01-مايو-2024
(الصورة: فيسبوك) الروائية فضيلة الفاروق

(الصورة: فيسبوك) الروائية فضيلة الفاروق

ترفع الروائية والإعلامية الجزائرية فضيلة الفاروق على كاهلها لواء الثقافة الجزائرية، منذ ثلاثة عقود ببيروت، تلك العاصمة الثقافية الكبرى التي سمحت لها بالانتشار عبر أصقاع مختلفة، منذ إطلاق أولى رواياتها "لحظة لاختلاس الحب" قبل أن تشتهر بثلاثيتها "تاء الخجل" و"اكتشاف الشهوة" و"مزاج مراهقة"، وتعود لاحقًا عبر "أقاليم الخوف"، ولا يزال في جعبتها الكثير.

فضيلة الفاروق لـ "الترا جزائر": لماذا أنا مغيّبة عن معرض الكتاب سنويًا مثلًا؟ ولماذا حين أدعى يتم التعامل معي بقلة احترام؟

صنعت فضيلة ملكمي، وهذا هو اسمها الحقيقي، خطًّا روائيًا جديدًا، عبر تيمات غير مسبوقة وطنيًا وعربيًا، تأسست فنيًا وجماليًا على كسر الطابوهات المتعلقة بالعنف والاضطهاد والاغتصاب، كما لو أن هذه المشاغبة التي فرّت من الطب صوب الأدب، عادت لتجعل من قلمها مشرطًا تعالج به كل أنماط الظلم الممارسة ضد النساء في المجتمعات الذكورية والبطريركية، حيث الأنثى فريسة أبدية لصراع لا تملك فيه حق تقرير المصير، ولا الدفاع عن نفسها ضد قهر متعدد الأشكال.

وطبعًا، كلفها ذلك تنميطًا تقول عنه لـ "الترا جزائر": "هوجمت كثيرًا من طرف التيارات الدينية والأصوات المحافظة المتشددة، فوصفت بأبشع النعوت من قبل عوام ومثقفين، ولم أبال بذلك. لا أبالي بذلك لأن الناس يحبون تصنيف البشر وفق أهوائهم وأيديولوجيتهم، وهذا أمر يخصهم ولا يعنيني في شيء. فأنا امرأة صوفية متدينة على طريقتي، أمارس الصلاة والصوم ولي نظرتي الخاصة للدّين فأنا تربيت في عائلة محافظة متدينة متسامحة ومعروفة على مستوى الأوراس بالعلم والأخلاق الطيبة. استعذب أصوات المقرئين مثل شيوخ القراءة: الحصري والمنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد وأبو العينين شعيشع.

للتدليل على ذلك صنفت في الجزائر بالمتمردة بسبب أفكاري وطريقة لباسي، ثم عندما انتقلت للعيش في بيروت صنفت بالمرأة المحافظة، جراء ممارساتي الدينية.. تضحك متعجبة لتضيف: " هذا يعني أن البيئة والمجتمعات المحلية هي التي تصبك في قالبها الخاص وتعلّمك بوسم كما لو أنك شيء أو سلعة، أمّا جوهري الحقيقي فهو أني آدمية أدافع عن قضايا حواء، وامرأة واعية بأنوثتها، وعلى المرء الذكي أن يعيش مستقل الإرادة دونما اعتبار لتلك التصنيفات".

العودة إلى المدرسة

تفضل فضيلة الفاروق، العودة من حين لآخر، إلى مسقط رأسها، بمدينة آريس، الواقعة إلى 60 كلم شرق ولاية باتنة شرقي الجزائر، فهي ولدت هناك العام 1967، وسط عائلة ملكمي المتخصّصة أبا عن جد في الطب، وهي الوحيدة التي شذت عن الطريقة العائلية، حينما رمت مئزر الطبيب لتمسك بقرطاس الأديب، ضدَّ رغبة والدها بعد عامين من دراستها له بجامعة باتنة.

في الأصل ينحدر بنو ملكم من منطقة "هاجموث" أو تاجموت، (جمينة) المعروفة بملجأ ديهيا الكاهنة، الواقع جنوب الأوراس بين باتنة وبسكرة، ثم استقروا بآريس، بعد ان اُقتُلِعوا من طرف الاستعمار من هناك.

