27-أبريل-2019

غلاف رواية "نزوة الموتى"

العنوان هو العتبة الأنطولوجية التي من خلالها يمتلك النص وجوده. إنه الاسم الذي تُوقّع به اللّغة على أوراق المعنى ودفاتر الدلالات. و"نزوة الموتى" هو العنوان الذي اختاره الأديب العراقي شاكر نوري ليفرض وجود روايته. 

يحكي عنوان رواية "نزوة الموتى"، الموتَ، ويحاكي العدم، ويتجلى ذلك في المعجم الذي استقى منه الكاتب مفردات وكلمات سرديته

لكنّه عنوان يحكي الموت ويحاكي العدم، وتتجلى هذه المحاكاة في المعجم الذي استقى منه الكاتب المفردات والكلمات التي سيسرد بها أحداثه، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الفناء، المقبرة، الرفات، الفراغ، النواح، الحزن، التابوت، الجنائز والسفر.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "الحي السفلي".. سجل سياسي لانتحار بطل كافكاوي

تبدأ الأحداث ببرقية تصل البطل أو الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية لا نعرف اسمها ولا رسمها، لكن يمكننا التنبؤ بها، لأنّ السرد جاء بضمير المتكلم، ما يسمح لنا بربطها بشكل مباشر بالروائي. إنّها حيلة أو مكر سردي يجعلنا نصدق واقعية الأحداث، ننجرف معها ونعيشها. إنها القوة الكامنة في ضمير الأنا، قوّة توطّد العلاقة بين الكاتب والقارئ.

تحمل البرقية دعوة مستعجلة لعودة اضطرارية وضرورية للشخصية المحورية المقيمة في باريس، إلى المدينة التي ترعرع فيها، وهي مدينة عراقية طغى عليها غبار الموت. يتمثّل السبب في هذه العودة في نقل رفات والد البطل من المقبرة القديمة إلى المقبرة الجديدة، ذلك لأنّ البلدية قد قرّرت بناء قاعة سينما مكان المقبرة القديمة.

شاكر نوري
الروائي العراقي شاكر نوري

وهذا هو الحدث الرئيسي والذي سيرافقنا طوال الرواية، وتتفرّع عنه أحداث ثانوية بالنسبة للحدث الرئيسي، ورئيسية بالنسبة لذاتها. البرقية لم تصل إلى البطل فقط، بل وصلتنا نحن أيضًا كقراء، تدعونا للقيام برحلة بدايتها موت، ونهايتها هي نفسها البداية.

المكان هو المدينة، ولو شئنا حصره أكثر لقلنا المقبرة، أما الزمان فهو فترة ما بعد الحرب، فترة أفرغت الذوات من ملذات الحياة فطغى البؤس وتكاثر اليأس، وأصبحت مرآة الحياة لا تعكس سوى الموت.

الجميع موتى على اعتبار ما سيكون وعلى اعتبار ما هو كائن، فالكاتب أعطى حتى للحياة والولادة والخصوبة، دلالات مناقضة تصب كلها في العدم؛ كأرحام النساء الجافة، والقابلة العاقر، وعباءات الأنوثة التي تحوّلت إلى أكفان، والأسِرّة الباردة والظلام الذي يشرق يوميًا على أرواح تجرّعت معاني الفقد.

خلّف هذا الفقد جوعًا لدى البطل، والذي خلّف بدوره رغبة قوية في إشباعه عن طريق نزوة، وبالتالي خطيئة، لكنها خطيئة لا تغتفر، لأنّها وقعت بين البطل وزوجة والده المدعوة بسلطانه. إنها الفاكهة المحرّمة التي ستطرد آدم من جنته.

وسلطانة هي الأنثى الوحيدة في الرواية، والتي قلّب الزمن صفحات سنواته العجاف بعيدًا عن وجهها، فظلّت شابة محافظة على أنوثتها بالرغم من أنّها لم تكن تنجب. لقد امتلكت سلطة قوية تمثّلت في جسدها الأنثوي، جسد افتكّ السلطة من آدم/البطل لكنه أعادها إليه بشكل مغاير، لأنّ البطل عندما وقع في المحرّم والمحظور، كان يبحث عن والده في جسد سلطانة.

