من يطفئ حرائق المنظومة الأخلاقية؟

من يطفئ حرائق المنظومة الأخلاقية؟

برانارسا/ روسيا
 

إذا حدث فعلًا أنّ حرائق خنشلة وما تلاها من حرائق المناطق الأخرى شمالًا وجنوبًا وقعت بفعل فاعل، أغلب الظّنّ أنّ البعض أراد أن يمهّد لأيام ما قبل عيد الأضحى بتوفير الفحم، وهذا بات عادةً لدينا في كلّ المناطق وفي كلّ السّنوات، فإلى أيّ نفسيّة احتاج الفاعل حتّى تجرّأ على فعلتها؟

إنّ سيادة هذا النّوع من الأنانيات (المهم نقضي صلاحي أو المهم تخطي راسي) هو الذّي أدّى بقطاع واسع من المسؤولين مدنيّين وعسكريّين إلى مبادرة كلّ حركة للتّغيير بالإجهاض

كيف لم يخطر على باله أنّ الأمر سيؤدّي إلى حرق الإنسان والمكان والحيوان والثّروة الغابيّة التّي يتنفّس من خلالها هذا الثّالوث ويعيش؟ كم كان سيجني من عائدات الفحم؟ ألم يفكّر في أنّه سيكون سببًا في موت أرواح؟ ولنفرض أنّ الوضع العامّ الذّي تسبّب في فقره وحاجته إلى المال دفعاه إلى أن يتاجر في الفحم؛ لماذا لم يكتفِ بأن يقطع ما يكفيه من أشجار، ثمّ يعزلها عن الغابة ويحرقها حتّى تتفحّم، فيحصل على مرغوبه من غير أن يتسبّب في كارثة؟

اقرأ/ي أيضًا: رواية "طير الليل" لـ عمارة لخوص.. العنف كان البداية

إذن نحن بصدد إنسان جزائريّ مستعدّ لأن يحقق مصلحته الشّخصيّة على حساب وطن كامل. وبصدد منظومة قيم دينيّة ووطنيّة وأخلاقيّة وحضاريّة وإنسانيّة وقانونيّة لم تعد قادرة على أن تعصم مواطنَها من اقتراف أفعالٍ أنانيّة تصل إلى حدّ قطع الأرزاق وإزهاق الأرواح بأعصاب باردة! وما يثير الخوف ليس هذا المآل في حدّ ذاته، فكلّ الشّعوب في كلّ المراحل معرّضة لهيمنة هذه الأنانيات القاتلة، بل الخوف من كون المنظومات المعنيّة برصد سياقات تشكّل الظّاهرة وانتشارها، وبوضع "واقٍ من الصّدمات" فورًا، ثمّ إيجاد الحلول النّاجعة لها مستقيلة تقريبًا من أداء مهامّها على المستويين الحكوميّ والشّعبيّ، بما يؤشّر على أنّ النّار لن تتوقّف قريبًا أو لن تبقى محدودةً في الزّمكان

إنّ سيادة هذا النّوع من الأنانيات (المهم نقضي صلاحي أو المهم تخطي راسي) هو الذّي أدّى بقطاع واسع من المسؤولين مدنيّين وعسكريّين إلى مبادرة كلّ حركة للتّغيير بالإجهاض، وأدّى بقطاع واسع من الشّعب إلى أن يتطوّع بأن يكون أداة ذلك الإجهاض، على حساب مستقبل أجيال ممتدّة! وأدّى بقطاع واسع من المنتمين إلى قطاع التّربية إلى تصحير المدرسة لأجل أن ينعشوا كارجات الدّروس الخصوصيّة. وأدّى بقطاع واسع من المنتمين إلى قطاع الصّحة إلى تصحير المستشفى العموميّ لأجل أن ينعشوا عياداتهم الخاصّة. وأدّى بقطاع واسع من المحسوبين على النّخبة المثقّفة إلى التّواطؤ مع منظومة ثقافيّة مريضة وكابحة لإقلاع الوعي لأجل مكاسب تافهة وعابرة، وأدّى بقطاع واسع من الإعلاميّبن إلى التّهافت على صحون السّلطة، كانت آخرَها الانتخابات التّشريعيّة؛ عوضًا عن الاضطلاع بدورهم التّاريخيّ في إضاءة الحقائق والدّفاع عنها. والحديث قياس على رجال العدالة والقضاء والجامعة والجامع والجمعيات.

تحدث كلّ هذه الخرابات في ظلّ انخراط الجميع في الاحتفال بستّة عقود من الاستقلال. أي أننا وصلنا إلى درجة متقدّمة من الكذب باسم الوطن الذّي بات مؤهلًا أكثر من أيّ مرحلة سابقة للعودة إلى مربع الاستعمار، لأن الاستعمار الحديث يقوم على اختراق الشّعوب المثقوبة أخلاقيًّا وثقافيًّا؛ حيث تعلو مصلحة الفرد أو الجهة أو الشّلّة على مصلحة المجموعة الوطنيّة؛ بالموازاة مع حرق الرّموز الوطنيّة الدّالة عليها. ويأتي الأوراس في صدارة هذه الرّموز

لصالح من تأخّرت السّلطة القائمة في نجدة الأوراس المحترق إذا لم يكن لصالح التحاقه بخطاب الانفصال، من خلال جعله يندم على وطنيته التّي لم يتخلّ عنها أبدًا؟ فقد طَفَتْ نبرة تقول: "هل كان التّأخّر سيحصل لو تعلّق الأمر بمنطقة أخرى؟". والكلام موجّه لمنظومة الحكم التّي لم تتأخّر فعلًا في نجدة مناطق أخرى تعرّضت لكوارث شبيهة سابقة، وهي جديرة بالنّجدة حتمًا. هذا حقّها. ولقطاع من الشّعب لم يتأخّر فعلًا عن مؤازرة جهات خارج الحدود الوطنيّة. وهي جديرة بذلك. لكن أن تصبح مؤازرتها أولى من مؤازة الدّاخل؛ فإنّ في ذلك اختلالًا مخلًّا بأمننا القوميّ ووحدتنا الوطنيّة يقتضي أن نعالجه.

لو وجد الرّئيس مستشارًا واعيًا فعلًا بطبيعة اللّحظة الوطنيّة القائمة ورهاناتها وفخاخها، لأقنعه بأن يستنجد بحكومة ذات توجّه ثقافيّ وتربويّ وحضاريّ وأخلاقيّ

 

لو وجد الرّئيس مستشارًا واعيًا فعلًا بطبيعة اللّحظة الوطنيّة القائمة ورهاناتها وفخاخها، لأقنعه بأن يستنجد بحكومة ذات توجّه ثقافيّ وتربويّ وحضاريّ وأخلاقيّ، لا بحكومة ذات توجّه ماليّ واقتصاديّ. فالمشكلة القائمة هي أن ثمّة مواطنًا يحرق غابة من أجل كيس فحم! وإنّنا إذا لم نضع برامج ثقافيّة وتربويّة لإزالة هذا الورم الأخلاقيّ، فإنّنا سنجد أنفسنا، حتّى وإن نجحت هذه الحكومة الاقتصاديّة؛ في إغراقنا بالأموال، أمام فساد جديد لا يختلف عن فساد المرحلة البوتفليقيّة لقد أصبح شطر من الشّعب والنّظام معًا خطرًا على الوطن ووحدته ومستقبله. فهل نحن منتبهون؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

متى ستُوثق السينما الجزائرية لجزائر الحاضر؟

السينما الجزائرية.. أفلامٌ في العراء