ترجمة| عبد القادر علولة: ينتهي بي المطاف غالبًا بشخصية أكثر واقعية من الحقيقية

ترجمة| عبد القادر علولة: ينتهي بي المطاف غالبًا بشخصية أكثر واقعية من الحقيقية

عبد القادر علولة (الصورة: الحياة العربية)

عادت منذ أيام ذكرى رحيل الفنان المُغتالِ عبد القادر علولة (1939-1994)، وعادت معها تلك التساؤلات المُبهمة حول مستوى الوعي الثقافي والسياسي لدى المسرحيين الجزائريين بعد ما يقارب ثلاثة عقود منذ رحيله. 

علولة: الحياة الاجتماعية واليومية في الجزائر تتسم بقدر كبير من التسييس، لأنها تحدث بالنهاية في مجتمع حراكيٍّ بطبعه

وتزامنًا مع انطلاق مهرجان المسرح المحترف، آثرتُ ترجمة هذا الحوار الشيق الذي أجراه الراحلُ (شفويًا) في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر من سنة 1985، مع الصحافي عبد المجيد كاوة، حيث تحدث فيه عن المسرح وعن دوره في بناء فكرٍ مجتمعيٍّ وسياسيٍ ونضاليٍ يتكئ المجتمع على قواعده، إضافة إلى إشكالية اللهجات في التأليف المسرحي، مسرح الهوّاة والاحتراف، تسييس المسرح، وتوظيف الشخصيات واللهجات الشعبية في الأعمال المسرحية الجزائرية. 


اقرأ/ي أيضًا: "الغلطة".. مسرحية التحولات الاجتماعية الجزائرية

  • هل يمكنك أن تخبرنا عن مسار مشوارك الفني خلال العشرين سنةً الماضية، وما أهمُّ مراحلها؟

 في واقع الأمر، لديَّ أكثرُ من 20 سنةً من الممارسة الفنيّة، فقد تخرّجتُ في البداية من مسرحِ الهواة، ثم بدأتُ النشاطَ في عام 1956 من خلالِ جمعيةٍ ثقافيةٍ تُدعى "شباب". فعليًّا، كان ذلك قبل ثلاثين سنة. 

بدأتُ مسيرتي المهنية بالتزامُنِ مع تأميمِ مسرح الجزائر العاصمة، تحديدًا في عام 1963، وباشرتُ العمل آنذَاك كممثل، حيثُ لعبت أدوارًا في العديد من الأعمال الوطنية، مثل "أطفال القصبة"، "حسن طيرو" مع رويشد، "القَسَم"  لعبد الحليم رايس، إضافةً إلى اقتباسات عالمية مثلَ "ورود حمراء لي" من تأليف شون أوكاسي، "ترويض النمرة" و "دون جوان" لموليير وأعمال أخرى.

بعدها، وبدايةً من عام 1965، بدأتُ مشواري في المسرح الوطني الجزائري، وتصادفَت البداية مع جاهزيتي للعمل المتنوّع، فقد كنَّا ذوي خبرة من تجربتنا السابقة في مسرح الهوّاة، حيثُ تعامَلنَا مع جميع التخصّصات، كنا مؤدين، مصممي ديكور، مخرجين وموسيقيين أيضًا في آن واحد. 

من هذا المُنطلق، قدمتُ مسرحية "الغولة" لرويشد، كما صممت ديكورها بنفسي أيضًا، وقمتُ بإخراج اقتباسٍ لمسرحية من تأليف توفيق الحكيم بعنوان "السلطان الحائر" سنة 1967، إضافة إلى قطعة من التراث الصيني النّفيس عنونتُها بـ "سكك الذهب".

أما في عام 1968، فقد اتجهتُ إلى الكتابة وتقديم مقترحات للمسرح، وكانت الثمرة الأولى، مسرحية "العلڨ" التي أُنتجت سنة 1969 في وهران، كانت من أجنحة المسرح الوطني الجزائري على نحو ما، إضافة إلى مسرحية "الخبزة" في عام 1970، والتي عرضت في أول أسبوع ثقافي في مدينة وهران.

