جيل جديد بمنظومة ثقافية قديمة.. متى نردم الهوّة؟

جيل جديد بمنظومة ثقافية قديمة.. متى نردم الهوّة؟

بول كلي/ألمانيا

هل مهمّة المثقف إنتاج الأفكار والرّؤى والبرامج والبدائل والمبادرات والاقتراحات، انطلاقًا من تأمّل عميق في السّياقات المختلفة، وقراءة رصينة للمرحلة وما تشهده من تحوّلات في النّفسيات والذّهنيات والمواقف والأذواق، أم إطلاق الأحكام القيميّة والأخلاقيّة الجاهزة على الشّارع والمحيط؟

إنّ مرور ستّة عقود من الاستقلال الوطنيّ، لم تؤدِّ بنا إلى تحديد مفهوم متكامل للمثقف أو للنّخبة المثقفة

إنّ مرور ستّة عقود من الاستقلال الوطنيّ، لم تؤدِّ بنا إلى تحديد مفهوم متكامل للمثقف أو للنّخبة المثقفة. وبقي المفهوم السّائد للمثقّف هو ذلك الذّي يكتب أو يرسم أو يعزف أو ينحت أو يخرج أفلامًا أو يمثّل، ونحن بهذا لم نفصل بين مفهوم الفنّان الذّي يمارس الفنون والمثقف الذّي ينتج الأفكار التّي تؤثّر في محيطها، فتثمّن وعيًا جميلًا قديمًا وتصنع وعيًا جميلًا جديدًا.

اقرأ/ي أيضًا: بتهمة "إهانة رموز الثورة.. إيداع مدير الثقافة لمسيلة الحبس المؤقت

ولا شكّ في أنّ للنّظام السّياسيّ القائم دورًا في تكريس عدم الفصل هذا، واقتراح مفهوم معلّب للمثقف يقوم على تزكية المقولات المقترحة من طرف هذا النظام وإدانة ما سواها، في مقابل خنق مفهوم المثقف المرتبط بتطلّعات التّغيير، لدى الأوساط الشّعبيّة ومرافقتها بالتأمّل والتّحليل والاقتراح. 

إنّه من الخطأ أن نكتفي بالحكم على الجيل الجديد بكونه غير سوّي، فنصفه بالنّزق والمتسرّع والمنسلخ والفارغ والمتغرّب، من غير الاقتراب من عوالمه وهواجسه والدّخول معه في حالة حوار، ووضع برنامج ثقافيّ يستهدفه يقوم على المرافقة الدّائمة لا على الإدانة الجاهزة، لأنّنا بذلك نخلق هوّة صارخة بين المنابر والبرامج الثقافيّة الموجودة، وبين هذا الجيل الذّي يقاطعها عفويًّا لأنّه يرى نفسه مدانًا فيها من طرف القائمين عليها.

وإنّ المثير للاندهاش والسّخريّة معًا، في خطاب القائمين على المنظومة الثقافيّة القائمة والمنخرطين فيها، سواءً كانوا رسميّين أو غير رسميّين، كونهم يشتكون ممّا يسمّونه عزوف الجيل الجديد على النّشاطات الثقافيّة والأدبيّة والفكريّة، من غير أن ينتبهوا إلى دورهم الحاسم في ذلك العزوف. فهم يريدون من هذا الجيل الجديد أن ينسلخ عن قناعاته التّي هي ثمرة طبيعيّة لانسجامه مع تحوّلات لحظته في الدّاخل والخارج، وينخرط في منطقهم الذّي هو ثمرة لمنطق إدانة تلك التّحوّلات أصلًا. 

إنّ المشروع الثقافيّ الحقيقيّ، هو الذّي يستهدف الإنسان في جوهره، وصولًا إلى مقام المواطن، بغضّ النّظر عن شكلياته التّي تبقى داخلة في الحرّية الشّخصيّة والتّنوّع المجتمعيّ. ولأنّ المنظومة الثقافيّة الرّسميّة السّائدة تابعة للمنظومة السّياسيّة المهيمنة ترفض الاعتراف بالحرّيات الشّخصيّة والتّنوّع الحاصل في المجتمع الجزائريّ، خوفًا من أن يؤدّي ذلك الاعتراف إلى تهديد المنطق الأحاديّ المتحكّم في مفاصل الحكم، فقد تمّت سيادة نبرة محاكمة هذا الجيل أخلاقيًّا ووضعه في خانة "المنسلخ" الذّي ينبغي نبذه.

نحن بصدد شارعٍ شبابيّ متنوّع يُشكّل ثروةً، لكنّه يحتاج إلى رؤية ثقافيّة وحضاريّة تُشكّل ثورةً. وسوف يفقد تغنّي الوجوه الحاكمة الجديدة بالجمهوريّة الجديدة معناه وجدواه ما لم يهيّئوا مناخات حصول تلك الثورة في الحقول الثقافيّة المختلفة بالتّفتّح على الأجيال الجديدة، ورؤاها ومتطلّباتها وما تنتجه على ضوء تلك الرّؤى والمتطلّبات. 

آن لنا أن ننظر إلى النّشاطات التّي تقدّمها النّخبة لحفنة من النّخبة في قاعة مغلقة، على أنّها وجه من أوجه الفساد الثقافيّ. في حالة كانت تغرف من المال العامّ، أمّا إذا كانت بمال خاصّ، فهي مشمولة بحقّ الاختلاف أيضًا. إذ من المفروض أن نلتقي بصفتنا "نخبة"، لنخطّط ونفكّر ونحدّد مسؤولياتنا الأخلاقيّة والحضاريّة في قراءة المرحلة واستشراف المستقبل، لا أن نعتبر لقاءاتنا في حدّ ذاتها نشاطًا ثقافيًّا.

لا بدّ أن تتكامل أطراف المنظومة الوطنيّة المعنيّة بمرافقة التحوّلات في المجتمع

انطلاقًا من هذا المنطق، لا بدّ أن تتكامل أطراف المنظومة الوطنيّة المعنيّة بمرافقة التحوّلات في المجتمع، من أجل أن نتفادى التّفسّخ المطلق والتّطرّف المطلق، لدى شبابنا، حيث يصبح التحرّر والتّديّن معًا في إطار إنسانيّ ومواطناتيّ إيجابي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

وزيرة الثقافة تمارس الرقابة على حسابات فيسبوكية لإطاراتها

وزارة الثقافة تباشر جلسات تشاور.. مبادرة لربح الوقت؟