09-يونيو-2019

من الحراك الشعبي في الجزائر (أ.ف.ب)

يحضر السّودان في المخيال الشّعبيّ الجزائريّ، خاصّةً في الجنوب الصّحراويّ، بصفته ذلك الإقليم البعيد والقريب في الوقت نفسه. حيث يطلع، عبر تمبغتو، محمّلًا بالبخور والموسيقى والخرافة والرّوح المتصوّفة، التّي تأخذ من الجزائر الطّريقة التّجانيّة مثلًا وتمنحها. من هنا، فالسّوداني حاضر في المخيال الشّعبيّ الجزائريّ بصفته رمزًا للخير والبركة.

عاد الأنصار الجزائريّون من السودان مدجّجين بذكريات كثيرة عن كرم السّودانيين ومحبّتهم للجزائريين وكثرة نقاط التّشابه في النّفسيات والذّهنيات

غير أنّ هذا المخيال اضمحلّ في العقود الأخيرة، في ظلّ القطائع الموضوعيّة المختلفة، حتّى انتعش دفعة واحدة، بفعل احتضان مدينة أم درمان السّودانيّة للمقابلة المصيريّة بين الفريقين المصريّ والجزائريّ، يوم 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، في إطار تصفيات مونديال عام 2010 في جنوب أفريقيا. وتأهّل فيها الفريق الجزائريّ بهدف مقابل لا شيء.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام الجزائري.. ساحة ملغمة في وضع حرج

كان جمال مبارك حينها يعمل على تمرير خطاب التّوريث في مصر، وكان بحاجة إلى شمّاعة سحرية تجعل خطابه مقبولًا في الأوساط الشّعبيّة المصريّة، فبيّت مؤامرة مفادها أنّ الأنصار الجزائريّين اعتدوا على الفريق المصريّ ونخبة الفنّانين والإعلاميّين التّي رافقته. ولم يتأخّر بعضهم عن تأكيد الأمر، والانخراط في شنّ حملة إعلاميّة مسيئة للجزائر شعبًا وتاريخًا وثورةً وكيانًا.

غير أنّ السّودانيّين انحازوا للجزائريين وناصروا فريقهم ليلة المقابلة واستقبلوهم في بيوتهم، ذلك أنّ الجزائر فتحت جسرًا جوّيًّا مجّانيًّا مع الخرطوم مكّن آلاف الشّباب من حضور المقابلة.

عاد الأنصار الجزائريّون مدجّجين بذكريات كثيرة عن كرم السّودانيين ومحبّتهم للجزائريين وكثرة نقاط التّشابه في النّفسيات والذّهنيات وردود الأفعال، فبات السّودانيّ مقدّسًا في الشّارع الجزائريّ إلى غاية اليوم.

بعد انطلاق الحراك السّودانيّ نهاية العام الماضي، تفاعل معه قطاع واسع من الشّباب الجزائريّين من خلال موقع التّواصل الاجتماعيّ فيسبوك. وبادلهم شباب سودانيّون التفاعل نفسه بعد انطلاق الحراك الجزائريّ يوم 22 شباط/فبراير الفائت، من خلال رفع العلم الجزائريّ، ثمّ تأكّد التّعاطف الجزائريّ مع الحراك السّودانيّ، بصورة أقوى وأوضح، بعد مجزرة فكّ الاعتصام، التّي اقترفها المجلس العسكريّ الانتقاليّ في الخرطوم، يوم الثّالث من حزيران/يونيو الجاري.

استطلع "الترا جزائر" آراء نخبة من المثقّفين الجزائريّين الشّباب، حول ما يحدث في السّودان. وفي نقاط التّشابه بين الحراكين. وفي الرّسائل التي يبعثونها للنّخب السّودانيّة، فكان ما يلي:

تعنّت العسكر

يقول الأكاديمي نصر الدّين باكرية إنّ الحديث عن تجارب الشّعوب وسياقاتها التّاريخية أمر في غاية التّعقيد، رغم ما يبدو عليه الظاّهر من تشابه سطحي، "لأنّ ما يحدث الآن في الجزائر أو في السّودان أو في باقي العالم العربيّ ما هو إلّا نتائج لأسباب وعلل مختلفة. وإذا عدنا إلى جذورها المتشابهة، فسنجدها انطلقت جميعها من الثّورة ضدّ الظّلم وغياب العدل، في توزيع الثّروات وإهدار كرامة الإنسان وإنسانيته".

 وبمقارنة التّجربة الجزائريّة والتّجربة السّودانيّة، يقول باكرية، نجد حضور العسكر هو الحلقة الأكثر بروزًا في التجربتين. فتاريخ السّودان هو تاريخ المؤسّسة العسكريّة، رغم السّجلّ الإسلامي، الذّي حكم به البشير وعسكره. وأخشى أن يكون السّجل الباديسي والنّوفمبري هو مشروع العقيدة العسكريّة الجديدة لعسكر الجزائر الذّين حكموا البلاد، منذ حادثة جيش الحدود مطلع ستّينات القرن العشرين.

غير أنّ محدّث "الترا جزائر" يعتقد أنّ ثمّة اختلافًا بين المؤسّستين العسكريّتين في البلدين، لاختلاف التّكوين والسّياقات السّياسيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة. "وهذا الاختلاف هو ما يحدّد على الأرجح مآلات الحراك في البلدين؛ فالجيش الجزائري، بسبب ميزانيته الكبيرة، أكثر استقلالية في قراره وأقلّ تبعيّة للإملاءات الخارجية، باستثناء التّوازنات الدّولية خاصّة الاقتصاديّة منها، كما أنّه أكثر تنظيمًا وانسجامًا في تركيبته وتكوينه وعقيدته، خلافًا للجيش السّودانيّ، الذّي يتشكّل في جزء كبير منه من ميليشيات".