لقد واصلت المشوار قدمًا، حيث كتبت أعمالًا أخرى، "حمام ربي"،"حوت ياكل حوت"، بالتعاون مع بن محمد محمد. كما كتبت "لڨوّال" سنة 1980، ومؤخرًا مسرحية "لجواد". 

في خضمّ تلك الفترة، وتحديدًا في عام 1972، قمت باقتباس نص "مذكرات مجنون"  لنيكولاس جوجول (Nicolas Gogol) تحت عنوان "حُمق سليم".

هذا ما يتعلق بمشواري، أما من حيث اللحظات المهمة في حياتي، فهناك اثنتان أفرزتا أزماتٍ وجودية.منذ اللحظة التي بدأت فيها رحلتي في المسرح والكتابة، كنت في كل مرة أقتاد نفسي نحو نوع من التقييم الذاتي، تحليل نقديٌّ لكل ما أقوم به، بغية العمل على المزيد من الأبحاث حول التمثيل وأحيانًا حول الكتابة المسرحية.

في الحقيقة، هما لحظتان مهمّتان في هذا المسار، وهناك لحظات أخرى لم تكن -ربما- بنفس ذلك القدر من الأهمية، ولكنها تبقى مع ذلك أمرًا مثيرًا للاهتمام.

تلخصت اللحظة الكبرى بالنسبة لي، في مرحلة إخراج مسرحية "لڨوال"، لذلك، وفي ضوء كل ما فعلته وكل ما برز في أفكاري خلال مناقشاتي مع الجمهور، كنتُ قد بدأت تجربةً جديدة دون أن أعرف إلى أين سأصل بالضبط، وانتقلت من مسرح العمل إلى نوع مختلف يدعى "مسرح السرد". 

  • مسرحٌ ملتزم؟ 

 في الواقع، أنا أتحفّظ بطبعي تجاه كلّ التسميات بشكلٍ عام، مع ذلك سأقترح شيئًا مغايرًا، أفكّر بالأحرى في مُصطلح "مسرح نقد اجتماعي"، إذ يمكنه أن يكون مسرحًا ملتزمًا أو مسرح شارعٍ على حدٍ سواء، كما يمكنه أن يكون مسرحًا يشجع على التفاعل والعمل، حتى لو كان يحظى بالدعم، لكنه بالنهاية يستدعي العمل الدائم.

يمكن أن يكون أيضًا مسرحًا يدعو  إلى تحوّل المجتمع، إلى التفاؤل، إلى الفرح، إلى تدخُّلِ الجماهيرِ في الحياة الاجتماعية، في تنظيمها بشكلٍ عام، لكنني بالنهاية، أفضّل اقتصار دورِ المسرح على مصطلح "مسرح النَّقدِ الاجتماعيّ" .

  • هكذا، لن يكونَ مسرحًا ملحمًيا ؟ 

 من وجهة نظري، هو ملحميّ حسب مفهوم بريخت، ما يعني مسرحًا يخاطب ذكاء المواطن ويريد أن يتحدّاه، ويدعوه إلى رؤية عالمه، بيئته، وحياته الاجتماعية، إضافة إلى كفاحه بمنظورٍ وبُعدٍ جديدين، لكنَّ مسرح بريخت الملحمي هو فلسفة كاملة بحد ذاتها، وهو أرحبُ بكثيرٍ مما حدَّدتُه للتو، إذ لا يتوقف الأمر عند مظاهر المحتوى فحسب، إنما يمتدُّ إلى التنسيق وأشكال الأداء.

  • ما هي إذن خصوصية مسرحك.. "الحلقة"؟ 

 يمكنني أن أحدّثك عن خصوصية عملي، أما ما يتعلَّقُ بمسرحي، فينتابني شعور أنني لم أبلغ بعد مسرحًا "عالي النبرة" لأتمكن من الحديث عنه، إذ لا يزال في مرحلة التجارب والبحث. أبدأ فعليا من "الحلقة"، باعتبارها مسرحًا كاملًا في حد ذاته، مسرح مكتفٍ ذاتيًا. 

