هل سيلجأ ترامب إلى تبّون لإطفاء الاحتجاجات؟

هل سيلجأ ترامب إلى تبّون لإطفاء الاحتجاجات؟

الجزائر مدّدت الحجر المنزلي إلى منتصف شهر جوان الجاري (تصوير: رياض كرامدي/أ.ف.ب)

ما فعله الشّرطي الأميركي الذّي بات عرّاب الخنق بالرّكبة في حقّ المواطن الأميركي من أصول أفريقيّة جورج فلويد، مدان أخلاقيًّا وإنسانيًّا، وهذا ما يعنيني بالدّرجة الأولى، لأنّ الشقّ السّياسيّ والقانونيّ في الحادثة متروك للمنظومة الأميركيّة التّي لستُ مواطنًا فيها.

 هل انتفاضة الشّارع الأميركي كانت فقط ثمرة للحسّ الحقوقيّ والمواطناتيّ لدى الإنسان الأميركي؟

غير أنّ نخبة من الأسئلة باتت تلحّ عليّ، منها: هل انتفاضة الشّارع الأميركي كانت فقط ثمرة للحسّ الحقوقيّ والمواطناتيّ لدى الإنسان الأميركيّ، أم أنّها ثمرة لمخطّط منسجم مع ما يراه المِخبر الأميركيّ فرصةً للاستثمار في مشروع كورونا؟ هل لعصبة الرّئيس ترامب يد في المسعى حتّى يتمّ كسر خيار الاستمرار في غلق الاقتصاد الذّي يجد تأييدًا له حتّى من طرف بعض الجيوب الجمهوريّة؟ أم أنّ العصبة الدّيمقراطيّة وراء هذه الانتفاضة لخلخلة حظوظ الرّئيس الخصم المستعدّ لأن يترشّح لعهدة رئاسيّة ثانية؟

اقرأ/ي أيضًا: الحراك في زمن كورونا.. أو حين يستجيب لسلطة المعرفة

ما مدى مساهمة اليد الصّينيّة في الموضوع، كردّ فعل من المخبر الصّينيّ على مساهمة اليد الأميركيّة، في ما يحدث في مقاطعة هونكونغ هذه الأيّام، ومحاولة البيت الأبيض تحميل الصّين المسؤولية الأخلاقيّة والقانونيّة على ما ترتّب عن جائحة كورونا؟

لقد علّمتني مواكبتي للحراك الشعبيّ والسّلمي في الجزائر، أن أستنجد بالأسئلة لتفكيك ما غمض عليّ من مشاهد ومواقف وخطابات ومبادرات ومؤامرات ومساعٍ من ميزاتها التّسارع الذي يزيدها غموضًا، لا شكّ في أنّ أطرافًا معيّنة تستثمر فيه لتأكيد برامجها ورؤاها وطروحاتها، على حساب برامج ورؤى وطروحات الأطراف المنافسة أو المناوئة لها.

فما يُعدّ حركة أو حراكًا شعبيًّا، لا تسلم عفويته من تخطيط وتخطيط مضادٍّ لتحويل تلك العفويّة ضدّ مسعى الحراك نفسه. فيخدم مصالح الأطراف التّي ثار عليها أصلًا. ويضع القوى الشّعبيّة التّي قامت به أو دعت إليه أو ضحّت من أجله في مهبّ التّخوين أو الإقصاء أو اليأس. وما انعقاد مؤتمري حزبي السّلطة، جبهة التّحرير الوطنيّ والتّجمّع الوطنيّ الدّيمقراطيّ، رغم إجراءات التّباعد الاجتماعيّ، في مقابل تمديد سجن رموز الحراك الشّعبيّ، ومباشرة اعتقالات جديدة إلا دليل على ذلك.

من هنا، لجأت إلى استعمال مصطلح "المخبر" في حديثي عمّا يحدث في الفضاء الأميركيّ محاولةً منّي لمعرفة مدى براءة "الحراك" الذّي يحدث هناك من التّخطيط الهادف إلى دفع مصلحة غير مرغوبة أميركيًّا أو جلب مصلحة مأمولة.

لقد لفتَ انتباهي تلويح الرّئيس ترامب بإخراج الجيش إلى السّاحات العامّة لحفظ الأمن العامّ، من زاوية الشّبه الذّي بينه وبين تلويح النّظام الجزائريّ بذلك، بعد أن تمّ فرض الخيار الدّستوريّ على الحراك الذّي خرج أصلًا رفضًا له. فهل استطاع ترامب في عهدة واحدة تصحير الدّيمقراطيّة الأمريكيّة العريقة، بحيث أصبح اللّجوء إلى استعمال الجيش في التّعاطي مع الانتفاضات الشّعبيّة ضمن أدبيات البيت الأبيض؟

هل ستجعله هذه العقليّة يلجأ إلى استشارة النّظام الجزائريّ الذّي وصفه قبل فترة قريبة بالحليف الاستراتيجيِّ، في كيفيات تحويل الانتفاضات المناهضة للنّظام إلى صالح استمراره، مع مراعاة اختلاف بِنْيَتَي النّظامين في الأصل؟

وهل سيقبل النّظام الجزائريّ بتقديم هذه الخدمة إذا كان ما يحدث في المشهد الأمريكيّ بإيعازٍ من المخبر الصّينيّ الذّي بات تحالفه معه مؤكّدًا، إلى درجة أنّه شرع في إدراج اللّغة الصّينيّة ضمن النّسيج اللّغويّ الوافد في الجزائر، علمًا أنّ مثل هذه الخطوات "الثّقافيّة" باتت في الأعراف الدّيبلوماسيّة المستجدّة دليلًا واضحًا على مدى التّواطؤ بين الأنظمة الحليفة، تمامًا مثلما فعل نظام بشّار الأسد باعتماد اللّغة الرّوسيّة؟

هنا نصل إلى السّؤال المرعب لحكومة عبد المجيد تبّون: هل تمّ اللّجوء إلى التّمديد الأخير للحجر المنزليّ، رغم الاستياء الشّعبيّ منه، ولا شكّ في أنّ ذلك لم يَخفَ على راصدي المزاج العامّ، كان بسبب التّخوّف من انتقال عدوى "الحراك الأمريكيّ" إلى المشهد الجزائريّ، فيتجدّد الحراك، بعد أن توقّف لدواعٍ تتعلّق بالصّحّة العموميّة، فيكون التّمديد بهذا سياسيًّا لا صحّيًّا؟

هل تمّ اللّجوء إلى التّمديد الأخير للحجر المنزليّ بسبب التّخوّف من انتقال عدوى "الحراك الأمريكيّ"؟

يبدو ربطًا بعيدًا ومتعسِّفًا بين مشهدين لا يظهر كثيرًا احتكاكُهما، لكنّ مراعاة معطيات سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة واستراتيجيّة معيّنة، منها بداية أفول حراك في مشهدٍ وبداية نشوبه في مشهد آخر، في ظلّ وباء كونيّ يبدو أنّه استجدّ لتغيير ارتباطات بأخرى، يجعله منطقيًّا تمامًا ولو من باب الاحتمال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غلق المساجد وتعليق صلاة الجُمعة بسبب كورونا

فيروس كورونا.. هل علينا أن نصاب بالذعر؟