21-أكتوبر-2023
 (الصورة: Getty)

مظاهرات حاشدة في الجزائر للتنديد بالعدوان على غزة (الصورة: Getty)

انخرط الإعلام الغربي في صف الاحتلال خلال اعتداءاته المتكرّرة على قطاع غزة،ومحاولة التركيز على سرديته الإعلامية المبنية على خطاب الكراهية والتمييز بين الضحيةوالجلاد، في سياق دولي يحاول من وراءه تزييف الحقيقة وتضليل الرأي العام.

الترويج لفكرة " القضية المعقدة" التي لا تستدعي موقفًا عاجلًا، يعتبر أحد الاستراتيجيات التي يتكئ عليها الإعلام الغربي للتأثير في الرأي العام

الملاحظ أن الاحتلال اتخذ استراتيجية إعلامية لتضليل الجمهور وتحييد الرواية الأخرى، وهذا نهج اتخذته الآلة المبنية على المشهدية الزائفة لعقود من الزمن، إذ ترجع إلى خطة "تجريف الفكر" و" تغليف العقل" وتلجيم القلب"، بالمحصلة هي صناعة خططت في دواليب سلطات العديد من الدول.

في البدايات الأولى للمجازر في غزة، تتعامل الآلة الإعلامية الغربية مع الأحداث والحقائق وكأنها "وِجهة نظر" تحتمل عدة احتمالات وقراءات، وهذا ما ينفي حقيقة الميدان، إذ يفتح هذا الإعلام فضاءاته لإثارة الجدل حولها مغلفة بالأكاذيب، مبتعدًا عن الحقيقة أو بعبارة أخرى حقيقة الجرائم المقترفة في حق الشعب الفلسطيني، واختلاق مبررات سريعة، يمكن كشف ألاعيبها مع مرور الزمن.

ومن خلال المنظور الاتصالي، اعتمدت الآلة الإعلامية التي تروج للاحتلال في فلسطين على أنماط معلوماتية وتكرارها لتأدية مهام متعددة لعملية "الغرس الثقافي"، أو كما يشبهها علماء الإعلام والاتصال بـ"الحُقنة تحت الجلد"، ومفعولها يستمر على مهل، لكن تلك الحقنة الإعلامية يستجيب لها عقل المتلقي بالتكرار، وتصبح مجموعة حقن تتطلب الاستمرار الدائم.

الاعتماد على الدعاية والتكرار هو مطية من مطايا الإعلام الغربي، الذي بات اليوم يقبل الرواية " المضللة" أو " الكاذبة" أو الرواية التي تقدم له على طبق من دون مقدمات، راجع إلى مفعول تلك الحقن المتتالية على مدار سنوات طويلة، إذ يرى أستاذ الإعلام عبد الكريم فراج الباحث في سلك الدكتوراه بأن "سردية الدعاية التي استخدمها الاحتلال على طول السنوات الماضية تستند على "الأكاذيب التي صارت حقيقة في العقل الغربي".

فالأكذوبة التي تمررها تلاك الوسائل الثقيلة من تلفزيونات وقنوات كبرى والخفيفة من خلال مواقع السوشيال ميديا تستمد قوتها من مقاومة الجانب الآخر، أي أنها تتركنا دومًا في موقف دفاع ورد فعل وليس فعل، وهي الصورة التي سقطت اليوم، إذ أبان الشعب الفلسطيني قوته في الفعل ثم التحدي ثم الصمود بمبرر القضية العادلة.

وفي المقابل من ذلك، فإن الإعلام الغربي وجد نفسه يتخبط في رواية سردية مليئة بالتشويه، مغلفة بـ"معلومات مُضَلَّلَةّ ومُظَلِّلَة" يتبناها الإعلام كالعادة ويقدمها على أنها حقيقة، دون البحث عن الأدلة أو الحجج أو البراهين، وحتى وأن كانت الأدّلة متوفرة فهو يستخدم " تأطيرًا إعلاميًا" قوامه "رؤية ما تريده حكومة الاحتلال ثم تصديقه"، والتغافل عن المجازر التي يقترفها منذ عقود.