يعد مسرح "الحلقة" نشاطًا ذا أطراف فاعلة، ذو أداء وأساليب تعبيرٍ خاصّة به، كما أن له جمهورًا وقاعدة اقتصادية، وأرضياتٍ تنشط في الواقع دون تدخل من الدولة، إذ يعيشُ ذاتيًّا، ويتطور وفقًا للحظة وللإمكانيات. 

 أنا أعمل، أحلل خصائص هذا النشاط المسرحي وأحاول رفعه بناءً على ما تعلمته، إنّ المسرح ليس مؤسسة ذات مهمّةٍ أنثروبولوجية.

إن السؤال الأساسي الذي أطرحه هنا: هل يعمل مسرح الحلقة بشكل جيد للغاية مع جماهيره ومع ثقافته؟ بالتالي هل هناك علاماتٌ محددة تشكِّلُه؟

 مُبتغاي الرئيسي من السؤال هو اكتشاف هذه العلامات وتصوّر الأداء ورفع المستوى الجمالي له. هذا عملي في الأساس، كلما فكرت في الأمر، وتأملتُ "مدّاح الحلقة"، كلما عثرتُ على الفن المسرحي حتى في تعابيره الأقل ثراءً ربما، ومع ذلك، يبقى المسرح ذا حضور بارز. لسوء الحظ، كنا قد مارسنا من قبلُ (مسرحًا يعاني من القصور من وجهة نظري)، مفتقرًا للعلامات العميقة لثقافتنا الشعبية ولتجربتنا الثقافية.

كيف نخرج من القالب الأرسطي؟ 

بين النهج المسرحي الذي يتكون من خطابٍ حول الواقع، وبين ما يقترحُ استلهامًا منه.

  • ما موقع مسرحك بينهما؟

 ما بين الحديث عن الواقع وبين الاستلهام منه، أقترح مقاربة ثالثة: توليفٌ شعريٌّ للواقع، أنا أُفضِّلُ أن تعكس هذه الصورة عملي الشخصي. 

  يعمل الجميع حاليًا وفقًا لدعمهم الإيديولوجي ومفهومهم للعالم، وبعضهم يبدأون من خلال نقل الواقع. وفي الحقيقة، هناك دائمًا عمل توليفيّ، وسواءً كان خطابا عن الواقع أو استنساخًا منه، سيكون هنالك  انتقالٌ دائم من مجال إلى آخر، كما أننا سنلقى تلك التفاصيل التي تبين أن الحقيقة بعيدة.

 إضافة إلى ذلك، هنالك عدة مدارس وعدة تيارات، وكل واحدة منها تحدد نفسها بمصطلحاتها الخاصة، بدلالتها؛ لهذا أفضِّل الحديث هنا عن توليفٍ شعريّ للواقع، فهناك عمل دائم يُبنَى عليه، ودائما ما ننطلقُ منه.

  • بمعنى ؟

 ما يزالُ نشاطنا المسرحيُّ تحت رحمة الارتجالِ والتقريب، أي أننا لم نحدّد بعد عملية البحث، كما أنَّنَا لا نملك الكثير من المعرفة والممارسة في هذا المجال، حيثُ يهيمن نهج الهواةِ، إضافة إلى النهج البراغماتي والغريزي على هذا النَّشاط.

 وكما قلت في وقت سابق، نحنُ لم نبلغ بعد مسرحًا "عالي النبرة"، ما زلنا نتخبط على مستوى الممارسة التَّقريبية من جهة، ومن جهة أخرى، عرفنا أن الخصائص التي أبرزناها للتو موجهة خصوصًا إلى مسرح الهواة. 

في الجزائر، يقبع هذا المسرح في المستوى الشعاراتي، أي في مسرح الأطروحات السياسية، وذلك قَدْ يَكُونُ جيدًا بالمناسبة، لأن مسرح الشعارات هذا يفسر الكثير من الأشياء من وجهة نظري، فهو يوضح أولًا أن شبابنا والمسرحيين منهم خصوصًا، يبحثون عن أطرٍ للتعبير الديمقراطي، وهذا ما يفسر أيضًا محتوى عروضهم التي تقول إن الحياة الاجتماعية واليومية في الجزائر تتسم بقدر كبير من التسييس، لأنها تحدث بالنهاية في مجتمع حراكيٍّ بطبعه، مجتمع كثيف النضالات. 

