10-يناير-2024
Abdelaziz Belaïd

عبد العزيز بلعيد، رئيس حزب جبهة المستقبل (الصورة: جون أفريك)

التحق السياسي عبد العزيز بلعيد، الذي يحتفل في حزيران/جوان المقبل بعيد ميلاده الستين، بلائحة قادة الأحزاب المُحالين على التقاعد المُسبق، قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية.

الكاتب والمحلل السياسي، محمد إيوانوغان لـ"الترا جزائر": نهاية صلاحية حزب جبهة المستقبل ستكتمل بنهاية صلاحية عبد العزيز بلعيد مثلما حدث لأحزاب وتيارات أخرى وُلدت من رحم أحزاب السلطة والمعارضة

واستسلم بلعيد في الخامس كانون الثاني/جانفي الجاري، قبل أسبوع من انعقاد المؤتمر الثالث المبرمج للفترة بين 11 و 13 من الشهر نفسه، للضغط الذي مارسه عليه مقربون منه للتخلي عن خططه للترشح لولاية ثالثة على رأس جبهة المستقبل، التي أسسها قبل 13 عامًا، رغم التأييد الذي يحوز عليه في معاقله بشرق البلاد.

وفي ظلّ محدودية الخيارات المطروحة أمامه، لجأ بلعيد إلى محاولة اختيار خليفته، وهي حِيلةٌ لا يُعتَقَد أن تنطلي على خصومه أو على السلطة التي عقدت العزم على تأمين الساحة قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقررة قبل أواخر العام.

وتذرّع خصوم عبد العزيز بلعيد لتبرير عملية الانقلاب بأسباب عديدة في مقدمتها حالة الجمود، التي يعيشها الحزب والحاجة إلى تجديد دمائه، وضرورة تكريس مبدأ التداول على المناصب القيادية حفاظًا على مسيرة الحزب وتعزيزًا لمكاسبه.

هذه الأزمة الجديدة التي تعصف بالحزب تعدُّ الأكثر تعقيدًا بعد أزمة 2013، التي شهدت انسحاب عدة كوادر يتقدمهم مسؤول التنظيم الأسبق محمد قميري، ثم أزمة مؤتمر2017 التي شهدت استقالة ما يعرف بمجموعة بجاية بقيادة النائب السابق خالد تازغارت، بحجة تراجع عبد العزيز بلعيد عن إدراج البعد الأمازيغي ضمن برنامج الحزب. لتأتي أزمة 2023 التي شهدت انسحاب رضا محيقني أحد مؤسسي الحزب وكبار مموليه رفقة عدد من القيادات.

وأفاد عضو مؤسسٌ للحزب فضّل عدم الكشف عن اسمه في إفادة لـ"الترا جزائر" بأن الأزمة الجديدة التي ضربت الحزب "غير مفاجئة" وأرجعها لـ "بنية الحزب وتراكمات الماضي ومنها غياب الديمقراطية الداخلية."

تراجع زخم

وينظر كوادرٌ في الحزب إلى أن استمرار عبد العزيز بلعيد في منصبه على رأس التنظيم السياسي صار مُكبِلاً لطموحاتهم وحجر عثرة في طريق حصولهم على ترقيات سياسية ومنها مناصب نوعية في الجهاز التنفيذي، وسط قناعة لم يعد له التأثير ذاته الذي حاز عليه في العقد الماضي، رغم تبوؤ "المستقبل" المرتبة الرابعة في البرلمان من حيث عدد النواب بـ 54 عضوًا منهم 48 في الغرفة السفلى زيادة عن 3600 منتخب في المجالس المنتخبة البلدية والولاية.

ومن تجليات هذا التراجع أنه لم يعُد مُرحبًا به لدى السلطة، بعدما جرى العرف السياسي على الاجتماع بالرئيس عبد المجيد تبون علنًا مرة في السنة على الأقل، في سياق المشاورات الدورية للرئيس بقادة الأحزاب السياسية، إذ يعود آخر لقاء بينه وبين الرئيس تبون إلى العام 2022.

وفيما يتجه الحزب إلى مؤتمره وهو في حالة انقسام، تطرح تساؤلات عدة عن مستقبل الحزب الذي ظهرت فكرة تأسيسه في عز الصراعات التي قسمت ظهر حزب جبهة التحرير الوطني في مطلع الألفية السابقة.

