عودة الهجرة السرّية.. أزمة اجتماعية أم سياسية؟

عودة الهجرة السرّية.. أزمة اجتماعية أم سياسية؟

تزايدت معدلات الهجرة السرية إلى أوروبا رغم معاناتها مع انتشار وباء كورونا (الصورة: أوبنيون)

ارتفع عدد حالات الهجرة غير الشرعية في الجزائر، وزادت حدتها خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يؤشّر لحالة من اليأس والبؤس الاجتماعي في الجزائر أصابت الشباب بالدرجة الأولى والعائلات بالدرجة الثانية، في المقابل لم تتمكّن الدعوات الحماسية وكلّ الوعود المفتوحة ورشاتها منذ أشهر، من تغيير الحقيقة وواقع الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

حرس السواحل الجزائرية أنقذت 1240 مهاجرًا سرّيًا خلال شهر سبتمبر الجاري

الأرقام الرسمية

تكشف الأرقام الرسمية في البلاد، أنه منذ الـ 14 سبتمبر/أيلول الجاري، تمكّنت وحدات حرس السواحل الجزائرية من إنقاذ 1240 مهاجرًا سرّيًا كانوا على متن قوارب الهجرة في عرض البحر، وتم انتشال عدد من جثث المهاجرين الذين هلكوا خلال محاولتهم العبور إلى الضفّة الأخرى.

اقرأ/ي أيضًا: رغم وعود الرئيس.. "الحراقة" يواصلون شقّ البحر نحو أوروبا

ويفيد بيان وزارة الدفاع الجزائرية، أن زوارق البحرية وحرس السواحل اعترضت وأنقذت 755 مهاجرًا حاولوا الإبحار بطريقة سرّية، في الفترة الممتدة بين 20 إلى 25 سبتمبر/أيلول الجاري، بينهم، 340 مهاجرًا سرّيًا تم توقيفهم في الواجهة البحرية الوسطى، و343 مهاجرًا سرّيًا بالواجهة البحرية الغربية، وإنقاذ 72 آخرين في السواحل الشرقية.

 ذلك كانت وحدات البحرية وحرس السواحل، قد اعترضت ما مجموعه 485 مهاجرًا، كانوا على متن قوارب الهجرة في الفترة بين الـ 14 إلى الـ 19 أيلول/سبتمبر الجاري، وانتشلت جثث عشرة مهاجرين انقلب قاربهم في منطقة مستغانم، غرب البلاد.

في قراءة للأرقام، تشير المعطيات الأولية إلى عودة كبيرة لظاهرة الهجرة السرّية، مقارنة بتراجعها إلى أدنى مستوياتها العام الماضي، بعد اندلاع مظاهرات الحراك الشعبي في الـ 22 فيفري/ شباط 2019، وبروز طموحات كبيرة لإحداث تغيير سياسي يسهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير مناصب شغل للشباب والقضاء على البطالة وتحسين خدمات الصحة والتعليم وتوزيع الثّروة والقضاء على الفساد وغيرها.

مؤشّر خطير والأزمة أعمق

ويبدو رقم 1240 مهاجرًا في غضون أقل من أسبوعين كبير جدًا ومؤشّر خطير في الآن نفسه، بالمقارنة مع الإحصائيات الرسمية لعدد المهاجرين الذين تم توقيفهم خلال السنوات التي كانت تشهد أكبر إحباط سياسي واجتماعي، إذ بلغ عددهم خلال طول عام 2010  في حدود 1170 مهاجر سري، بينما الحصيلة الرسمية التي أعلنتها السلطات عام 2011 بلغت  980 مهاجرًا سرّيًا، و شهد عام 2012 أدنى مستويات الهجرة السرية، حيث سجل توقيف من 500 مهاجر سري، قبل أن يعاود الارتفاع الى 1500 شخص، تم توقيفهم كانوا يحاولون الهجرة السرية انطلاقًا من الجزائر خلال سنة 2015 .