  • نضالات صمَّاء غالبًا .. ؟

حتى لو كانت صمَّاء، فهي غالبًا ما تخرج إلى العراء. علاوة على ذلك، هنالِكَ قيدٌ على مستوى الممارسة الفنية البحتة، فالقالب الأرسطيّ لا يناسب المسرح الجزائري عمومًا، سواء كان في أداء الهواة أو الأداء الاحترافي، بالتالي نحاول تكسير هذا القالب، هذا القيد، وهذا ما  يترجمه هذا النوع من المسرح الذي يسيطر عليه تيّار واقعي ذو صبغة طبيعية.

  • ألا توجد مخاطرة في الخلط بين العمل المسرحيّ والعمل السِّياسيّ ؟ 

لا يمكن للمسرح أن يكون بديلاً عن حزب سياسي لأنه ليس بديلاً عن المدرسة وعن الجامعة، وكثيرًا ما يُرَادُ للمسرحِ أن يَحُلَّ مشاكل التَّعريبِ ومحو الأمية وغيرها، لكنّه في الواقع، يتطور في حدوده الفنية الخاصة. 

على كلِّ حال، هناك مسارات إلزامية، إذ بإمكان المسرح أن يشبه المدرسة، ويمكن للخطاب الدرامي فيه أن يشبه الخطاب السياسي. 

مع ذلك، لا يمكنه أن يتجنب كونه تربويًا وطبيعيًا، ولا يمكن أن يتحاشى طبيعته السياسية أو إيصال رسالة مُسَيّسة أيضًا، لأنه يشمل رجالا يفكرون، ويتطوّرون، ويتفاعلون مع الوضع. عندما يَقمعُ المسرح، أو يُخفي خِطابه السياسي، فهو بالتالي يصبح أكثر تسييسًا. 

يُعَدُّ النشاط المسرحي بالأساس معرِّفًا أو مُعطِّلا، لا وجود لأرضية وُسطى هنا، وبين الحالتين، يحملُ هذا النشاط في جعبته السياسةَ والسياسةَ العليا غالبًا، كما يمكنُ للمسرح أَنْ يستجوِبَ الإنسانَ الخارجَ عن قيوده اليوميةِ.

  • استجوابٌ حولَ التزاماته على سبيل المثال ؟ 

يستطيع أن يستجوبه حول التزاماته، كرجلٍ عارٍ يقف على هامش المجتمع، خلالَ لحظة واحدة، لحظة الأداء، كما يمكن أن يقتاده نحو مراجعة قناعاته العميقة.

 بطريقة ما، يمكن لفن المسرح أن يغنم ميزة إخراج الرجل السياسي من إطاره السياسي، ليستجوبهُ سياسيًّا.

 عندما أفكر مثَلاً في سوفوكليس، إيشايل، يوريبيدس وأريستوفانس، أتساءل عن مآلِ السياسة العليا عند أريستوفانس، لقد كانت سياسة عليا دون الحاجة إلى ذكر البابا. 

  • إذن هي سياسةٌ عُليا ضد البروباغاندا ؟ 

لا ليست ضدها، فهي مختلفة عن البروباغاندا، عن الإثارة، مختلفة لأنها تخضع للعرض العلمي. 

لا شكّ أن الفن المسرحي يحل محل العرض العلمي والكتب، ومن الواضح أن أي مسرحية لا تستطيع أن تحل محل "الخبزة" على سبيل المثال، في معالجتها لمشاكل الجوع، والصراعات اليومية، ووجع الخبز اليومي. 

  • في ضل الحرمان والعوز الذي رافق التعاقبات الطبيعية الأخرى، ألم يكن المسرح في بعض الأحيان مُحاصَرًا، ومُجبرًا على إعطاء إجابات لِكُلَّ شيء ؟ 

نعم ، في بعض الأحيان كان محاصرًا.

أما على مستوى المسارات الفنية، فيمكن لكاريكاتيرٍ واحد أن يكون أكثر بلاغة من كلّ الخطاب السياسي.

