. أعتقد جازمة أن فرضية فشل الحراك آنذاك، واستمرار حالة التيهان المجتمعي تلك، كان ليكون كارثةً، وكنا سننقرض لا محالة بعد خرابنا. تمامًا مثلما انقرضت الديناصورات قبل آلاف السنين.

  • هل يمكن للفنان التعايش مع خرابه الداخلي عبر الإبداع في دور تمثيلي؟

في الواقع، إن تقمّصي لأية شخصية مرّت بي خلال مشوار عشر سنوات من التمثيل، وخاصّة الشخصيات التي لعبتها على ركح المسرح، لم تجعلني فقط متعايشة مع خرابي الداخلي، بل إنها صالحتني معه، وكشفت لي النقاب عن خباياه الجميلة التي ساعدتني على الإبداع فوق الخشبة، هذا التصالح منحني نوعًا من السلام، أنا بحقّ أقع في كل مرّة في هوى هذا الخراب الذي صنع صبرينة قريشي.

  • ما هي المكاسب التي منحك إياها الحراك الشعبي فنانة وإنسانة عمومًا؟

لقد منحني هذا الحراك الشعبي أملًا كبيرًا، وشرّع لي بابًا على حلمٍ أوشك أن يغدُو واقعًا جميلًا. إنه بمثابة هديّةٍ ربّانية أؤمن بجدوى استمرارها. هذا الحراك هو ذلك القنديل الذي لا يجب أن يخبو ولا أن ينكسر أبدًا، فهو ما يهتدي به الشعب نحو الحرّية من قيود هذا النظام الفاشل، وهو سبيله الوحيد للنجاة.

  • كانت أدوارك في مسرحيات "طرشاقة" و"كشرودة" ومؤخرًا "خاطيني" للمخرج أحمد رزاق، نوعًا من محاولات التعافي والمصالحة مع ركح المسرح، باعتبارها مسرحيات تميل إلى تعرية المجتمع والنظام.. هل تميلين إلى هذه التأويل؟

في الحقيقة، لقد ذكرني هذا السؤال بنقاشٍ مسرحيٍّ، كنتُ قد شاركت فيه بعد أحد العروض المسرحية، التي قمت فيها بأوّل دورٍ احترافي في حياتي، حيث طُرِحَ سؤالٌ عن جدوى ممارستنا للفن المسرحيّ، وأذكر أنني أجبت بكل حماس، حيث عدَّدتُ أسبابًا كثيرة من بينها إيصال رسائل نبيلة للمتلقّي.. نشر الوعي بين الناس، أن نهمس في أذن المشاهد بالحقيقة، وأن ندافع عن قضايانا المجتمعية والسياسية عن طريق الفن.

لكن أحد الممثلين الكبار، الذي كان يحضر النقاش فاجأني بإجابة مختلفة تمامًا، غيّرت منظوري للأمور، فقد قال: "نحن كممثلين مسرحيين، لسنا مضطرّين لتقديم دروس في الوعي للشعب، نحن نمارس هذا الفن لنستمتع فوق الخشبة". أظن أن المتعة هي وقود الفنان.

  • يقول الممثل مارلون براندون إن "المسرح الذي يُضحَك فيه، مسرحٌ يُضحَك عليه"، هل الكوميديا على ركح المسرح حاليًا هي محاولات إضحاك وسخرية أم أنها فعلٌ سياسي ونضالي؟

في الواقع، لا يمكنني بأيّ شكل من الأشكال إصدار حكم على ما يقدّمه المسرح الجزائري حاليًا بصفتي ممثلة. صحيحٌ أن هناك أعمالًا عديدة أبهرتني وأثارت إعجابي، وأعتز جدًا بالمشاركين فيها من زملاء، وهناك أعمالٌ أخرى لا تستهويني ولم أحبّها، لكنني لست في موقع يخوّل لي إصدار الأحكام، فأنا أنتمي إلى هؤلاء، ومساري الفنّي لا يتجاوز عشر سنوات.

لكنني عمومًا، أؤمن جدًا بأن الفنّ المسرحي هو عملٌ نضاليٌّ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ حدّ النخاع، وكما قال بول غوغان: "الفن إمّا أن يكون ادعاءً أو ثورة".

  • ما الذي منحك إياه التمثيل التلفزيوني باعتبارك ابنة للمسرح من خلال "باب الدشرة" مثلًا؟

لقد أعطاني التمثيل التلفزيوني فرصًا ذهبية، من خلال التعرّف على جمهور أوسع بعيدًا عن جمهور المسرح، وفئة جديدة ومختلفة من المشاهدين، كما أنّني حظيت بعلاقات طيّبة وجميلة في هذا الوسط. علاقات غنمت منها محبّة عالية وغير مشروطة، وهذا ما أعتبره هديّة إلهية.

