هل أصبحت الحياة الخاصّة شيئًا مبتذلًا؟

هل أصبحت الحياة الخاصّة شيئًا مبتذلًا؟

من برنامج "ما وراء الجدران" المتوقف عن البث (السورة: يوتيوب)

بين أبواب البيوت والشوارع جُدران سميكة، وبين الغرف المستورة أحداث أصبحت من الماضي الذي يمكِن دفنه، أو على الأقلّ يمكن نسيانه، فالأيام غالبًا ما تُداوي الجراح كما يُقال، وحتى وإن لم تلتئِم فالزمن يُخفّف من وجعها.

نلاحظ اليوم أن الحفاظ على الحياة الخاصّة باتت "عادة قديمة"

لكن العودة للنّبش فيها وأمام الملايين من المتابعين على القنوات التلفزيونية، يشبه إلى حدّ بعيد من يقوم بالتفتيش في كومة العفَن، والأخطر من ذلك أنه مع مرور الزمن تدخل في خانة العادي المستباح، في وقت كانت فيه من أسرار البيوت، وتصبح وجبة صائغة لكلّ من هبّ ودبّ، فهل حان الوقت لأن نضع حدودًا ناظمة لمخرجات الإعلام ونسنّ قواعد خاصة بالسياق الجزائري، تحترم خصوصيته ولا تمنَع الصحافيين من ممارسة طموحهم وتنظيم شغفهم؟

اقرأ/ي أيضًا: صحافيون جزائريون يقترحون خطوات لإصلاح الإعلام

في العام 2001، حاولت الصحافة الجزائرية الكشف عن قضية بين طرفي أروقة المحاكم، تتعلّق بالقبض على طبيبة تقوم بعمليات الإجهاض في مقر عملها بمنطقة الرويبة، شرق العاصمة الجزائرية، لحدّ هنا ظلّت القضية بين أيدي المحكمة، ولم يبت القاضي فيها، وبعيدة عن أعين الإعلام.

بعد أسبوع من قيام السلطات الأمنية بالقبض على الجاني ومساعديه، والبدء في التحقيقات حول الأجنّة الموجودة في كومة مزبلة منطقة السمّار، بالمدخل الشرقي للعاصمة الجزائرية، فتحت صحيفة "الخبر الأسبوعي" (مُتوقِّفة عن الصدور في عام 2010)، صفحتها الأولى بعنوان ملفّ صادم وجديد التناول في صحيفة جادّة، لاهي صفراء ولا هي شعبوية: "الإجهاض في الجزائر، 500 عملية في السرّ" مرفقة بصورة لجنين في بطن أمّه.

بينما كانت الصحيفة الأسبوعية التابعة لمؤسّسة "الخبر" الأمّ خلال سنواتها الأولى من الوجود، تسبَح في دوامة الملفات السياسية الحارقة، والتاريخية والتحقيقات الكبرى، تزامنًا مع العهدة الأولى لحكم الرئيس السابق عبد العزيز بتفليقة، كان مدير التحرير آنذاك زهر الدين سماتي، يُفتّش عن زاوية لقصّة اجتماعية، لفتت انتباهَه، عبر خلال معلومة عثر عليها من مصادِره الخاصّة، تتعلّق بالكشف عن عيادة خاصة في منطقة الرويبة تقوم بعمليات الإجهاض.

المعلومة نفسها كانت ستُفرد لها صحف يومية أخرى أربعة أو خمسة سطور وتكتفي بتركِ المهمّة بين أيدي السلطات الأمنية والعدالة، بل وتنشرها إن فَعَلت في ذيل إحدى الصفحات، أو في صفحة "المجتمع"، التي ظلّت لسنوات طويلة الصفحة المهمشة سواءً من طرف المسؤولين أو من قبل الصحافيين الذين يعتقدون أنها صفحة "الكُسالى"، أو صفحة " النساء فقط".