  • بالضبط، أمام مسرحٍ يريد اختصار الطريق، ألا يعدّ ذلك مخاطرة للاكتفاء بفنّ الكاريكاتير ؟ 

 هنالك أسباب موضوعية تاريخية أكثر منها ثقافية. 

لقد اتضح أننا وقعنا في خطأ الشكلانية والاختصارات، واقتصاد القراءات، لكن في نفس الوقت، لم يكن هناك مفرٌّ من هذه الأخطاء، لم تكن لدينا تقاليد عظيمة خلفنا. 

كلنا ننتمي الآن إلى مدرسة الديمقراطية، نراها كل يوم، في اجتماع نقابي مثلاً أو في أشياء أخرى، لكن ليس هناك رأس مال ثقافي ينتج مرجعياته الخاصة أو تنتج عنه حركة ثقافية.

 فيما يتعلق بالنشاط المسرحي، ليس لدينا قدر كبير من التحليل بشأن الأداء وأساليب ترتيبه وما إلى ذلك. 

لقد بدأنا للتو في محاولة إعادة التواصل مع تراثنا الثقافي، وأعتقد أن تلك الأخطاء كانت حتمية. 

الآن، جاء دور الحياة التي تقوم بعملها، لكي تُقوِّضُ هذه السلوكيات، وبدأت الشكلانية تفقد زخمها، ولم يعد الخطاب الديماغوجي ذا نفس طويل. 

يتمُّ الآن صقلُ النضالات والسلوكيات وتطوير تقاليد النضال، التفكير، والدراسة، أعتقد أنها كانت ممرات قسرية.

  نحنُ الآن نرى بوضوح أكبر داخل أنفسنا، داخل مجتمعنا وفي منظومتنا الإجتماعية، وبما أن الحياةَ مُستمرّة، فالمواطن يلج الثقافة، تدريجيًا، ببطء.

  • ماذا عن مسألة اللغة في المسرح ؟

لقد كنتُ دائمَ الاهتمام بالأبعاد اللغوية للمسرح فيما يخص اللغة المسرحية، وبصفتي مخرجًا فضلتُ العمل على اللغة، على النبرة وعلى التنوع الصوتي، لأنني ببساطة أدركت أن اللغة التي كانت عائلتي تتحدث بها في الحياة اليومية، إضافة إلى لغة الشارع، كانت أكثر جمالًا مما كنا نمثله في المسرح. 

بعد ذلك، ومن حيث الكتابة، حاولت الاشتغال على الجمل التي أستعملها، وعلى الترتيب اللغوي بغية إقناعٍ أفضل، لأكون على الدرب الأصحِّ قدر الإمكان. 

لقد ساعدتني هذه المخاوف كثيرًا في هذا العمل لاحقًا، خاصة في مسرحية "لڨوال" و"لجواد"، حيث كان الأمر يتعلّق باستثمار أكبر للكلمة، وبإنجاز عمل لغوي أكثر أهمية.

 إنّنَا في مرحلة انتقال نحو مسرحٍ سرديّ يُحبِّذُ الكلمة على الفعل، ويحفز الفعل في الكلمة في الأسلوب السردي، ونتيجة لهذا، هنالِك عمل عميقٌ يتعلّق بالترتيب اللغوي. لقد اكتشفنَا أن الفن المسرحي كان دائمًا مستحثًّا في الشعر. 

  • في أصل المسرح، هناك قصيدة؟

 في أصلِ شعرنا، كان هنالك مسرح يحتوي على نشاط مسرحي، وتوجدُ أمثلة عدة من ذلك في الحضارات. 

في بعض الأحيان، كانت هناك فنُونٌ تنغمس في أخرى داخل الفنون الناقلة، إنّ الفن المسرحي ناقِلٌ لعديد الفنون. 

على مستوى الأوبرا مثلًا، تُعَدُّ الموسيقى ناقلةً للفن المسرحي، نعم إن المسرح مستحث في الموسيقى، فقد وجدنا خلال بحثنا عن الفن المسرحي في مؤلفات أرسطية داخل الحياة الاجتماعية، أنه كان حاضرًا ببساطة، مستحثًّا في الشعر.