لا يتورّع البعض من ركوب القوارب نحو الضفة الأخرى، إذ تعكس المغامرة التي لا نهاية لها لدى البعض مدى أملهم في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يؤكد أن كثيرًا الشباب يطمحون لأن يكسبوا بعض الاحترام "خصوصًا بالنسبة لأصحاب الشهادات العليا"، يقول سمير حمودي من منطقة العوانة بولاية جيجل، وهو متخرّج من جامعة العلوم والتكنولوجيا بقسنطينة قبل أربع سنوات، ظلّ عاطلًا عن العمل، غير أنه يؤكد لـ "الترا جزائر" أنه "دون أفق ودون أمل خصوصًا وأن الأمور زادت سوءًا رغم محاولاته الحثيثة للحصول على عمل"، كما قال.

المهندس حمودي، لديه ثلاثة مشاريع قيد الإنجاز في مجال تخصّصه الثاني الهندسة الميكانيكية، غير أنه يتطلع لأن ينجز وأن يشتغل، وأن يسدّ حاجيات بيت العائلة، حيث يذكر تقدم بعشرات الملفات إلى المؤسّسات والإدارات طلبًا للتوظيف، وبمختلف الصيغ المؤهلة من طرف الدولة لتشغيل الشباب، غير أن الأبواب كلها سُدّت في وجهه، حسب تعبيره.

تتشابه القصص، وتتشابه الأسباب، لدى الشباب وكل من تسوّل له نفسه بالهجرة عبر البحر ودون وجهة محدّدة، غير أن المغامرة الجماعية لأسرة كاملة غير محمودة العواقب، وفكرة لا يستحسنها البعض، بينما يعترف كثيرون أن الهجرة السرّية صارت اليوم عبارة عن انتقام من الأسر الصغيرة، التي كانت تحلم بسكن وطال انتظاره، ومن أسر باتت تتقشّف لكراء غرفة بأزيد من 20 ألف دينار جزائري للشهر، ومن أفراد سئموا المشاكل اليومية.

موت في عرض البحر

في مدينة عنابة، حاول سليم ذو الـ 27 سنة الهجرة سرًا في اتجاه السواحل الإيطالية، غير أن محاولاته باءت بالفشل وتم القبض عليه، ومرّت عليه أشهر "سوداء" كما يقول لـ "الترا جزائر"، معترفًا أنه سبق له أن قام بالعملية ثلاث مرّات ولكنها باءت بالفشل.

قصّة هذا الشاب وغيره من الشباب الذين تمسكوا بمقولة مشهورة في الجزائر: "ياكلني الحوت البحر ولا ياكلني الدّود"، يفسّرها مختصّون في علم الاجتماع أن الهجرة السرّية يمرّ صاحبها بمرحلتين: الأولى مرحلة القرار أما الثانية والأخيرة هي مرحلة الوصول إلى الضفّة الأخرى، وتتخلّلها عدّة محطات كما تقول المختصّة في علم النفس الاجتماعي وهيبة بن الساسي لـ "الترا جزائر"، أولاها "الصورة التي يحملها المهاجرعن الضفّة من بلاده، هناك يتخيّل أنه سيعيش بكرامته وأفضل من هنا"، أما المحطة الثانية، فهي البحث عن طريقة الفرار أو التخلّي عن الواقع المعيش من أجل "الحرقة"، وهنا تكون المحطة الأصعب لأن الشاب يقوم بجمع المال من أجل دفعه لمالك القارب، فيبدأ في رحلة العمل اليومي لتدبير المبلغ المالي، وبعدها محطة أخرى وهي البحث عن المجموعة التي تكون السّند النفسي في الرحلة المجهولة.

يتحدّث كثيرون في تصريحات متفرقة لـ "الترا جزائر"، عن وسائل النقل التي هاجروا بها، إما قوارب خشبية أو زوارق مطاطية، وأغلبهم يقوم باقتناء ألبسة تمكِّنهم من الاحتماء من أي طارئ مع إخفاء المال والأوراق بإحكام حتى لا يتسرّب إليها الماء، غير أن قوارب كثيرة  حادت عن وجهتها وانتهت في عرض البحر، إما بسبب عطر في المحرك أو بسبب نفاد البنزين، منها خاصة تلك التي تحمل عدد المغامرين في رحلة سرّية، وفي أحيين كثيرة تنقلب القوارب بحمولتها بسبب الطقس السيئ.