الجميع في الرواية موتى على اعتبار ما سيكون وما هو كائن، فقد أعطى الكاتب لمفردات الحياة دلالات متناقضة تصب في العدم

والده الذي عرفه كصورة فقط، ها هو الآن يلتقي به على أرضية الخطيئة. لقد تمكن أخيرًا من الإمساك بالأب/الميّت/الرفاة والسلطة أيضًا، فقد جاء الأب في الرواية ليرمز إلى السلطة/المركز/العقل، ولا سلطة تعلو على سلطة الموت أو العدم، أو هكذا يُخيّل إلينا.

اقرأ/ي أيضًا: شجاعة النقد.. أمين الزاوي يضرم النيران في الجنّة!

هنا في نقطة التقاء البطل بالأب في جسد سلطانة/النزوة، التقى الإيروس بالثناتوس أيضًا، فانسحبت اللغة، وبالتالي العقل والوعي، وحضر الهذيان، لذلك كان البطل أحيانًا يهذي ويرى أشياء غير واقعية وغير موجودة.

سلطة الأب عندما ارتبطت بالموت أصبحت رفاتًا وفقدت فاعليتها، وجاء الرفات المختلط بالتراب وبالنمل الملتهم لعينيّ الميت، ليدل على الوطن المصاب بالعمى والذي سيُبنى فوقه قاعة سينما تقتضي إبصارًا لا بصيرة، لكأنّ العمى بات مقتصرًا على الحقائق، في حين عبّرت السينما عن الصورة الزائفة المقدمة لمن يشاهد، لكن لا يحق التفكير في المَشاهد.

سيمنح ذلك الفن السابع أولئك الأحياء الأموات واقعًا مزيفًا أو مصطنعًا، ليخفي واقعًا آخر حقيقي لا يجب أن يلتفت إليه أحد، لذلك تمّ إلهاء أهل المدينة بنقل رفات موتاهم، كما تمّ في المقابل إقامة سيرك ألهى من لا موتى لهم، ليتم دفن الحقائق وتشييد سينما مكانها.

كل هذه الأحداث والقرارات كانت تسطرها سلطة أعلى من سلطة الأب الميت أو الموت في حد ذاته، لكن تلك السلطة كانت في يد من؟ لا أحد يعلم، لكن الجميع في حالة خضوع إجباري لها. إنها سلطة عليا تتحكم حتى في سلطة الموت.

نزوة الموتى
غلاف رواية "نزوة الموتى"

يحضر في الرواية العدد سبعة بشكل خاطف، لكن وجب التوقف عنده لبرهة من الزمن. هذا العدد ارتبط بالأب وأصدقائه الستة، كما ارتبط في المقابل بالفن السابع (السينما)، وهو نفس العدد المرتبط في مخيلتنا بالسبع العجاف، والقحط والجوع والجفاف وبالتالي الموت.

لقد امتلك الأصدقاء السبعة الحقيقة كاملة، لكنهم مُنعوا من الكلام وزُّجّ بهم في الهامش. والابن الباحث عن حقائق والده، اكتشف أنه لا يملك إلا حقيقة واحدة تتمثل في كونه فردًا من هذا المجتمع، ولا يجب أن ينسلخ عنه، فارتكب نزوته تلك ليتمكن من مغادرة جنته أي باريس، ليعيش في جحيم مدينته منتظرًا قبضة العدم لتمسك به.

يحضر العدد سبعة في رواية "نزوة الموتى" بشكل خاطف، مكرسًا لمفردات الموت في صور متعددة

تنتهي الرواية دون أن تنتهي تمامًا، بل تتوقف عند مشهد يظهر فيه رجل في الـ70 من عمره -العدد سبعة من جديد في حلة مضاعفة- إنّه صاحب ضمير المتكلم، ينتظر لأن يُسدل الستار على فصول حياته. وفي المقابل يظهر لنا ابنه كنان –وهو أوّل وآخر ظهور له في السرد- خارج بوابة الجحيم أي المدينة، يقرأ كتابًا باليَ الورق، يضم تفاصيل حياة والده الممتدة بين مدينتين ووهمين وامرأتين.

ربما جدير بالذكر هنا أن لكاتب الرواية شاكر نوري، ابن اسمه كنان، وله أُهديت هذه الرواية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"طفلُ البيضة" لأمين الزاوي.. العزلة والفقدان وفوبيا الآخر

"مونتي".. القصة الكاملة لـ"سمسار" حسني مبارك