حوار| سمير قسيمي: زاد الحراك أسئلتي وأوقفني على عبثية الوجود

حوار| سمير قسيمي: زاد الحراك أسئلتي وأوقفني على عبثية الوجود

الروائي سمير قسيمي (الجزيرة)

سمير قسيمي، روائي جزائري رُشّح للعديد من الجوائز الأدبية. وصلت روايته "يوم رائع للموت" للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية عام 2009، وحصلت روايته "كتاب الماشاء" على جائزة آسيا جبار في دورة 2016، كما ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية. ومؤخرًا صدرت له رواية "سلالم ترولار".

سمير قسيمي: خرج الشعب من أجل أن يتحرر من احتكار الشرعية الثورية لمستقبله وحريته في اختيار شكل دولته ونمطها

في هذا الحوار الذي خصه لـ"الترا جزائر"، يتحدث الروائي سمير قسيمي عن الرواية، وعن الحراك الشعبي ومستقبله، وأثره عليه، وعن المشهد الثقافي والصراع الهوياتي.

اقرأ/ي أيضًا: حوار | نصيرة محمدي: ولّد الحراك الشعبي سلوكًا تحرريًا


  • لنبدأ من آخر أعمالك الروائية "سلالم ترولار". في حوار لك، قلت إن الرواية تكشف عن عمق الهاوية التي تعيشها الجزائر. هل الرواية لها قالب سياسي خيالي يفكك المنظومة الحاكمة؟

لن أدعي أن "سلالم ترولار" تسعى إلى تفكيك أي منظومة، ولكنها رواية تستمد خلفيتها من السياسة، من خلال حكاية فانتازية، تبدأ حين يكتشف أحد شخوص الرواية، جمال حميدي، أن كل أبواب ونوافذ المدينة/الدولة اختفت، لينمحي الخط الفاصل بين الداخل والخارج، كما تختفي لاحقًا كل الأبواب الخيالية والحقيقية في رؤوس أشخاص الرواية، التي وإن لم أحدد لها زمنًا في البداية، فهو ظاهر أنه ما بعد ما أسميته في الرواية بالانفجار الكبير، والذي يستمر حتى الآن.

رواية سلالم ترولار
غلاف رواية سلالم ترولار

كانت الفكرة منذ شرعت في كتابة هذه الرواية مطلع عام 2014، أن أنتقد ما هو حاصل في الجزائر اجتماعيًا وسياسيًا وحتى دينيًا. وهو واقع شئنا أم أبينا، أكثر فانتازية من أي عالم خيالي قد يفكر فيه أي روائي.

  •  كنت من بين أوائل الكتاب والروائيين الذين نزلوا إلى الشارع في 22 شباط/فبراير، وتفاعلت بقوة مع الحراك. كيف عاش ويعيش سمير قسيمي كمواطن أولًا وكمثقف ثانيًا هذه اللحظات؟  

عشتها في البداية بحماسة أي مواطن يصبو إلى التغيير. ولكنني مع مرور الوقت، وبالتزامي بالحراك التزامًا مطلقًا، أصبت ببعض التخوف من محاولات البعض استدراج الحراك إلى معارك لا تعنيه.

أقصد أن خروج الشعب الجزائري لم يكن بهدف إقامة محاكمات لأيٍّ كان، ولا لاتهام أحد، ولا حتى بهدف تصفية حسابات لا تعنيه. خرج الشعب من أجل أن يتحرر من احتكار الشرعية الثورية لمستقبله وحريته في اختيار شكل دولته ونمطها، ومن أجل أن يقيم دولة قانون يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، وأهمها حقه المطلق في اختيار حكامه، بعيدًا عن سطوة دستور غير شرعي، تم تفصيله بعناية، لتستمر نفس الوجوه في الحكم وإن غيرت أقنعتها.

الشعب منذ 22 شباط/فبراير يطالب بقطيعة تامة مع النظام السابق، وهو ما يجعل الحل الدستوري المفروض الآن من خلال الإبقاء على رئيس دولة لا يريده الشعب ورئيس حكومة لا يمنحه المواطن أي ثقة؛ تجاوزًا خطيرًا على الشعب. أقول إنه تجاوز، لأن المعادلة بسيطة: أحد طرفيها هو الشعب، ما يجعل الرضوخ لحلول غير شعبية خرق لإرادة كل الملايين المتظاهرة أسبوعيًا، والمتمسكة بنفس المطالب.

