28-أغسطس-2019

الحراك الشعبي رفع شعارات تنتقد تغطية وسائل إعلامية للحدث (رياض كرامدي/ أ.ف.ب)

لم يكن الإعلام الجزائري منذ الاستقلال، بمنأىً عن الأحداث السياسية وتأثيرات أنظمة الحكم المتعاقبة على البلاد، فكلّ التحوّلات التي مسّت قطاع الإعلام، تزامنت مع تغييرات السلطة والثورات الشعبية؛ فكان قانون الإعلام سنة ثمانين، تزامنًا مع الربيع  الأمازيغي، وقانون الإعلام سنة تسعين، الذي أقرّ التعددية الإعلامية، تزامنًا مع ثورة أكتوبر 1989، وصولًا إلى قانون الإعلام الأخير سنة 2012 الذي تزامن مع عُرف إعلاميًا بثورات الربيع العربي، ليليه القانون الذي أقرّ الانفتاح الإعلام على مجال السمعي البصري سنة 2015.

 السلطة الرابعة في الجزائر خاضت العديد من المعارك منذ انطلاق الحراك الشعبي

يعرف الإعلام الجزائري اليوم، واحدة من أكثر المراحل الجدلية والمثيرة للنقاش، مردّ ذلك بحسب مختصّين في الشأن الإعلامي؛ إلى تأثيرات الحراك الشعبي والتغيّرات السياسية الحاصلة في البلاد، وخضوعه للضغوطات التي تمارس عليه من طرف صنّاع القرار في السلطة مرّة، واستفادته من هامش الحريّة التي فرضّتها المسيرات الشعبية مرّة أخرى، لينتهي به الأمر، مرفوضًا وممدوحًا في الشارع، من خلال الشعارات التي رفعها متظاهرون في المسيرات.

اقرأ/ي أيضًا: الأخبار الكاذبة.. سيف على رقبة الحراك الشعبي!

الصحافي ضحية

منذ بدء مظاهرات الحراك الشعبي في الجزائر في الـ 22 فيفري / شبّاط الماضي، شهدت العلاقة بين الإعلام والحراك الشعبي ارتباكًا كبيرًا وتباينًا في المواقف، وهو ما أحدث شرخًا بين الحراك والإعلام في الأسابيع الأخيرة، و خلقت حالة من التوتّر بين المتظاهرين والصحافيين في الشارع، وظهرت شعارات تتهم الإعلام بالتضليل والانحياز للسلطة والخضوع للإملاءات.

يُجمع متتبّعون، أن السلطة الرابعة في الجزائر خاضت العديد من "المعارك" منذ بدء الحراك الشعبي، إذ يعتبرها البعض من مهنيي القطاع خطوات تحسب للصحافيين، خصوصًا خلال القفز على بعض القواعد المهنية التي فرضتها بعض القنوات التلفزيونية والإذاعية العمومية، أثناء تغطية الأحداث.

 شهدت فترة الحراك، احتجاجات الصحافيين في القطاعين العمومي والخاص، ضدّ التضييق على حريّة الرأي والتعبير، ودفاعًا عن حقّ المواطن في المعلومة، والالتزام بأخلاقيات العمل الصحافي أثناء تغطية المسيرات الشعبية، لضمان خدمة عمومية للجمهور.

أعداء الحراك الشعبي

في الميدان، وفي مثل هذه الظروف، ليس من السّهل بمكان أن ينجز الإعلامي تغطية كاملة للأحداث، إذ يجد نفسه أمام كم هائل من المعلومات مع تواترها وسرعتها في التدفق فضلًا عن تناقضها أحيانًا.

يجمع كثير من الإعلاميين، على أن الميدان يكشف الكثير من الشروخ في التغطية الصحافية والتناول الإعلامي للأحداث، يقول الصحافي بقناة "الشروق نيوز" محمد شارفي إنّ الإعلام في الجزائر أثبت أنه كان ولا يزال أداة من الأدوات الناعمة لأجنحة السلطة، "فلا يزال الإعلام العمومي حكوميًا ولا يزال الإعلام الخاص غير مستقلّ، بل ازدادت الخطوط الحمراء تشابكًا".