آريس التي عادت إليها خلال رمضان الفارط لتعتزل العالم، وفي هذا تقول لـ "الترا جزائر": " أعود بين فترة وأخرى لآريس التي أعشقها كثيرًا، وغالبًا ما تتسم زياراتي بالسرية، فأنا لا أخبر سوى عددًا قليلًا من الأصدقاء كي لا أفسد عطلتي. وفي هذا العام قضيت شهر رمضان وأول أيام العيد هناك بين الأهل والأصدقاء في آريس، وشهرًا آخر وزّعت أيامه بين قسنطينة وعنابة والعاصمة، ووقفة قصيرة بباتنة.

زرت تكوت، مثلًا ووثق صديقي حسين عمّاري هذه الزيارة بكاميرته. عشت أيامًا جميلة كسائحة حرة في العديد من المناطق، ملتزمة ببعض الثوابت المستمرة عندي، منها أمران أساسيان، العودة للمدارس التي تتلمذت فيها بآريس، ولقاء بعض أساتذتي الكرام على رأسهم أستاذي بلقاسم لحمر، والاجتماع من جديد بأصدقاء الطفولة، نستعيد ذكرياتنا أيام الابتدائي والمتوسط منذ نصف قرن".

أسألها عن الجدوى فترد في تأثر حميمي: "مهم بالنسبة لي أن أتغذى من مرحلة الطفولة، لأنها تعبر عن شيء جوهري وغير مزيف هو الصداقة بلا مصلحة. تلك الفترة مصقولة في قلبي بكل تفاصيلها، حتى أني استمتع برؤية الرعاة بقطعان الماعز على الطريق، والاستماع ليلًا لنقيق الضفادع وأصوات الصراصير، ونداء الآذان المرفوع بالطريقة الجزائرية خاصة فجرًا، وبترتيل القرآن المنبعث من المساجد، الذي يذكرني بالقراء الذين ترعرعت على أصواتهم، وقد ذكرتهم سابقًا (الحصري وعبد الباسط والمنشاوي وأبو العينين شعيشع).

في السحور هناك متعة لا أجدها سوى في آريس، وأشتم إنها رائحة "المدهون" الذي تحضره النسوة احتفاء برمضان، ممزوجة برائحة القهوة، باختصار كان وقتًا سعيدًا للغاية، استرجعت فيه الروائح والأصوات والوجوه، ويوم رجعت في الطائرة إلى بيروت بكيت، كما بكيت أول مرة العام 1995 حينما غادرت البلاد".

في واقع الحال، اعتكفت فضيلة بآريس لرعاية أمها المريضة التي ربتها على مدار 16 عامًا، ذلك أن لها أمّان، الأولى التي أنجبتها يمّا خديجة والأخرى التي ربتها: ماما كلثوم.  

لذا لم تشأ هذه "الملكمية" التي تصف نفسها بالذات المقسومة بين شطرين، أمّين وأبين، أن تشعر "المامّا" -كما تنعتها -بالوحدة القاسية، إذ تفسر: "عكس الرجال الذين يمرضون أو يهرمون، تعاني النساء في مثل هذا السن من العزلة المكثفة، لذلك رغبت في أن أمتلئ بها، وتمتلئ بي. كما رغبت أن أسترد بعضًا من أيام طفولتي هنا، أنا المرأة التي يسكنها الماضي بأدق تفاصيله".

أدب ضدّ الذكورية

ركزت فضيلة على موضوعات حساسة في رواياتها، تخص موضوع الأنثى داخل البنية الذهنية والاجتماعية والدينية للمجتمعات الذكورية، بدءًا من مجموعتها "لحظة لاختلاس الحب" 1997، و"مزاج مراهقة" سنة 1999، وروايتي، "اكتشاف الشهوة" 2005، و"أقاليم الخوف" 2010.  

قبل ذلك كان لا بدّ من محطة لاختبار أدبها المتمرد، فقد رفضت دور نشر عديدة طباعة رواية "تاء الخجل"، ذلك المخطوط الذي تشرّد لأعوام بين أهم دور النشر اللبنانية والعربية التي رفضته بالمطلق والمفرق، قبل أن تقرر دار ريّاض الريس الشهيرة تبنيه، بقرار من مالكها، وبتوصية من الشاعر الكبير عماد العبد لله رحمهما الله.

وذلك المنع، أعقبه انتصار للنص على القمع، إذ حظيت الرواية الجريئة بإشادة الفذة غادة السمان، وأكبر النقاد العرب المصري جابر عصفور، والمرموق واسيني الأعرج، فشاركت في ندوات كبيرة بالقاهرة وباريس. بخصوص تلك الرواية التي تعكس مجال اشتغالها وساحة حفرها المفضلين، تكشف: "تطرقت لموضوع مزعج للسلطات السياسية والدينية والثقافية في تلك الفترة، هو اغتصاب النساء، فأدنت تلك الصفقات التي تتم على حساب الضحية، التي يدينها المجتمع بالتسبب في مأساتها. حين لا يُلام الذكر المعتدي بل الضحية المعتدى عليها.