وإذا ما رجعنا إلى المظاهر المسرحية أو إلى "الحلقة"، سنجد أنها عبارة عن شعر دراميّ، كل شيء موجود في السّرد، إنها قصصُ عالية الشعرية. 

وبالرجوع إلى القصص التي ترويها أمهاتنا، جداتنا، أو تُقَصُّ في الحلقة، نجد نبرات رائعة وقصائد جيدة تُلقى وتُغَنَّى، وكل ذلك الحكي يتم عبر لغة الشعب، بلغته الشعبية شديدة الثراء، حيث تحتوي على رأس مال لغوي عظيم غالبًا ما يحتوي على كلمات تأتينا من "الجاهلية"،. 

كلماتٌ منسية تماما من طرف ما يسمى بـ "العربية الكلاسيكية"، إن الإشكال في اللغة الشعبية هو أنّها لم تُستغل بعناية، كما أنَّهَا لم تُكتَب قطّ. 

هذا جيد، من وجهة نظر الاستخدام المورفولوجي والبناء اللغوي، لكن الحقيقة أنه لم يكن هناك عمل مورفولوجي وتنسيق لغوي بسبب غياب كتاباتٍ داعمة.

  • غيابٌ بدافع الإزدراء ؟ 

إن عمل الكاتب المسرحي على اللغة لا يشبه على الإطلاق عمل اللغوي أو النحويّ، فالشاغل الرئيسي للمؤلف في المسرح هو اللغة الفنية، لأن فيها مجموعة من العناصر التي تدخل في النظم الفنية، ونجد في هذه المجموعة من العناصر كُلاًّ من الكلمة واللغة.

 في الواقع، يصنع الكاتب المسرحي لغته الخاصّة بنفسه إن جاز لي القول، إنه يضع أسلوبه الخاص لترتيب جمله. 

توجد في النص المسرحي أنفاسٌ ومساحاتُ صمتٍ ومُحاكاةٌ صوتية، هنالك إيماءات أيضًا، وتشارك كل هذه العناصر في صقل اللغة الفنية. 

 لا ينبغي استخدام المصطلحات وحسب، بل وجب استغلال كل تلك العناصر: إن موسيقية الجملة قد تكون في بعض الأحيان أكثر أهمية لدى المؤلف المسرحي، يمكن العمل على موسيقية الجمل بشكل أكبر من الاشتغال على معناها.

نحن نتجه أكثر فأكثر نحو وحدة الخطاب، نحو وحدة وطنية، لكن هذه هي الحركة الطبيعية للمجتمع وللغة فيه. 

حاليًا، يُعَدُّ عمل الشاعر أو الكاتب المسرحي أمرًا مختلفًا ذو سجل خاص، ينفرد بعلاقته الخاصة جدًا برأس ماله اللغوي.

لدى الكاتب المسرحي عمل محدَّد، يمكنه على سبيل المثال، أن يُفَضِّلَ كلمة تقال في قسنطينة بدلًا من كلمة يعود أصلها إلى منطقته، وهذا ما قمت به مرارًا، فمسرحية "لجواد" في رأيي، لم تلاقي هذا النوع من الإشكالات، على العكس تمامًا، لقد وجد المتفرجون من مناطق أخرى متعة خاصة في متابعة هذه المسرحية التي كانت تتحدث باللهجة الوهرانية، إضافة إلى وجود تلك النبرات الصوتية ذات الصبغة المحلية للفنانين. أحيانا لا يكون هذا عائقًا البتة بقدر ما يغدو متعة إضافية. 

  • ماذا عن اللهجة ؟ 

 هذه مشكلة أخرى.. في واقع الأمر، وحتى وقت قريب خلال عروضنا، لم تكن هناك لهجة موحدة. صحيح أن اللهجة العاصمية كانت مسيطرة، لكننا هنا نتحدث عن رأس المال اللغوي، عن الأعماق اللغوية. 

في هذه النقطة، لسوء الحظ، عندما أسترجع من الذاكرة بعض المسرحيات التي لعبناها في الماضي، كان جليًّا (من باب القيمة الفنية، ومن الناحية الجمالية) ، أن النص الدرامي أقلّ جمالًا من الحكيِ الخاص بالحي الشعبي العاصمي باب الواد الذي يُعدّ أكثر جمالًا وغِنى. أظن أن اللهجة موضوع آخر يطول الحديث عنه. 