  • هل حاصرتكِ شخصية "خوخة" طويلَا؟

لقد كانت "خوخة" شخصية شقية ومشاغبة، وهي في الواقع مِن أحبّ الأدوار التي جسّدتها إلى قلبي، ربّما يعود ذلك إلى أنني استلهمت صفاتها من عدة نسوة في حياتي، كجدّتي وعمّاتي.. نساء العائلة والدوّار عمومًا.

تحمل "خوخة" من كل امرأة منهن صفة، هذا المزيج الجميل جعلها شخصية عالقة بأذهان كثيرين. لقد حاصرتني "خوخة" كثيرًا، شخصية لطالما حاولَت الخروج منّي، عند كل دورٍ جديدٍ عقبها أمام الكاميرا، أو على خشبة المسرح. أعترف أنه من الصعب التخلص من هذه الشخصية. أنا ما زلت أقمع "خوخة" وأحجبها لأستطيع ممارسة أدوارٍ أخرى.

هل تعتقدين أن المساحة الذاتية في التمثيل قد تسلب من الفنان قدرته على تقمّص نقيضه من الشخصيات؟

شخصيًا، أعتقد أن الممثّل الحقيقي الذي يمتلك القدرة على الاشتغال الدائم على ذاته بصفة مستمرّة، يُمكنه الانتقال بسهولة نحو الشخصية النقيضة، فالنفس البشرية تستطيع اكتساب كل أنواع الصفات، حسنها وسيئها، إضافة إلى جملة من العواطف والعقد التي لا تُحصى، لكنها تتفاوت نسبيًا بين شخص وآخر، وما على الممثل هنا، سوى استحضار الصفة التي يمكنه تركيب الشخصية النقيضة المبتغاة من خلالها، وأن يبحث عنها جيّدًا في دواخله.

أجزم أن الحياة تزرع في النفوس كلّ أنواع البذور، نحن فقط من نختار ما يمكن سقايته والعناية به ليكبر فينا. في خضم كل هذا، يمرّ الفنان بعملٍ نفسيٍّ وذهنيٍّ كبير، ليبقى الاجتهاد هو الوسيلة الأمثل لبلوغ روح تلك الشخصيات وإتقانها.

  • هل تطمحين إلى ولوج العوالم الدرامية مستقبلًا؟

لا ريب في أن لي من الطموحات والأحلام الكثير لأحقّقه، كأن أنال فرصًا أفضل وأرحب. شخصيات تتّسم بالعمق والجديّة لكي أخوض تجارب تمثيلية أتمناها مختلفة، مسرحيًا وتلفزيونيًا وسينمائيًا أيضًا، تلك الفرص التي قد تصنع مني الإنسانة والفنانة التي ما زلت أبحث عنها في داخلي.

أريد فرصًا هادفة ومحترمة وذات وزن فكري، لتساهم ولو قليلًا في إثراء الذوق الفنّي، وأن ترسم الابتسامة على محيّا المشاهد، وتثير في قرارته الكثير من الأسئلة بحثًا عن الحقيقة.

  • ما الذي يمكننا اكتشافه من خلال شخصيتك الجديدة في مسرحية خاطيني؟

ستعري هذه المسرحية الكثير من الفظائع، سنكتشف من خلال "خاطيني" قبح "مجتمع العجائز"، أولئك الشيوخ الضالون الظالمون، القابضون على أعناق الشباب، ليجرّوهم معهم بكل تلك الأحلام والأماني نحو القبور.

مسرحية "خاطيني" هي توثيق لما كان يحدث في الجزائر، من صراعات بين الأجيال الجديدة والجيل العجوز الحاكم

تتحدّث المسرحية عن مجموعة من العجائز، يحتكرون السلطة والمال والحياة، ويحرمون الشباب من العيش والحلم. شخصيًا، ألعب فيها دورًا مقرفًا وحقيرًا بمعنى الكلمة. إن مسرحية "خاطيني" هي توثيق لما كان يحدث في الجزائر، من صراعات بين الأجيال الجديدة والجيل العجوز الحاكم، في فترة الحراك الشعبي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المثقفون والفنانون الشباب.. روافد الحراك الشعبي في الجزائر

جدل في الثقافة.. وزارة للمسرح وأخرى للشعر؟