وطبعا كان مقززًا أن أقبل تسوية الموضوع بصفقة كما كان في السابق وربما لا يزال هذا مستمرًا، بأن تتزوج المغتصبة جلادها، كنوع من جبر خاطر المفضوحة، لكنه في واقع الحقيقة مكافأة للغاصب على فعلته ليقوم باغتصابها مجددًا تحت غطاء الزواج الشرعي والرسمي، يحدث هذا بغض النظر عن رأيها، إن كانت تقبل به زوجًا أو لا، كما لو أنها شيء لا نفسًا بشرية تتحلى بالحرية والإرادة، وطبعًا دونما عقاب لائق بالوحش المعتدي".

لتستنتج بالبديهة ما تراه مناسبًا للتنبيه: "أظن أن ذلك التساهل الاجتماعي ثم العرفي والقانوني مع المغتصبين، بلغ درجة التطبيع مع الجريمة، وناقض حق العقاب الصارم والرادع، وهو ما سمح لهؤلاء المرضى السيكولوجيين بالانتقال لفئة هشة أخرى، هي الأطفال، مثلما يحدث في مجتمعنا في السنوات الأخيرة، كظاهرة مستحدثة في الجزائر منذ سنوات".

وإيغالًا في تعميق نزعتها المكرسة للمواضيع الجريئة تعقب: "لا يمكن أن أعالج مواضيع رومانسية في عالم يعج بالبشاعة ضد المرأة، يتناول أدبي مواضيع حقيقية بعيدة عن الترف، فوظيفة الكاتب أن ينتقد من أجل تغيير الذهنيات والقفز بالمجتمع إلى مراحل أخرى من التطور الذهني والفكري وإنهاء التسلط والتعسف وشجب العنف، فغايتي كانت دائمًا أن نعيش اختلافنا في حرية وألاّ يفرض أحد منا طريقة عيشه على الآخرين، أنا داعية وئامٍ مجتمعي بين جميع الاتجاهات الفكرية و الأيديولوجية، شرط الاحترام المتبادل، و أظن أن المجتمعات الفاشلة هي التي تفتقد هذا النوع من العقد الاجتماعي"، و بالضرورة تدافع عن خيارها في حزم: "وعلى هذا المنوال لم أكن أكتب من أجل جوائز أو تكريم، فأنا كاتبة مزاجية أكتب القضايا الجديرة بالتناول، لذا فنصوصي تشبه صراحتي في التعبير عن فكري بحرية تامة ودونما خضوع لأحد سوى الضمير الذي يسكن صدري".

الفجيرة والبوكر

قد لا يعلم كثيرون أن فضيلة عضوٌ مطلوب بكثرة ضمن لجان القراءة و التحكيم لأهم الجوائز العربية الكبرى، حيث شغلت هذا التكليف والتشريف في جوائز وازنة على غرار جائزة الفجيرة والبوكر، ويفتح ذلك الباب لتتساءل في مرارة "تبذل دول الخليج جهودًا ثقافية معتبرةً في باب إنشاء الجوائز الأدبية الكبرى، لكني أتأسف لغياب الجزائر في هذا المجال الثقافي الاستراتيجي، من الحيوي أن تفكر سلطات هذا البلد الغني حضاريًا و ثقافيًا في إطلاق جائزة كبرى تجعل من بلدنا منارة تستقطب ألمع الكتاب و المفكرين، إذ يساهم الأمر في منح حياة حقيقية لمشهدنا الثقافي، فتكون تلك الجائزة قوة ثقافية ناعمة، خاصة مع ظهور جيل أدبي رائع صاعد يواكب طفرة شبابية كبيرة في شتى المجالات مثلما اكتشفت ذلك في آخر زيارة لي منذ أسابيع. الجزائر ليست بلدًا خصب الباطن بالبترول والغاز فحسب، بل بلد ذو شعب خصب وثقافة خصبة. الجزائر ربيع أخضر في شتى المجالات ومن واجبنا تقديم صورتنا الجميلة للعالم، فلن يفعل ذلك أحد سوانا".