هذه السياسية التحريرية كثيرًا ما تلجأ إلى وضع " أجندة إعلامية وسياسية" تتحكم في توزيع ونشر المعلومات، بواقع "حارس بوابة المؤسسات الإعلامية"، إذ تعمل الآلة داخل قاعات التحرير على فلترة وتصفية دقيقة، وغالبًا ما يكون الحارس ليس شخصًا طبيعيًا، أو مسؤولًا واحدًا  أو حتى مجموعة، بل هي "حراسة يشترك فيها الكثيرون ممن تمكنوا من السيطرة على العقل الغربي وفق سردية واحدة"، يؤدي وظيفتها العشرات بدء من المسؤول الأول على المؤسّسة الإعلامية إلى المراسل على الأرض، الذي يعيد إنتاج سردية تنسجم مع العقل الاستعماري بشكل "رقابة ذاتية" تصبح مع مرور الزمن قالبًا إعلاميًا لا يمكن الخروج عنه أو الإفلات منه حتى وإن كان الواقع عكس ذلك تمامًا.

اقتراف مجزرة في مستشفى المعمداني بغزة كانت مفضوحة وكاملة الأركان غير أن الإشاعات التي حاول الترويج لها هي تقديم مبررات واهية، قوامها لعب دور الضحية وادعاءاته بتبرير الهدف

من المسلمات في الإعلام الغربي، مغالطات ينظر إليها بعين واحدة، فاقتراف مجزرة في مستشفى المعمداني بغزة كانت مفضوحة وكاملة الأركان، غير أن الإشاعات التي حاول الترويج لها هي تقديم مبررات واهية، قوامها لعب دور الضحية وادعاءاته بتبرير الهدف، ما أحرج بعض الأنظمة خصوصًا أمام بشاعة الموقِف، ونتائجه المروّعة، وهنا استعمل الإعلام عملية القطع واللّصق، عن طريق نزع الأحداث من سياقاتها وهو أمر خطير تلجأ له بعض السلطات من أجل الاستمرار في تصوير الاحتلال بأنها ضحية "اعتداء".

رغم اتضاح حقيقة ما يجري في الأرض المغتصبة، وتشريد الفلسطينيين والجرائم التي لم تتوقف الآلة العسكرية على اقترافها مزيدًا من المجازر، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان، إلا أن الترويج لفكرة " القضية المعقدة" التي لا تستدعي موقفًا عاجلًا، يعتبر أحد الاستراتيجيات التي يتكئ عليها الإعلام الغربي للتأثير في الرأي العام.

من هذا المنظور تشير أستاذة العلوم السياسية بجامعة الجزائر ليلى مصمودي إلى أن اللافت في كل الحروب في فلسطين المحتلة، اقتناع الرأي العام الغربي بأن سلطات الاحتلال دائمًا تعيش في "مواجهة وهجوم"، مع التغاضي عن جرائمه المرتكبة في حق الفلسطينيين، وتجاهلها لذلك.

ومثّلت الحرب في غزة، بإنّ هناك "إعلام المصالح" الذي يسعى دائما إلى تقديم الحجج من جانب واحد، تضيف محدثة " الترا جزائر"، من خلال المواد المنشورة والمبثوثة، ما يستدعي النظر إلى استعمال الكيل بمكيالين في توصيف الفلسطينيين باستخدام كلمة "مجرمين"وليسوا أصحاب الحقّ وبذلك نزع صفة "المدنيين" عنهم مثلما تفعل في الجهة المقابلة، في خطاب مزدوج يروج دوما لرواية الاحتلال المجحفة.

الحملات الإعلامية، تُظهر مدى تأثرها بالأجندات السياسية الظاهرة والخفية

في المقابل من ذلك فإن الحملات الإعلامية، تُظهر مدى تأثرها بالأجندات السياسية الظاهرة والخفية، في وقت لم تخف الشبكات الإعلامية الدولية موقفها المساند للتوجّه الرّسمي للاحتلال.