بعض المتابعين، يربط تزايد نشاط الهجرة السرّية بالظروف السياسية في البلاد، وتراجع أمل التغيير المنشود الذي يتشدّق به المسؤولون، والبعض يربطها بحالة عامة من الإحباط التي تعتري الجزائريين من فئة الشباب، فيما ذهب البعض أخرون، إلى تعداد أسباب اجتماعية بحتة خصوصًا بالنسبة لأولئك المتخرّجين الجدد من الجامعات، وسدت في أوجههم سبل الأمل والعمل.

اجتماعيًا، يبدو أن الجزائر تشهد  عملية تجدد للأزمات الاجتماعية في الآونة الأخيرة، ، خصوصًا مع أزمة" كورونا" التي قضت على آلاف مناصب الشغل وقطعت أرزاق الآلاف أيضًا، بسبب غلق المؤسسات التي تتباع اليوم أصحابها قضائيًا، إذ لا تبشر هذه القضايا بالخير بالنسبة للعمّال، وهذا وحده كفيل بأن يفتح مشاكل وأزمات أخرى خصوصًا وأن الاكتئاب والخوف من المستقبل، بات أحد الأمراض المستعصية التي تصيب الجزائريين، كما يقول المختصّ في علم النفس محمد كريم بورعدة في حديث إلى "الترا جزائر"، لافتًا إلى أن الهجرة السرّية هي الحلّ لمن ضاقت به يوميات العيش، بل ويمكن وصفها بـ "الانتحار الثاني" ، كما ردد، باعتبارها لا تأت بخير.

يضيف المتحدّث في هذا السياق، أن كثيرين وصلوا إلى أوروبا، لكن الظروف تغيرت وباتت أوروبا تقذف بهم في السجون أو تعيدهم إلى بلدانهم الأصلية، وبالتالي فهي "رحلة غير محمودة العواقب، ولا تقبل القسمة على احتمالات أخرى؛ إما الموت في البحر أو العودة إلى النقطة صفر".

الهامش والمركز

عودة ظاهرة "الحرقة" خلّفت حالة من القلق في البلاد، بعد خفوت شهدتها خلال الثلاثي الأخير من السنة الماضية وبداية السنة الجارية، فالأرقام وحدها من تتحدّث اليوم عن الهجرة السرّية، وفي مقابل ذلك، لا يمكن أن نغفل أن وجود ضغط كبير في الشارع وتراجع فضاء الحرّيات، الذي بإمكانه أن يكون أحد العوامل المؤدّية لفكرة الهجرة السرّية، وأحد الأسباب اليت تدفع بالشباب إلى تجربة تشبه الانتحار غرقًا، إذ قال الناشط الحقوقي من ولاية باتنة، نور الدين بن عايشة لـ "الترا جزائر"، إنه لا يمكن أن "خيوط الأمل كانت متينة العام الماضي، هناك حناجر بحَّت في الشوارع، وطالبت بالتغيير وتريد أن ترى النور في البلد، غير أن هناك انتكاسة كبيرة، في الشارع اليوم، خصوصًا وأننا مقبلون على معالم تغيير غامضة، فيما تعلق أساسًا بفتح مناصب الشغل، ولا ننسى أن هناك "الآلاف من الحاصلين على الشهادات العليا".

يعرّج الناشط الحقوقي إلى فكرة أنه سبب واحد لتراجع الظاهرة، فهناك قهرٌ اجتماعي كبير، خصوصًا إن تحدثنا عن قمع حرية التعبير والظلم الاجتماعي في الداخل الجزائري، وفي "نقاط الظل" التي باتت نقاط سوداء تدفع بالكثيرين على البحث عن فضاءات أفضل.

إيجاد حلول مؤقّتة لن يفكك الأزمة خصوصًا إذا تعلّق بإيجاد فرص العمل للبطّالين

ليست الحلول بالسهلة لتطويق الهجرة السرية، خصوصًا وأن بعث الأمل بعد يأس كبير يحتاج إلى استراتيجية، وإيجاد حلول مؤقّتة لن يفكك الأزمة خصوصًا إذا تعلّق بإيجاد فرص العمل للبطّالين، واسترجاع الثقة المفقودة في تحسن الأوضاع الاجتماعية، لأن كثيرين يُقبلون على الرحلة نحو المجهول من أجل حياة كريمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رحلات "الحراڨة" الجزائريين نحو أوروبا ... استراحة إجبارية بسبب كورونا

ترجمة | الهجرة السرّية إلى الجزائر.. أكبر مما تستقبله أوروبًا يوميًا