بالعودة إلى بدايات التغطية الإعلامية للمسيرات، أضاف شارفي لـ" الترا جزائر"، أن الإعلام ساير الحراك لفترة قصيرة في أيّامه الأولى، إذ انخرطت جميع وسائل الإعلام في سياسة الترويج لمخططات الحاكم الجديد، وتبرير مواقفه، بل تولّى مهمّة الردّ على خصومه وخوض معارك بالنيابة عنه، على حدّ قوله.

يستدرك المتحدّث، أنّ ما يحدث في الساحة الإعلامية لا يمكن تعميمه على جميع الوسائل الإعلامية، فهناك "وسائل إعلامية لم ترضخ للحاكم الجديد، ولكنها انخرطت هي الأخرى في أجندة الأجنحة المتصارعة، واستعمال الأساليب نفسها للردّ على الخصوم، وهو ما يجعل مقولة  أن الحراك حرّر الجميع غير دقيقة".

تعليقًا على واقع الإعلام الجزائري، يقول شارفي إنّ أغلب وسائل الإعلام الثقيل ضُربت في مصداقيتها نتيجة الدور المشبوه المفروض عليها، "وهو ما حوّلها إلى خصم للحراك الذي يرفع شعارات مناهضة لكبرى القنوات الجزائرية، ويدفع الجزائريين في مقابل ذلك الجزائريين إلى التوجّه نحو الإعلام الأجنبي مرّة أخرى ".

المهنية والأمر الواقع

يبدو أن الأزمات وحالة التغييرات التي تعرفها الجزائر منذ استقالة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل/ نيسان الماضي، أثّرت بشكل لافت على الإعلام، وكشفت مختلف نقاط ضعفه، التي تراكمت منذ سنوات على الانفتاح الإعلامي وبخاصّة فتح مجال السمعي البصري.

من جهته، يعتقد رضوان بوجمعة، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، بأن الحراك الشعبي "عرّى الإعلام أمام الرأي الجماهيري أو الرأي العام، خصوصًا مع انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وتلقف المعلومات في حينها، موضحًا بأن المؤسّسات الإعلامية في الجزائر، هي اليوم أمام مفترق طرق بسبب تبعيتها لمختلف العصب في منظومة الحكم في الجزائر".

وشدّد بوجمعة في حديثه إلى " الترا جزائر"، على أن الحراك الشعبي لن يتوقّف في هذه النقطة، بل سيقوم بفرز كامل لعدة مشكلات نشهدها اليوم، مشدّدًا على أن الإعلام لن يطاله التغيير المنشود وسيحمل نقمة المواطن عليه، إذا بقي يعمل بالأدوات والقوانين نفسها وتحت إشراف المسيّرين الحاليين".

ودعا المتحدّث الصحافيين، إلى ضرورة الدفاع عن المهنة والالتزام بالواجبات المهنية نحو الجمهور المتلقي، "فليست مهمّة الصحافي الدفاع عن مالك الوسيلة الإعلامية".

مازال أمام الإعلام الجزائري الكثير المراحل من أجل استرجاع مصداقيته والتصالح مع الرأي العام

على الأرض، مازال أمام الإعلام الجزائري الكثير من المراحل لاستعادة الظروف المهنية واسترجاع مصداقيته والتصالح مع الرأي العام، خصوصًا مع مختلف التغييرات التي تشوب المشهد السياسي والاجتماعي في الجزائر، موازاةً مع المنافسة الكبيرة التي تواجهها القنوات التلفزيونية خاصّة أمام الفضاءات الافتراضية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حجب الإعلانات عن قناتين جزائريتين بسبب تغطيتهما "الواضحة" للحراك الشعبي!

تعتيم إعلامي على حراك الشعب الجزائري.. الرد في الشارع وفيسبوك