الشرعية الأدبية

لا تنسى الفاروق التعريج على ما تراه واجبًا تحذيريًا، من مساوئ المشهد الأدبي والروائي الجزائري، فتقول "ما يحز في نفسي حقًا، هو أني لا زلت وأنا على عتبة الستين، ألحظ أن الكتّاب الذين كنت أقرأ لهم وأنا طفلة لا يزالون يحتلون الساحة ككتاب مكرسين، لكنهم لا يقدمون شيئًا للبلاد. هؤلاء استفادوا من البذخ الذي سبق العشرية السوداء، ثم لا يزالون مستمرين في خدمة أنفسهم لا غير، يُدعَوْن للندوات وتفتح لهم طرق التسهيلات كاملة، ويكرمون بجوائز، فيما لا يفسح لنا المجال أبدًا كما لو أننا صرنا جيل العشرية الخاسرة، ففي كل مرة أتقدم فيها بمشاريع ثقافية للهيئات المعنية، أو أطرح مبادرات، أجابه بعبارة "الإجراءات الإدارية لا تسمح"، وهذه العبارة بالذات مبرّر عزل وتهميش يكتسي طابع الإقصاء الناعم".

 وعطفًا على ذلك تشير:" دُعيت إلى ملتقى الجزائر الدولي والعربي للرواية الذي نظمته الوزارة، شهر شبّاط/فيفري الفارط، بولاية الجلفة غير أني اعتذرت، بسبب المعايير المزدوجة، كنت اشترطت تذكرة مفتوحة كون فترة زيارتي للجزائر لن تكون قصيرة، وطلبت تذكرة درجة أولى مثلما تفعل مؤسّساتنا الثقافية مع أدباء في تظاهرات كثيرة، بينهم من لم يبذلوا ما بذلته في رفع راية الثقافة الجزائرية في لبنان والعالم العربي والدفاع عن قضايا حيوية، إذ أسعى، ومنذ تسع سنوات كاملة، للتعريف بالشخصيات الثقافية الجزائرية والمغاربية عبر التلفزيون العربي 2. وأنا لا أقول هذا تكبرًا وغرورًا، بل طلبًا للاحترام، فأنا ابنة عزّ لا بنت جوع، فلا تهمني الأضواء التي أعرفها منذ سنوات طويلة، بقدر ما يهمني المعاملة الكريمة مثل الآخرين، لا أكثر ولا أقل".

لماذا أنا مغيّبة عن معرض الكتاب سنويًا مثلًا؟ ولماذا حين أدعى يتم التعامل معي بقلة احترام، هل لأني تواضعت في السابق ورضيت بالقليل؟ أم لأني لم أتسوّل من المسؤولين الجزائريين كما فعل غيري؟

 في كل الحالات تعوّدت على الاعتماد على نفسي وعلى مدخولي "نمدّ رجليا على قدّ فراشي" وعشقي للجزائر يكبر ولا ينقص، إنها تجري في دمي وإن كره الكارهون". 

لعنة الذات 

 تأسف فضيلة عن تراجع المستوى العلمي الجامعي بالنسبة للأجيال الراهنة، فتقول: " لاحظت أن طلبة الجامعات المختصين في الأدب، يجهلون الكتاب الجزائريين، فمن المعيب أن ترى دكتورًا في الأدب لم يقرأ لمولود فرعون، أو محمد ديب، و أحمد أزوقّاغ، ومالك حداد، و غيرهم من أدباء البلاد، وأنا حقًا جد حائرة في هذا الإنكار الذاتي الذي سينتهي بهذه الأجيال لعدم الاكتراث وعدم الدفاع عن الهوية الثقافية للبلاد، هذا لم يكن أيام كنا ندرس في الجامعة".

فضيلة الفاروق لـ 'الترا جزائر":  من الحيوي أن تفكر سلطات هذا البلد الغني حضاريًا و ثقافيًا في إطلاق جائزة كبرى تجعل من بلدنا منارة تستقطب ألمع الكتاب و المفكرين

وتستطرد: "إكان أساتذتنا بجامعة قسنطينة مثل حسين خمري و عمار زعموش و عبد المنعم مغزيلي و لخضر عيكوس ربي يرحمهم، ويحيى الشيخ صالح أطال الله عمره يربون ذائقتنا الأدبية و الفنية بروائع النصوص الجزائرية سواءً الفرنسية أو العربية. وطبعًا أظن أن هذا ترك فينا أثرًا هو الدفاع عن المصلحة الثقافية الوطنية بدل الترويج لأنفسنا، لا كما يحصل اليوم مع مكرسين يضحون بقضايا وطنية مقابل الركض وراء جوائز وتكريمات خاصة من هنا وهناك بأنانية مُفرطة".