وفي هذا السياق صرّح عبد العزيز بلعيد للصحافة في الخامس من كانون الثاني/جانفي الجاري بأنه فضّل التخلي عن فكرة الترشح لعهدة جديدة على رأس الحزب لمنع انقسامه، لكن الشكوك قائمة في قدرة الحزب على الصمود في قادم المحطات في غياب مؤسسه.

عضو مؤسسٌ لـ"المستقبل" لـ "الترا جزائر": أزمة الحزب "غير مفاجئة" وهي نتاج تراكمات الماضي ومنها غياب الديمقراطية الداخلية

ورغم أن خليفة المرشح السابق للرئاسيات المحتمل، فاتح بوطبيق، يتمتع بدعم تيار قوي في الحزب وفي السلطة، فإنّه من غير المستبعد أن يعمد فريقٌ موالٍ للرئيس المغادر على عرقلته في الفترة المقبلة أو فرملة أنفسهم أي تجميد نشاطهم.

وعلّق الكاتب والمحلل السياسي، محمد إيوانوغان، على ما يجري داخل "المستقبل" بالقول: "صلاحية حزب جبهة المستقبل ستكتمل بنهاية صلاحية عبد العزيز بلعيد مثلما انتهت صلاحية حزب الجبهة الوطنية الجزائرية بانتهاء صلاحية مؤسسه موسى تواتي مثله مثل ما وقع مع التجمع الوطني الديمقراطي بنهاية صلاحية أحمد أويحيى والأمر ذاته مع حزب طلائع الحريات بنهاية صلاحية رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس وانتهت صلاحية تجمع أمل الجزائر بنهاية صلاحية رئيسه ومؤسسه عمار غول."

وأشار الكاتب إيوانوغان في حديثه لـ"الترا جزائر" إلى معطى خاص بظروف نشأة وبنية الأحزاب السياسية الجزائرية وخصوصًا تلك التي أسسها مسؤولون سابقون في الحكم أو منشقون عن أحزاب السلطة والمعارضة، للبقاء في الواجهة واستقطاب الاهتمام الإعلامي دون أن يرفق ذلك بجهد في بناء وتمتين هذه المشاريع السياسية من ناحية الهياكل والبرامج والتكوين والانتشار والمحصلة أحزاب فارغة المحتوى لا تصمد عند أول هزة، وفقه.

ويمني رجالات رئيس جبهة المستقبل أنفسهم بأنه سيعود إلى مقاليد الحزب، بعد زوال الظروف التي أجبرته على الانسحاب وخصوصًا فهو مازال في عمر يسمح له بالنشاط السياسي زيادة عن  قدرته على العودة كلّما اعتقد خصومه أنه انتهى سياسيًا، فقد استطاع النهوض بعد كل محاولات انهاء مسيرته، حيث واجه العزل السياسي والحرمان من الترشح بين الملاحقات القانونية بشبهة الفساد، بعد اصطفافه في الصراع الذي تفجّر بين علي بن فليس والرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

القوة السياسية الثالثة

كان حزب المستقبل قد نشأ من رحم حزب جبهة التحرير الوطني، حيث ينتمي غالبية مؤسسيه (يتقدمهم رئيسه عبد العزيز بلعيد)، وجرى خلال مسار التأسيس استنساخ القوانين الأساسية والهياكل من حزبه السابق.

وفي أوّل موعد انتخابي في 2012 فاز الحزب بمقعدين في البرلمان وانتقل حصاده في انتخابات 2017 إلى 14 معقدًا، وفي الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 احتل مرشح الحزب، الذي لم يكن سوى بلعيد ذاته، المرتبة الخامسة والأخيرة  بحوالي7 بالمائة من الأصوات، وفي انتخابات البرلمان لعام 2021 رفع غلته إلى 48 مقعدًا كرابع أهم قوة سياسية في البرلمان.

وفي الانتخابات المحلية للفاتح تشرين الثاني/نوفمبر 2021، حقّق المرتبة الثالثة من حيث المقاعد بحوالي 3600 مقعد، على خُطى حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. ومتقدمًا على حركة مجتمع السلم.