31-يوليو-2022
ارتفاع احتياطي الصرف في الجزائر مرتبط بأسعار المحروقات (الصورة: فلسطين اليوم)

ارتفاع احتياطي الصرف في الجزائر مرتبط بأسعار المحروقات (الصورة: فلسطين اليوم)

لأول مرة منذ بداية المحنة النفطية منتصف شهر تموز/جويلية 2014، حقق الميزان التجاري الجزائري، فائضًا خلال النصف الأول لسنة 2022، بقيمة خمسة مليارات دولار وسط توقعات بأن يتضاعف الفائض ثلاث مرات نهاية السنة ويحقق حصيلة إيجابية تميل فيها كفة الميزان التجاري لصالح الجزائر بقيمة 15 مليار دولار، فهل هي بداية مرحلة "بحبوحة" مالية جديدة تنتظر الجزائريين؟

خبير اقتصادي: من الصعب القول إن الجزائر مرتاحة ماليًا اليوم لأن ارتفاع أسعار المحروقات مرتبط بظرف دولي والحرب الروسية الأوكرانية يمكن أن تتوقف في أيّة لحظة

تقارير وردية متفائلة حول مداخيل الجزائر من العملة الصعبة نهاية السنة الجارية تلك التي كشف عنها الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك توفيق حكار، حينما أقر أن عائدات المجمع النفطي نهاية السنة ستلامس 50 مليار دولار أي ضعف ما تم إحرازه السنة الماضية وسط ارتفاع قياسي لأسعار البترول والغاز، وهي المصدر الأول لتمويل الخزينة الجزائرية.

كما أن أرقام الجمارك الأخيرة، كانت بمثابة جرعة أكسجين إضافية، تؤشر بوضع مالي يبعث على الراحة خلال الأشهر الأولى من العام، حيث انتقل الميزان التجاري في ظرف سنة واحدة من السالب إلى الموجب، وتضاعفت مداخيل الغاز والنفط، وبلغ سعر البرميل أزيد من مائة دولار، فاسترجع الجزائريون ذكريات مرحلة الأريحية المالية قبل سنة 2014، حينما حقق البترول أرقاما قياسية، وامتلأ احتياطي النقد الأجنبي للجزائر بـ 200 مليار دولار، وفاض صندوق ضبط الإيرادات بما يزيد عن 7 آلاف مليار دينار، والذي تم إنشاؤه سنة 2000 كآلية لتغطية العجز المسجل في الميزانيات حيث تتشكل موارده من الفارق بين سعر برميل النفط الحقيقي والسعر المرجعي في قانون المالية. 

مداخيل "الدوفيز" ترتفع

وتكشف أرقام مصالح الجمارك الجزائرية الخاصة بالسداسي الأول للسنة الجارية عن ارتفاع قيمة صادرات الجزائر إلى 25 مليار و992 مليون دولار، أي بزيادة قدرها 48.3 بالمائة مقارنة  بنفس الفترة لسنة 2021، كما بلغت قيمة 3.507 مليار دولار من الصادرات خارج المحروقات، أي بنحو 50 بالمائة من الهدف المسطر لسنة 2022. 

وفي عرض جمركي لأرقام دقيقة حول نشاط التجارة الخارجية إلى غاية 30 حزيران/ جوان 2022، سجل الميزان التجاري فائضًا خلال النصف الأول لسنة 2022 بلغ 5 مليار و689 مليون دولار بعد عجز في السداسي الأول لسنة 2021 قدر ب -1.348 مليار دولار.

وبلغت نسبة تغطية الواردات بالصادرات خلال هذا السداسي 128.2 بالمائة مقابل 92.8 بالمائة خلال النصف الأول لسنة 2021.

ويفسر رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين علي باي ناصري، هذا الارتفاع الحاد في قيمة الصادرات بالتهاب أسعار النفط والغاز في السوق الدولية وبلوغها أرقامًا قياسية خلال سنة 2022 بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، ومخاوف من تسجيل ندرة في التموين بموارد الطاقة، وسط رفض الاتحاد الأوروبي التعامل مع روسيا كمورد أول لها بالغاز.

محدث "الترا جزائر" ، قال إنه إضافة إلى عائدات المحروقات المرتفعة، شهدت بعض أصناف المنتجات الجزائرية طلبًا عاليًا في السوق الدولية خلال النصف الأول من السنة الجارية ويتعلق الأمر بالحديد والاسمنت والأسمدة الفوسفاتية بالدرجة الأولى والكلنكر، حيث تحولت الجزائر لمصدر هام لهذه المواد بالمنطقة، وساهم ذلك في رفع الصادرات خارج المحروقات إلى 3.5 مليار دولار في ظرف ستة أشهر فقط.