وهذه المعطيات المتعلّقة بطبيعة السّلطتين الفعليتين، يختم باكرية، هي ما تصنع فارقًا في مآلات الحراكين، الذين يتشابهان في سلميتهما وكثافة حضور المرأة فيهما، ونجاتهما من التّعبئة الدّينية، بسبب إشراك الإسلاميين في الحكم في الجزائر بما أفقدهم القدرة على التّعبئة والتّجييش، وتعرّي تجّار الدّين في السّودان بتعري المشروع الإسلامي، الذّي حكم السّودان ثلاثة عقود.

تنوّع ثقافي

يقول الممثّل والكاتب المسرحيّ فتحي كافي إنّ السّودان بلد ضارب في عمق التّاريخ. وإنّ الإنسان السّودانيّ كان دائمًا من صنّاع الفعل الحضاريّ ذي الأبعاد العربيّة والإسلاميّة والأفريقيّة المتصوّفة. و"كلّ هذا الثّراء والتّنوّع يؤهل الإنسان السّودانيّ لأن يُحكم بنظام مدنيّ ينسجم مع جذوره وتطلّعاته الحضارية".

وينصح كافي قوى الحراك السّودانيّ بالاستمرار في الاستثمار في التنوّعات المختلفة للنّسيج السّودانيّ، حتّى تشكّل بديلًا للنّمطيّة، التّي كرّستها العقود الثّلاثة الأخيرة، "فما ضاع جنوب السّودان إلّا بسببها".

 ويبدي محدّث "الترا جزائر" ثقته في مقدرة النّخب السّودانية على الأخذ بزمام الأمور، "وإعادة تشكيل مشهد سياسيّ يبلور تصوّرات ومشاريع مجتمع حداثيّة كفيلة بأن تحوّل هذا العملاق المكبّل إلى معادلة إقليمية مهمّة، وإلى امتداد لنا كعرب أفارقة نجعل من البعد الصّوفي، الذّي يمتد إلينا في شمال إفريقيا محفّزًا لصياغة خطاب إنسانيّ يكسر الصّورة النّمطية عن المكان والإنسان في السّودان".

"يتنحّاو قاع" و"تسقط بس"

يقول الرّوائي سيف الدّين بنّعجة إنّه ربط بداية حراك السّودان ببدايات الثّورات العربيّة التي سبقته بسنوات قليلة، "فاعتقدت أنّه سيكون شبيهًا لها في المصير المظلم. لكن بعد حراك الجزائر، حيث صار الأمر أكثر قربًا معنًى و إحساسًا ربطت شعار "تتنحّاو ڨاع" الجزائريّ بشعار "تسقط بس" السّودانيّ وواجهت هذا السّؤال: "كيف أصبح المواطن السّودانيّ بتلك القوّة والصّلابة والفكر المنحاز للتحرّر؟ لقد كان حراك السّودان داعيًا للتّأمّل واكتساب القوّة والحكمة في ساحات حراكنا الجزائريّ".

يضيف صاحب رواية "الأحلام تبنى في ينّاير": "كنت في كلّ مرة أردّد فيها شعار "تتنحّاو ڨاع" أشعر بأن هناك من يشاركني الألم والقوّة بصموده  في ساحات يعلوها شعار "تسقط بس". ويشير إلى تشابه المصطلحات السياسيّة الدّاخلة في قاموس الحراكين، بناءً على تشابه الأحداث من قبيل "الحلّ السّياسيّ" و"الحلّ الدستوري"ّ و"بقايا النّظام السّابق" و"ندوة الحوار" و"الدّولة العميقة".

الاهتمام بسلاح الصّورة

من جهته يلفت المصوّر عماد طيايبة انتباه النّشطاء السّودانيين إلى أهمّية الصّورة لعبت دورًا مهمًّا في وصول أصواتهم ومطالبهم إلى الرّأي العام الدّوليّ، "غير أنّ حضور المصوّرين الأجانب، رغم قلّتهم والحصار المفروض عليهم، كان أقوى من حضور المصوّرين السّودانيين، رغم كثرتهم وكونهم أبناء الدّاخل". يسأل: هل انخراط النّاشط السّوداني في لحظة الحراك وجدانيًّا، إذ يعرف عن السّوداني صدقه في الأفعال التّي ينخرط فيها هو ما جعله يغفل عن الصّورة بصفتها سلاحًا؟

من هنا ينصح طيايبة السّودانيين بتجاوز هذا الواقع، "خاصّةً بعد انقلاب المجلس العسكري الانتقاليّ على مطالب الحراك، وغلقه للمنابر الإعلاميّة المهمّة".

تتشابه المصطلحات السياسيّة الدّاخلة في قاموس الحراك الجزائري والسوداني، بناءً على تشابه الأحداث في البلدين

ثمّة جملة في رواية "موسم الهجرة إلى الشّمال" للطيّب صالح، الذّي عرف قطاع واسع من النّخبة الأدبيّة الجزائريّة السّودان المعاصر من خلال نصوصه، تقول: "اشتعلت شعلة من الضّوء لا أحسب تلك البقعة رأت مثلها من قبل"، فكأنّها تعني ساحات الحراكين في السّودان والجزائر. فهل يبقى هذا الضّوء صامدًا أمام مخطّطات الإجهاض والظّلام؟ 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أثر الحراك على التلفاز.. البرامج السياسية تتفوق على الدراما في رمضان

الدارجة الجزائرية.. الحراك الشعبي في 20 ثانية