رواية

رواية "بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة".. قدرة الأدب على تغيير مصائر الناس

لوحة "القارئ" (غسّان كنفاني)

منذ أيّامٍ قليلة، فرغتُ من قراءةِ رواية صينية معاصرة لكاتب صيني يُدعى داي سيجي، وعنوانها "بلزاك والخيّاطة الصينية الصغيرة"، وكانت الرواية بحقٍّ مُمتعة، قرأتها بنفس واحد، كما لو كانت قطعة شهية من الحلوى. حينها، وأنا منغمسٌ في تلك المتعة تساءلت: أليست وظيفة الرواية، بالأساس، خلق هذه المتعة لدى القارئ؟

قراءة بعض الروايات هي أشبه بالخضوع لعملية تعذيب، ومع ذلك لا يشعر الروائي بتأنيب ضميره الأدبي

لمن لم يقرأ هذه الرواية بعد؛ فهي تدور أحداثها في إحدى القرى الفقيرة في الصين الشعبية، في فترة حكم الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، وهي الفترة التي اتسمت بالانغلاق السياسي والاجتماعي والثقافي. لقد وضع ماو نُصب عينيه مشروع تأهيل النخب المثقّفة في الجبال والقرى الفقيرة، لأنّه كان أشدّ الناس كراهية للمثقفين.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "هالوسين" لإسماعيل مهنانة.. كتابة الكارثة

لقد كان مشروعه الاجتماعي يتمثّل في منح الأولوية للمهن الزراعية والصناعية، أما الفنون والآداب فليست في نظره إلا أدوات لإفساد الشباب، لاسيما الآداب الغربية.

قد تبدو الرواية، من حيث اشتغالها على مرحلة تاريخية حاسمة في الصين، رواية ملتزمة سياسيًا بفضح مرحلة ماو، لكنها، ومع ذلك، لم تسقط في مستنقع الإيدولوجيا، بل احتفظت بقدرٍ كبير من الجمالية ومن الفنيّة، ومنحت للقارئ تلك المتعة التي يبحث عنها.

سنكتشف في الرواية، قدرة الأدب على تغيير مصائر الناس، وكيف يمكن للكلمة التخييلية أن تقلب منظومة فكرية وأيديولوجية بأكملها؛ حقيبة مليئة بروايات بلزاك، كانت النافذة السحرية التي فتحت وعي بطل الرواية على عالم مختلف.

أعتقد أن الرواية الممتعة هي التي تعرف كيف تتحايل على صلابة الحقيقة التاريخية، وتعرف أساليب نسج الحكايات الممتعة من الواقع. ما أريد أن أصل إليه، من خلال استحضاري لرواية سيجي هو هذا السؤال بالذات: هل انتبه الروائي عندنا إلى عامل المتعة عند تأليفه لأعماله الروائية؟

أن يفكّر الروائي في عامل الإمتاع هو دليل انتباهه إلى القارئ، فعلى الرواية أن تقدّم دليلًا على أنّها ترغب في قارئها. الغالب أنّ الروائيين يهتمون بأنفسهم بالدرجة الأولى، أي ما يشغلهم، هو ما يُمكن أن تمنحه لهم الرواية. في حين لا يطرحون السؤال من الزاوية الأخرى: ما الذي يُمكن أن يقدّموه للقارئ؟

إنّ قراءة بعض الروايات هي أشبه بالخضوع لعملية تعذيب، ومع ذلك لا يشعر الروائي بتأنيب ضميره الأدبي، لأنّ امتاع القارئ ليست أولوية بالنسبة له، الأولوية ربّما تكون في الحصول على جائزة. لقد قال رولان بارت معرّفًا القارئ بأنه ذلك الشخص المنفيّ في كليّته في سجّل الخيال، فلماذا يعمد بعض الروائيين إلى طرده من تلك المملكة؟ مملكة المتعة.

لا أظنّ أنّ الرواية التي تعاني من خللٍ في التخييل قادرة على امتاع القارئ، فبعضها ليست إلا نصوصًا سليمةً لغويًا، ومردُّ هذا في نظري أنّ الروائي لم يطوّر أدواته التخييلية، بل ظلّ حبيس الإطار المحدود لوعيه بالواقع الذي يعيش فيه، وليس غريبًا أنّ هناك من مازال يكتب عن مآسي الحبّ بنفس الرؤية السائدة، وبنفس الحكايات المستهلكة، وبنفس اللغة الغنائية الحالمة أو الموجوعة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصص "أخبار الرازي".. هل يحكم الجنون العالم؟!

رواية "الحي السفلي".. سجل سياسي لانتحار بطل كافكاوي