18-مارس-2024
شباب يتناولون الإفطار في جبل بيتشاو (الصورة/ الترا جزائر)

شباب يتناولون الإفطار في جبل بيتشاو (الصورة/ الترا جزائر)

يعتبر كثيرون الإفطار المنزلي في رمضان واجبًا عائليًا مقدسًا غير قابل للتنازل أو المساومة، بيد أن فريق روح الجبل"سبيريت مونتن 05 " المتخصص في التجوال والتخييم وتسلق الجبال، بباتنة، شرق الجزائر، قرّر تجربة مغايرة، تجمع بين الرياضة والنزهة في غابات الأرز، وتناول الإفطار الجماعي في جبل تيشاو المرتفع على علو 2138 مترًا، في قلب الحظيرة الوطنية بلزمة غرب المدينة.

مسافة طويلة يتطلبها الوصول إلى المائدة الطبيعية للإفطار، حيث موقع نصب النار غير بعيد عن مهجع حارس غابة مهجور

منطقة الراحة

تأسس الفريق منذ عدة سنوات، ليكون ناشطًا في مجال التجوال والسياحة الجبلية والحفاظ على اللياقة البدنية والذهنية، كما يقدم تكوينات تتعلق بممارسة التسلق الجبلي، حيث قام شبان وشابات المجموعة بتربص في قمة جبل الرفاعة، قبل فترة، طلبًا للتسلية والتماهي مع الحياة البرية.

 لذا فإن فكرة الإفطار في الجبل لم تكن وليدة الصدفة، حيث تقول الشابة رحمة هوامل، 23 سنة، المكناةبـ "سندريلا" بسبب تضييعها لفردة حذاءٍ وردي في خرجة تيكجدة، إلى "الترا الجزائر": رغبتي الجامحة في الخروج من منطقة الراحة، وكسر الروتين، هي من دفعتني لخوض التجربة".

جبل بيتشاو

لتضيف وهي تعد أطباق طاجين الزيتون و الحميص: "يبدو الإفطار في حضرة ليل الغابة الصامت أفضل من البيت، و يساعد على تحسين المزاج"، لتدوي قهقهات بعدما نال الحميص المشوي إعجاب أحد المشاركين طالبًا المزيد و لو من باب المقايضة بكسرة الرخسيس التي أعدتها والدته، هكذا تتحقق قيمة "المشاركة" بلا فلسفة أو نظريات التنمية البشرية.

تعاضدها، سندس بزوح، 21 سنة، طالبة الطب والمختصة في التغذية قائلة: "هدفي التعرف على أصدقاء جدد من كلا الجنسين، وتقاسم ملح العشرة مع الآخرين. وأظن أن شهر رمضان يوفر الحاضنة الروحية لتحقيق ذلك في أجواء أخوية وعائلية"، لتؤكد وهي تبسط أطباقها الصحية، وكانت عبارة عن سلطة ورز بالدجاج: "من الجميل أن يجرب المرء معيشة أخرى خارج المألوف، ويعوّد نفسه على مغادرة منطقة الراحة، فالإنسان مطالب بتجديد دورته الحياتية للخروج من التكلس والتخمر، لذا يتطلب التجديد بناء ذكريات جديدة، فملء الخزانة الذهنية بذكريات جديدة ضروري، ويضاهي أهمية العمل لجمع المال وتحقيق الألقاب".

عندما تصر المتحدثتان على منطق الخروج من أغلال العادة؛ فهما لا تتحدثان من فراغ، بل تستنيران من مشكاة الشاعر بابلو نيرودا الذي قال "يموت ببطء من يصبح عبدًا للعادة، من يعاود كل يوم نفس المسافات، من لا يتحدث مع غريب"، مثلما علقت عواطف شاعرة المجموعة.

مسير وخُوار

مسافة طويلة يتطلبها الوصول إلى المائدة الطبيعية للإفطار، حيث موقع نصب النار غير بعيد عن مهجع حارس غابة مهجور، ولكي يكون زهاء 30 شخصًا هنا كان عليهم أن يستأجروا حافلة كواستر عبر الإسهام بمعلوم مالي قدره 700 دج للفرد الواحد، لتنقلهم من باتنة إلى حيدوسة، ثم لينعطفوا من هناك، عبر مسلك جبلي نحو جبل تيشاو، الواقع على بعد 8 كلم، مشيًا على الأقدام.

