دُور الثّقافة في الجزائر.. لأيّة ثقافة؟!

دُور الثّقافة في الجزائر.. لأيّة ثقافة؟!

شيدت الحكومة دورًا ثقافية واسعة لكنها لم تلتفت لانتقاء الكفاءات (الموقع الرسمي لدار رشيد ميموني)

ما أجدر دور الثقافة والمراكز الثقافيّة بأن تكون فضاءاتٍ للحياة، ذلك أنّ المفهوم الحقيقيّ للثقافة هو فنّ العيش. فما بالها خاضعةً لروح جدرانها، غلق وانغلاق، لا لروح نوافذها، فتح وانفتاح؟

الانطباع السائد لدى الجزائريّين أن دُور الثقافة حكر على شريحة معيّنة وأن الفرصة الوحيدة لدخولها هي الحفلات الموسيقيّة

كم من مواطن جزائريّ يعلم، مجرّد العلم، أنّه يملك الحقّ في أن يدخل دار الثقافة، فيتلقّى ثقافاتٍ وفنونًا وآدابًا ويقترح وينتقد؟ فالانطباع السّائد لدى غالبيّة الجزائريّين أنّ دُور الثقافة حكر على شريحة معيّنة، وأنّ الفرصة الوحيدة المتاحة لدخولها هي الحفلات الموسيقيّة والتجمّعات الانتخابيّة والحزبيّة، ذلك أنّ معظم نشاطاتها نخبويّة وذات روح معلّبة.

اقرأ/ي أيضًا: المؤسسات الثقافية في الجزائر كأداة لخدمة النظام

بل كم من فنّان ومثقف يدخل دار الثقافة، بإحساس أنّه داخل إلى بيته، بعيدًا عن الإجراءات البيروقراطيّة والبروتوكليّة والتشنّجات المفتعلة؟ هل يعقل أن يكون الحارس أو العون الإداريّ أو الأمنيّ، أكثر راحةً وسلطةً في دار الثقافة، من المنتج للفعل الثقافيّ أو متلقّيه، الذي وُجد الفضاء من أجله أصلًا؟

قلت لأحد المدراء: هل تعي ما معنى أن يأتي كتّاب جزائريّون وضيوف من الخارج إلى دار الثقافة؟ لقد كنا ننتظر منك أن تسقينا قهوة، من باب الانسجام مع ثقافة بيئتك، التّي ترى عدم القيام بالواجب مع الضّيف عارًا، فإذا بك أغلقت المراحيض دوننا! فأيّ منطق ثقافيٍّ هذا، الذّي يستكثر علينا أن نبول، بعد أن بخل علينا بفناجين قهوة؟

وقلت: هل تدري أنّ بعض الكتّاب قد نالوا جوائز وازنة، وبعضهم مؤهل لذلك؟ فما بالك لم ترسل مصوّر المؤسّسة ليلتقط لهم صورًا تغذّي بها الأرشيف؟ ما بالك لم تربطهم بالكتّاب الشّباب ليستفيدوا منهم؟ ما بالك لم تحتفظ بأرقامهم وإميلاتهم؟ هل أنت مسؤول عن فتح الأبواب وإغلاقها، وتسيير رواتب الموظّفين فقط؟

هل يعقل ألّا تضبط إدارة دار الثقافة برنامجًا ثقافيًّا في شهر رمضان، بما له من خصوصية السّهر والسّمر لدى الجزائريّين؟ وإذا فعلت فهي تفعل ذلك بعيدًا عن استشارة المحيط الثقافيّ والفاعلين فيه والعارفين بطبيعة المحيط الاجتماعي، رغم أنّهم في متناول اتصالها واللّقاء بهم؟

لقد شيّدت الحكومة، في السّنوات الأخيرة، صروحًا ثقافيّة واسعة وأنيقة وثريّة بالوسائل والإمكانيات، لكنّها لم تلتفت إلى معطيات صميمة، منها أنّها لم تنتقِ الكفاءات الحقيقيّة والخدومة والمحبّة للفعل الثقافيِّ وفاعليه، لتسييرها وربطها بالمحيط العامّ، على ضوء إستراتيجية واضحة المنطلق والأفق، ما عدا حالاتٍ محدودةً، تعاني هي نفسها بسبب تميّزها وانفتاحها، من ضيق مساحة المبادرة، ومن الأذرع المكسورة المفروضة عليها فرضًا.

إذ ما معنى أن يلجأ شابّ ممارس للفنّ إلى الانخراط في المؤسّسة العسكريّة، بسبب الحاجة، فيما يُوظّف شابّ لا يملك ميزةً ما عدا العضلات المفتولة في المؤسّسات الثقافيّة؟ فلا نحن انتفعنا به فيها، ولا انتفعنا بالفنّان في أسلاك الأمن والجيش؟

إننا نعيش زمنًا جزائريًّا بات ينزعج فيه قطاع واسع من مسيّري الثقافة، من إقبال المثقفين، علمًا بأن الثقافة تُعاش وتُمارس لا تسيّر

إننا نعيش زمنًا جزائريًّا بات ينزعج فيه قطاع واسع من مسيّري الثقافة، من إقبال المثقفين! علمًا بأن الثقافة تُعاش وتُمارس لا تسيّر، فليس في السّويد مثلًا وزارة للثقافة. وينزعج المعلّم من إقبال الطّلبة، وينزعج الإمام من إقبال المصلّين، وينزعج التّاجر من إقبال الزّبائن! في ظلّ نظام سياسيٍّ مترهّلٍ ينزعج من إقبال المستقبل! مع العلم أنّ أكثر الأزمنة أنفةً وعزّةَ نفسٍ هو المستقبل. فكيف ننتظر منه أن يأتي، وهو غير مرحّب به تمامًا؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثقافة الجزائرية: حين تصير الرداءة منظومة حاكمة

المثقف والسّلطة في الجزائر.. قناع لوجهين