ومتخوف أيضًا، لأن الواقع الجديد منح المؤسسة العسكرية دورًا سياسيًا في الأحداث، وهو أمر خطير على حلم المواطن في دولة مدنية ودولة قانون. إذا استمر الأمر على ما هو عليه، فأي تغيير تحقق؟ ما زال الشعب لم يحقق شيئًا من مطالبه.

ما زالت قوى أخرى غير إرادة الشعب الحرة، تختار من يحكم دولة عظيمة عظمة الجزائر، لأن انتخابات الرابع من تموز/يوليو، التي يسعى البعض إلى فرضها، لا يمكن أن تكون معبرة عن إرادة كل هذه الملايين.

سمير قسيمي
سمير قسيمي: كان الشارع أكثر عبقرية من الجميع. كان نصًا غير متوقع على الإطلاق

 سنحتكم إلى انتخابات يؤطرها ولاة هم لُبّ النظام الفاسد، وتشرف عليها حكومة غير شرعية في نظر الشعب، يرأسها رجل مشكوك في ذمته، في دولة عُيّن لها رئيس كان إلى وقت قريب الرجل الثاني في نظام أغرق الجزائر في هذا العبث!

  • في أعمالك الروائية، يبدو أنك مسكون بالمأساوية والأسئلة الفلسفية الوجودية. هل الحراك الشعبي حررك من الأسئلة؟ أم الدور معكوس بالنسبة لكونك كاتب؟

لم يحررني الحراك من أسئلتي، كل ما فعل أنه زاد منها وجعلني أقف مجددًا على عبثية الوجود، وجدوى الحلم، مهما كانت الوقائع مؤلمة.

  • هل تنبأت بهذه اللحظة الثورية في نصوصك؟

حلمت بها وآمنت بها، وكتبت عنها. لكن لا أنا ولا أحد غيري، بمقدوره الادعاء أنه تنبأ بما حدث. لقد كان الشارع أكثر عبقرية من الجميع. كان نصًا غير متوقع على الإطلاق.

  • أفرز الحراك خلال الأيام الأخيرة بداية صراع هويّاتي. كمثقف وروائي معني بهذه الأسئلة؛ هل الظاهرة صحية، أم أنها تنطوي على سلبيات مجتمعية؟

بالنسبة لي الأمر عاديّ جدًا. ولا بد من ظهور هذا الصراع بشكل أو بآخر، فقد كان ظهوره متلازمًا مع حقيقة أخرى، وهي أن هذا الشعب رغم تنوعه الثقافي واللساني، ملتزم بأن يكون أمة واحدة، وهو ما لم يتوقعه أولئك الذين سعوا إلى بعث فتنة ثقافية تنتهي إلى خلاف سياسي يقسم الجزائر. كان الشعب أكثر حكمة ودهاءً من هؤلاء.

  • كيف يرى سمير قسيمي المشهد الثقافي بعد الحراك وقد جرب المعاناة من الإقصاء والتهميش؟

لحد الساعة لم يتغير شيء. فلا أحد في السلطة أو المعارضة مهتم بالسياسة الثقافية، وطرق إرسائها. لقد صرحتُ سابقًا أن مشكلتنا ليست في من يستوزر في قطاع الثقافة، بل في إرادة السلطة والمجتمع المدني في إرساء سياسة ثقافية تصمد وتؤسس لواقع لا تكون فيها الثقافة قطاعًا كماليًا، أو مجرد بهرجة فلكلورية، بل تصبح أسلوب حياة، منه وإليه تنتهي كل القطاعات الأخرى.

رواية كتاب الماشاء
غلاف رواية كتاب الماشاء

إنه حلم لا أعتقد أنه سيتحقق الآن من خلال حكومة مشكوك في شرعيتها، أو من خلال الوزيرة الحالية التي بالنسبة لي تنصيبها على رأس وزارة الثقافة، يُعد مسبّة لكل المثقفين، واستخفاف بهذا القطاع بلا شك.

  • هل أنت متفائل بغد أفضل؟

بالطبع، حتى قبل الحراك كنتُ متفائلًا.

سمير قسيمي: لم يحررني الحراك من أسئلتي، بل زاد منها وجعلني أقف مجددًا على عبثية الوجود، وجدوى الحلم، مهما كانت الوقائع مؤلمة

  • ما هي طقوس القراءة عند سمير قسيمي في رمضان؟  

في رمضان لا أحب أن أكتب أو أقرأ. أستمتع بالوجود في أسرتي الصغيرة وقضاء أكبر وقت معها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار | رباح بدعوش: الشعر هو الشاهد على الإنسانية

حوار | محمد بن جبّار: الحراك الجزائري تجاوز المثقف والنخبة