والطريق تتخللها مسالك غابية، تمنح المناظر الخلابة لقمة إليسان أعلى سلاسل جبل تيشاو المكسوة بالثلج المنثور فوق أشجار الأرز الوارفة مشاهد منعشة، فمنظره مثلما يدل اشتقاق اسمه من الشاوية، شبيه بقطع الصوف المجزوزة من الشاة، وسمي كذلك لأنه دائم البياض شتاء وربيعًا وصيفًا.

يسرى غول

أما الشفق الأحمر المتواري خلف جبل الرفاعة المطل من الجهة الغربية الجنوبية، فيدفع البعض للتوقف لامتصاص جلال المشهد بصورة مخلدة للحظة، فتصرخ عواطف من شدة البهجة: "لا شيء يدفئ الروح وسط البرودة التي صارت أكثر حضورًا مع اشتداد الارتفاع، سوى مائدة إفطار أمام هذا الديكور الإلهي"، تصمت وتضيف "يموت ببطء من لا يغير المكان عندما يكون حزينًا في العمل أو في الحب، من لا يركب المخاطر لتحقيق أحلامه". حلمها كان أن تحتسي على مهل، فنجان قهوتها المحضرة على الجمر، في حضرة صمت الجبل ووشوشات الرفاق التي لا يكسرها سوى خوار بقر بلزمة.

قبل حلول المغرب بقليل، شرع البعض في إعداد النار، قرب مهجع الحارس المهجور، ولكل طريقته، هناك من أحضر مواقد تخييم بأنبوبة غاز، آخرون فضلوا إشعال نار بين ثلاثة أثافي حجرية، أحدهم فضل "الداكوتا فاير"، أي بحفر حفرة على عميق سنتيمترات وتهيئة مدخن صغير لها مقدما شروح خبرته الطويلة "تسمح هذه الطريقة بحماية النار من النسمات الخفيفة، كما أنها توفر نوعًا من الحميمية لمن لا يريد أن تكشف النيران مكانه للأغراب".

 شرع سيف الدين بلعريبي، 34 سنة، متسلق جبال، وصاحب خبرات في العيشة البرية في قلي البطاطا و البوراك و هو يقول: "لست من هواة الطبخ في المنزل لأني لا أعرف غير الأكل هناك، أما هنا فأنتم ترون أني أطبخ، أتخلى عن الاتكالية و أصبح ربّة منزل مثالية بل ربة جبل ممتازة".

أنا وشقيقتي

عندما ارتفع الأذان من هواتف نقالة للفريق، التأمت مجموعة لأداء صلاة المغرب جماعة. بعد حق الله جاء الدور على حق المعدة الجائعة، حطّت الظلمة فتحوّل الجميع لكائنات ضوئية بفعل المصابيح الجبينية التي توضع على الرأس لتحرر اليدين لإعداد الطبيخ. تهمس عواطف المسكونة بروح التجربة الجديدة قائلة: "يشبه الأمر ممارسة جماعية للتويزة، ثمة تقاسم للطعام وتبادل للأطباق، هذا يذكرني ببعض طقوس الطفولة، حيث كنا نخرج للبراري المحيطة بلامبيز سواءً في أعالي دردور أو غابة السطوح لنحضر الطعام فوق النار شريطة أن يحضر كل فرد جزء من المواد المستعملة في الوليمة البسيطة مثل الهريسة أو الطماطم والفلافل والزيت والملح، تسمى هذه " الخالوطة".

يشبه الأمر إعادة تلك الطريقة في غابة تقع في ارتفاع يفوق الكيلومترين، فقد جئت هنا رفقة شقيقي المغامر والشغوف بالحياة الطبيعية، وحقًا فمائدة الغابة زاخرة بالأطباق المتنوعة، ما يشعرك بأجواء عائلية سافرت من مطبخ الدار إلى قمة تيشاو".