  • هل اللهجة نقطة فرعية ؟

 لا، إنها مشكلة تقنية.

 لسوء الحظ، لم نعمل على هذا الجانب بما فيه الكفاية، لقد أهملنا وحدة اللهجة في العروض، خاصّة تلك التي قُدِّمت على مستوى المسرح الوطني في العاصمة، وجمعت فنانين من قسنطينة، العاصمة ووهران. 

 لقد كان الأمر بمثابة نشازٍ من ناحية اللهجات، ولم تكن هناك لهجةٌ موحدة، ما يعتبرُ عنصرًا أساسيًا في العرض وجانبًا تقنيًا محضًا، كما أننا لم نعمل بالشكل الكافي على الألوان الصوتية والتنفس، مع ذلك، أمكننا تجاوز هذه الجوانب التقنية بتوجيه من المخرج. 

صادف أنني كبرت في بيئة شعبية، وقد قضيت جزءًا مهمًا من شبابي في النواحي العتيقة، حيثُ عشنا في (مدينة جديدة) بوهران في منزل صغير مبني على الطريقة العربية، أو ما يسمى ب"الحوش"، وكانت هنالك 17 عائلة تعيش فوق بعضها البعض.

 تأملتُ، وعشتُ مع هذه الطبقات لفترة طويلة، وقد ارتويتُ جدا من قيمهم الأخلاقية. 

يحدث أنني صرتُ اليوم أكثر راحة وسط هذه الطبقات لأنها تمثل الوطن بالنسبة لي، هناك أستعيد النبض، أسترجع تلك النبضات الحقيقية لمجتمعنا، هناك، تعيش بعض الشخصيات التي أثرت كثيرًا في حياتي، وقد وظفت بعضا منها في بعض مسرحياتي، كما أنها ستعود لا محالة في أعمالٍ أخرى.

في الوقت نفسه، كنتُ أزاول الدراسة في الثانوية، قرأت رواياتٍ عظيمة، ورأيتُ الشخصيات تخرج من بين صفحاتها، شخصيات عاشت مغامرات كبيرة، واحتملت أعباء ومسؤوليات ومشاكل عظيمة. 

أما في قلبِ الطبقات المتوسطة التي أنتمي إليها الآن، اكتشفتُ أن الانشغالات الأنانية زائلة، لقد كانت طبقات دائمة التفكك، غير متماسكة، واكتشفت فيها أن الأفراد يتغيرون، لديهم اليوم مبادئ عظيمة، وفي اليوم التالي، يغدون مختلفين تماما، إنهم لا يحملونَ عبء الشخصيات التي عرفتها عندما كنت شابَّا. هم لا يملكون الاستقامة نفسها على الإطلاق.

  • الثبات نفسه؟

الثبات نفسه الموجود عند تلك الشخصيات التي رأيتها شابًّا، لهذا السبب أؤيدها لأنها كياناتٌ بطلة وذات إيجابية بارزة في سلوكاتها اليومية. أنا أتذكر سخاء هؤلاء الناس، تفاؤلهم وإنسانيتهم. عندما تناولتُ صفة الكرم في مسرحية "لجواد"، أشرتُ إلى أولئك البشر الذين يجيدون العطاء في كل شيء دونما مُقابل.

إنَّ الأمر أكثر تعقيدًا من تصنيف الشخصيات كأبطالٍ إيجابيين أو سلبيين، لأنني أعتقد أن الحياة الحقيقية، أو المجتمع عموما هو مرآة هذه الطبقات، هنا تقع الجزائر العميقة، ومن هنا سأستمد إلهامي الذي سأتأمله وسأنصِتُ إليه.