ويتوقع ناصري أن تتجاوز قيمة الصادرات خارج الطاقة نهاية العام 7 مليار دولار، وتصل عائدات سوناطراك 50 مليار دولار وأن يتحقق فائض في الميزان التجاري يبلغ 15 مليار دولار نهاية العام الجاري.

كيف يمكن استغلال هذه الأموال؟

وبمجرد عودة الحياة لصندوق ضبط الإيرادات، بدت التساؤلات كثيرة حول مصير هذه الأموال وكيف سيتم التصرف بها، وهل ستنفق بنفس الطريقة والمنهج الذي كان يسير عليه النظام السابق، عبر شراء السلم الاجتماعي واتخاذ قرارات مفرحة للشباب والموظفين وغيرهم من الفئات، ولكن دون استثمار حقيقي وبناء عميق للبنية التحتية وإنعاش لقطاعات الفلاحة والصناعة والسياحة.

ويأتي ذلك رغم المزايا والإمكانيات والموارد التي كانت ولا تزال تتمتع بها الجزائر، فضاعت 15 سنة من "البحبوحة النفطية" هباءً منثورًا، دون مشاريع حقيقية ما عدا بضعة ورشات، جلها لم يكتمل بصفة نهائية إلى اليوم، كالطريق السيار شرق غرب الذي التهم 19 مليار دولار وفق ما تداولته تقارير إعلامية جزائرية.

وفي السياق يعلق الخبير الاقتصادي حمزة بوغادي في تصريح لـ"الترا جزائر" أن المداخيل الجديدة للغاز والنفط ستوجه لتغطية تراكم الدين الداخلي الذي تجاوز 50 مليار دينار، الناجم عن عملية طبع النقود التي شهدتها الجزائر قبيل رحيل النظام السابق بين سنتي 2018 و2019 وتغطية مستحقات البنوك والاستثمار في قطاع المحروقات لإنتاج المزيد من الغاز والنفط واكتشاف آبار جديدة.

ويقول المتحدث، أن صرف هذه الأموال في مشاريع تنموية سواء الإنعاش الاقتصادي أو الإعلان عن خطط وبرامج جديدة مرتبط بمدى ديمومة ارتفاع أسعار الغاز والنفط والذي لا يستطيع أي خبير أو مؤسسة دولية استشرافه اليوم، مضيفًا "كل السيناريوهات واردة خلال الأشهر المقبلة، لذلك من الصعب توقع كم ستكون المداخيل وأين سيتم صرفها وهل ستقر الحكومة منحًا جديدة لشراء السلم الاجتماعي، وغيرها من القرارات التي تعودنا عليها سابقًا عند ارتفاع عائدات النفط والغاز".

هل نحن أمام بحبوحة مالية جديدة؟

وبخصوص إذا ما كانت الجزائر اليوم أمام مرحلة "بحبوحة" مالية جديدة، يجزم بوغادي أنه من الصعب أن يتحقق هذا السيناريو حسبه، خاصة وأن الانتعاش الذي تشهده أسعار الغاز والنفط مرتبط بظرف دولي خاص، يتسم بالحرب الروسية الأوكرانية، التي يمكن أن تصل إلى نهايتها في أيّة لحظة، لتعود أسعار الغاز إلى ما كانت عليه من قبل، وبالتالي من الصعب القول إن الجزائر "مرتاحة ماليًا" اليوم.

على نقيض ذلك يتوقع الخبير الاقتصادي كمال ديب تصريح لـ"الترا جزائر" أن أسعار الغاز سيستمر ارتفاعها إلى غاية سنة 2025 على الأقل، وبالتالي فإن عائدات هذا الارتفاع ستصب في صناديق احتياطي النقد الأجنبي وضبط الإيرادات لتعرف الوضعية المالية الجزائرية انتعاشًا ملحوظًا خلال السنوات المقبلة.

ويضيف كمال ديب: "حتى بعد انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، فإن ارتفاع أسعار الطاقة سيستمر بعدها لفترة معينة، خاصة وأن آثار هذه الحرب لن تنتهي بين ليلة وضحاها".

الحكومة مطالبة بإقرار إنعاش إقتصادي بعيدًا عن التزييف الصناعي الذي شهدته البلاد سابقًا 

وفي النهاية وبغض النظر عن استمرار هذا الارتفاع أم لا، ومدى إمكانية بلوغ مرحلة "البحبوحة" المالية خلال الأشهر المقبلة، فالحكومة مطالبة اليوم بالابتعاد عن التزييف الصناعي والاقتصادي الذي شهدته البلاد سابقًا لعقود من الزمن، وإقرار إنعاش حقيقي يقوم على العمل والإنتاج الفعلي،  بعيدًا عن الحلول الترقيعية، التي لن تضع الجزائر على سكة النهضة الاقتصادية المنتظرة.