إن وجود عواطف بجوار شقيقها نور في خلاءٍ فراشه الأرض ولحافه السماء المتراقصة بالنجوم يوحي أنك في حفلة عائلية آمنة، فالفريق يملك روحًا واحدة متحلقة حول النار ومحروسة بالجبال المحيطة، تتفق يسرى غول(26 سنة) أستاذة لغة إنجليزية، مع إلياس عكسة وزياد مازوز طالب في الزراعة و مصور (21 سنة)، على  اعتبار الخرجة عائلية و أخوية بحكم التعاشر بين أفرادها، ومداومتهم على الخروج في جولات تكاد تكون أسبوعية.

الياس عكسة

هذا إلى حد ما دفع أسماء موفق (32 سنة) وهي مديرة مركز تكوين مهني للقول: "رأيت العام الفارط خرجة مماثلة لصديقي محمد فقررت أن أخوضها هذا العام، وطبعًا ساد نقاش بيني وبين والدتي، التي تحفظت قليلًا كأي أم تخاف أن يتعشى ابنها في غابة، فما بالك بأنثى وفي رمضان، لكني شرحت لها أني سأكون في عائلتي الثانية فوافقت على الفكرة الحلوة، ولذا حضرت طاجين لحلو ولفائف سمك وحساء خضار"، ثم تعلق في جدّ لا يخلو من دعابة: "الفكرة رائعة جدًا، ومغرية على التكرار، طبعًا ليست متاحة لمن يتمسك بالرفاهية، لكن صدقني هي نوع من (الميزيرية) الإيجابية الممتعة للروح والمفيدة للغاية".

أما رفيقتها المرحة درصاف فتقول ضاحكةً: "عكسك تمامًا، فأنا لم أترج والدتي بل هي من ترّجتني وحرضتني على التجربة من أجل مصلحتي. أنا معتكفة على إعداد مذكرة التخرج الجامعية، وسبب لي ذلك نوعًا من القلق والتوتر جراء الضغط "الستراس"، لم تجد والدتي مانعًا في تشجيعي على الإفطار وسط بيئة جبلية وغابية مع الأصدقاء، وفعلًا فإن التخييم واحد من أفضل الأدوية نجاعة لتبديد الضغوط النفسية".

أعمال خيرية

لم تخل الوليمة الرمضانية من التحلق حول نار عملاقة لتقاسم جزء من سهرة ما بعد الإفطار، بأحاديث ونقاشات ودعابات ونكات، وارتشاف القهوة والشاي وتناول الحلويات.

قبل الانصراف يحرص المشاركون على تنظيف المكان في أكياس جلبت معهم، بعض النفاية البلاستيكية تحرق، أما بقايا الأطعمة وقشور الفواكه فتنثر في الطبيعة لتكون طعام صدقة على الحيوانات البرية كالذئاب والبقر والخنازير التي ستحتل المكان بعد ذهابهم مجلوبة بالروائح الشهية.

في طريق العودة على مسافة 8 كلم، يكون الجميع مرشحًا لقطع قرابة 16 كلم، وذلك مساعد على حرق الدهون أيضًا، ويعلق آخر وعلى "حرق الذنوب أيضًا" في إشارة إلى المغزى النهائي لهذا الإفطار الرمضاني، يقول نور الإسلام فراحتية (35 سنة) وأحد نشطاء الجمعية: "في واقع الحال، يهدف هذا الإفطار إلى ممارسة النشاط البدني والسياحي وتخصيص المال المقدم كحق للمشاركة في الرحلةوالمقدر بـ 700 دج، لأعداد مجموعة قفف رمضانية توزع على عائلات محرومة".

قرر سائق الحافلة لمّا علم بالهدف النبيل لمائدة الجبل التخلي عن أجرة النقل متبرعًا بدوره بمعلوم مالي إضافي، وقد مكن المال المجموع من توزيع قفف رمضانية على سبعة عائلًات فقيرة

لاحقًا، قرر سائق الحافلة لمّا علم بالهدف النبيل لمائدة الجبل التخلي عن أجرة النقل متبرعًا بدوره بمعلوم مالي إضافي، وقد مكن المال المجموع من توزيع قفف رمضانية على سبعة عائلًات فقيرة بحي كشيدة.هكذا اختتمت الخرجة بسعادة فردية ومشتركة، لمائدة جماعية، بدأت بمشقة وانتهت بأعمال خيرية.