التحقيق الصحافي حول هذه المسألة، قد يأخذ جهدًا وأبعادًا أخرى، إذ تمتلِكُ الصحيفة الأسبوعية أولًا المتّسع الكافي من الوقت والمساحة الكبرى لعدد الكلمات الذي لا توفّره الصحيفة اليومية، وإمكانية فتح الملفّ الشّائك وقتها،وثانيًا لارتباطه إجرائيًا بمهنة الطبّ وقَسَم الطّبيب، وتعلّقه اجتماعيًا بالمسكوت عنه في المجتمع الجزائري، الذي تمارس فيه كل المحظورات في السرّ، فهل الصحيفة قادرة على كشف الفضيحة؟ أم أن التحقيق سيكون متكامل الأطراف؟، وهل حان الوقت لتكسير موضوع رتّبته الأعراف الاجتماعية في البلد في أحد رفوف الطابوهات؟ في مقابل ذلك كان الهمّ الأول للصحافة الجزائرية في تلك الفترة بمختلف عناوينها، التطرق لأخبار الساسة والسياسة والمعلومات الأمنية التي كانت الزّاد اليومي لصفحات الجرائد.

كثيرًا ما أفلتت الصحافة من ترتيبات المجتمع الجزائري، إذ ظلّت التحوّلات تنخر جسد الأسرة الجزائرية في فترة الدم والدموع، وما خلفته من تداعيات على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي لم يظهر بغتة، بل كانت أشبه بالغبار الذي يتكدّس داخل مكتب لم يفتح لأزيد من عشرين سنة، تراكمات وتعقيدات مجتمعية فاجأت الرأي العام بقصص وقضايا لا تخطر على عقل، بل وباتت بيوتنا لا تحفظُ الأسرار. 

كانت الصحيفة متشبِّعة بالبحث عن إبرة في كومة قشّ، إن تعلق الأمر بمواضيع اجتماعية، تُفرِد لها ملفّات خاصّة، تحت رئاسة التحرير لكل من زهر الدين سماتي والأستاذ عبد العزيز بوباكير، إذ يدفع الأول بالصحافيين إلى تناول زاوية من موضوع كبير، والتنقيب عن الجديد فيها، بينما الثاني، كان يتحاشى "موضوع النصف"؛ إذ أن الخوض في المواضيع الاجتماعية التي تحمِل بين أطرافها قصصًا تتجاوز المستور، وجب معالجتها بكثير من الدّقة، وبالعديد من الاستشارات وتمتينها بمختلف الآراء، وعدم كشف الأسماء التي لازالت بين يدي العدالة، حتى لا تُعيق التحقيقات الأمنية.

غالبية أساتذة الإعلام المتمرّسين يقولون لطلبتهم بالجامعة: "معالجة هذه المواضيع كمن ينزع خيط عملية جراحية، يجب توخّي الدقة والموضوعية وترك المجال للمتخصصين لتقديم رؤاهم، المبنية على البحث والتقصّي والتحرّي".

إلى غاية تنفيذ المهمة، يعدّ التطرق للقضايا التي تُطبِق عليها الأسر الجزائرية الصمت، مسموح به في إطار معالجة "المرض وليس الإجهاز على المريض"، الهدف منه تلافي العدوى وليس الكشف عن حِجاب السِّتر عن أخطاء بشرية. في النهاية هي واقع يمكن إخفاؤه لزمن طويل، لكن لا يمكن له البقاء كذلك طوال الوقت.

فعلًا، جلَب الملف الخاص بعمليات الإجهاض الكثير من زوايا نظر، وفتح النّقاش في الدوائر المغلقة، بينما التفَّ أخصائيون إلى تحسّس تغيرات المجتمع الجزائري، وأين نحن ذاهبون؟ فالبحث عن الأسباب من وراء تلك المسألة، يفتح نوافذ كثيرة يمكن للإعلام استغلالها في إعلاء وظيفته التوعوية في مجتمع لازال ينادي بأعلى صوته أنه "محافظ" رغم أن الواقع أثبت مع مرور الزمن أنه شعار فقط إن تعلَّقَ بقضايا حسّاسة، يخفيها بكلمات الفضيلة في العلن ويمارسها بعوامل حرية شخصية في السرّ.  