  • لكن، هل هي شخصيات معروضة، مكشوفة في تناقضاتها، في عظمتها وفي جُبنها الصغير ؟

 لا يمكن الكشف عن هذه الشخصيات سوى عبر تناقضاتها، من المستحيل الكشف عنها عمليا على نحو شامل، لأنها معقدة جدا بطبيعة الحال، إنها شخصيات حيَّة إلى حدّ كبير، وانطلاقًا من هذا المعنى، يمكنني القول إنها تبلغ حقائق إيجابية للغاية، هم بشر يتقدمون بتناقضاتهم وبمشاكلهم الخاصة. 

لن أتحدّث هنا عن الجُبن، بل عن مستوى المعرفة والوعي، إذ نجد من بينهم أقلية لديها مستويات معينة من الوعي والصفاء والقدرة على التحليل. 

يَبْدونَ لي مثل العمالقة، يتحملون المجتمع بشكل دائم ومنتظم في تناقضاته وفي مشاكله. 

هناك جانب واحد نسيت أن أذكره: إن هذه الشخصيات مليئة دومًا بالخيال غير العادي والعبثي. غالبًا عندما أتأملها، يقوِّض تواجدها الكثير من الأحكام المسبقة التي أحملها.

  • ماذا عن الجزء المُتَخيَّل؟ 

نعم، إنَّ جزئية الخيال والاستيهام مهمة، لكنها تتغذى بعمق من الواقع. كلما تخلّلْتُ وتقدّمتُ أكثر، كلّما غصتُ أكثر في الواقع، فتتطور مخيلتي، وتغدو أكثر استقلالًا.

 كلما تأمّلتُ شخصيّةً، أراها تتقمص شخصيّة خياليّة أخرى، لتلونها أكثر. 

 يتداخل الخيال بالطبع مع العمل الفني والكتابة المسرحية،  لكن الخيال يبقى غير مستقلٍّ، ما يعني أنه غير معزول، بل هو مرتبطٌ عميقًا بالواقع، لدرجة أنني في بعض النواحي، أنسَلُّ تمامًا لصنع شخصية مغايرة، مختلفة تمامًا، بحيث لا يمكننا التعرف على الشخصية الواقعية.

صراحةً، غالبًا ما ينتهي بي المطاف بشخصية قد تكون أكثر واقعية من الشخصية الحقيقية، وهذا ما حدث لنا بالضبط مع شخصية مشهورة في وهران خلال مسرحية "لجواد"، حيث انطلقتُ من شخصيتين اجتماعيتين، معروفتين في وهران لتأليف شخصية واحدة. 

لكن المتفرجين الذين عرفوا إحدى الشخصيتين، "رأوا" الشخصية الحقيقية على الخشبة، ذهبوا إليه وطلبوا منه التفاصيل وقالوا: "لقد أخفيتم عنا هذه التفاصيل". لقد حمّلوا الشخصية الحقيقية وِزرَ الشخصية الخيالية!

كان من الممكن أن يقول لهم: "ليست لدي أيّة علاقة بذلك، أنا بريء". مع ذلك، حضر العرض بنفسه، كان ضائعًا أحيانًا، لم يكن يعرف إذا كان ما قيلَ جديًا...

  • الشخصيات ليست هنا لتلبيس الخطاب إذن ؟

 أبدًا، لا تأتي الشخصياتُ لتأييد خطاب مُدلى به سلفًا، أنا أستمتع، وأشارك كجزء من طريقة العمل قبل البدء في الكتابة والمراجعة في الميدان. 

علولة: أنا أبذل قصارى جهدي لتوثيق نفسي ووضع ملخصٍ للفكرة أو خطة لتطويرها

تستغرق مني كتابة قطعة مسرحية وقتًا طويلًا، حيث تنبثق من فكرةٍ أباشرُ من خلالها سلسلة من المقابلات والمناقشات، ثمّ أَجْمعُ قدرًا كافيًا من المعلومات حول المسألةِ والفكرة معًا. في الواقع، أنا أبذل قصارى جهدي لتوثيق نفسي، ووضع ملخصٍ للفكرة أو خطة لتطويرها. أقدمها لبعض الأصدقاء، وللناس المعنيين بالمشكلة، ومن ثمَّ اُتِمُّ مخطط القطعة المسرحية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

المهرجان الجزائري للمسرح المحترف.. دورة متقشّفة

عبد الله بهلول.. أن تمارس المسرح وتدرسه