البداية من قضية في المحكمة، إلى عمليات الإجهاض التي تقام في السرّ، ثم فتح ملف الشبكات التي تتاجر بالضحايا، إلى عمليات التسفير نحو الخارج للقيام بعمليات إجهاض باهظة الثمن. الكثير من الحقيقة. لحدّ هنا انزاحت غمامة الخبر إلى تحقيق استمر لأشهر طويلة.

ليس مدهشًا، أن يتسرّع الإعلام اليوم في إطلاق الأحكام، خاصّة إن تعلّق بالإعلام الجماهيري بوجهيه: الثقيل "السمعي البصري"، والتكنولوجي "الإعلام الإلكتروني"، فهي مرآة تُرفَع أمام المجتمع، لكنها في الواقع تطرح القضايا، التي تحتاج إلى وقت وجهد وعدد من الفاعلين والآراء، وتمتثل لقواعد أخلاقية تسمح لها بتشكيل الرأي العام وفتح المناقشات العامة.

بين السّرعة والتسرّع، تذوب المحاذير، فالإعلام عمومًا لا يملِك النّفَس لطرح الزوايا دون كسر طابوهات الأسرة الجزائرية، خاصة ونحن أمام كمّ هائل من القضايا الانسانية والاجتماعية، غير أنه لا ضيرَ في التطرّق للقضايا بالكثير من الحذر إعلاميًا، حيث يفرض العمل جهدًا كبيرًا في تشريح موضوع يحتاج إلى أكثر من عقل يُفكّر، حيث يتطلب أكثر من مقترح فِكرة للتّناول والتحري والتمحيص.

نلاحظ اليوم أن الحفاظ على الحياة الخاصّة باتت "عادة قديمة"، إذ أن كثيرين صاروا يميلون لتقاسم كلّ شيء، ونشر كلّ شيء وفضح كل المسائل والمشاكل بين العائلات وبين الأقارب، فالبيوت باتت زجاجية مكشوفة للعيان.

لم تعد هناك حدود للبيوت ولا للعلاقات الزوجية خاّصة، هنا استحضرُ سؤال الصحافي الفرنسي المختص في تكنولوجيا الاتصال الحديثة، جون مارك مناش، في عنوان كتابه "هل الحياة الخاصة أصبحت مشكلة المسنّين الأغبياء؟" مستعرضًا مضار التكنولوجيات والمنصات الاجتماعية على حرّية الأفراد وخصوصياتهم، بينما أستاذ الإعلام البروفيسور نصر الدين لعياضي تساءل ذات مرّة في تدوينة أكاديمية له، عن قيمة الحياة الخاصّة في زمن استرخص البعض حياتهم، فراحوا يبحثون عن الموت بغباء في الشوارع لعدم احترامهم قانون المرور؟

ما قيمة الحياة الخاصّة في زمن صار فيه الهدف هومحاولة رأب صدع الأسر؟

ونحن من هذا المِنبر، نتساءل ما قيمة الحياة الخاصّة في زمن صار فيه الهدف هومحاولة رأب صدع الأسر وخطوات الإصلاح فيما بينهم؟ من أجل غلق ملفات الماضي وطمس مخلّفاتها يمرّ عبر استباحة الأسرار والأعراض والقيم عبر نافذة إعلامية تطلّ على الملايين من البشر؟ وماذا بعد دقائق البوح وإفشاء أسرار كانت محفوظة؟ الموضوع يحتاج حقًّا للكثير من التفكير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إذاعة على الإنترنت تشكو تعرّضها لـ "الرقابة السياسي"

إدارة "راديو أم" تتهم بلحيمر بالجهل بالإعلام الرقمي وتهدّد بمقاضاته