22-سبتمبر-2022
معرض السيارات في الجزائر (تصوير: فايز نور الدين/أ.ف.ب)

معرض السيارات في الجزائر (تصوير: فايز نور الدين/أ.ف.ب)

يبدو أن تصريحات وزير الصناعة أحمد زغدار بشأن خطة جديدة لتصنيع السيارات تضم 42 متعاملًا ناشطًا في القطاع، منها ما كان يسمى سابقًا بمصانع "نفخ العجلات"، والتي سيتم إدماجها جميعًا في قطب صناعي واحد، قد قلبت الموازين وغيرت المعطيات، خاصة وأن وكلاء السيارات المحتملين كانوا ينتظرون منحهم اعتمادات الاستيراد في القريب العاجل.

إذا كانت الحكومة تعول على صناعة السيارات فما مصير 75 متعاملًا أودعوا ملفات الاستيراد والتزم بعضهم بما ينص عليه دفتر الشروط؟

ويتساءل مراقبون إن كانت الحكومة تعول هذه المرة على التصنيع وليس الاستيراد، فمتى ستكون أول سيارة جزائرية جاهزة؟ ومتى سيركب الجزائريون الجديد؟ وما مصير 75 متعاملًا أودعوا ملفات الاستيراد والتزم بعضهم بما ينص عليه دفتر الشروط"؟

لا تزال تتوالى قرارات الحكومة بشأن ملف السيارات يومًا بعد الآخر، فمرة تقرر فتح المجال أمام المستوردين لجلب حصة محددة أو مسقفة من المركبات من الخارج لتغطية الطلب الوطني، ومرة أخرى تنتظر إبرام عقود شراكة للتصنيع مع دول أجنبية رائدة في المجال، ثم تعود لتقرر فتح الاستيراد ولكن وفق شروط وأعباء جديدة، حيث تقرر لحد اليوم تعديل دفتر شروط استيراد السيارات 3 مرات، في حين تكشف وزارة الصناعة مجددًا عن مجمع حكومي يضم 42 فرعًا في صناعة السيارات منها شركات مصادرة لرجال أعمال موجودين في السجن إثر تفجير فضيحة تركيب السيارات نهاية العام 2019.

كافة هذه الإجراءات استغرقت إلى اليوم  أكثر من ثلال سنوات من الأخذ والرد والشد والجذب دون الوصول إلى أية نتائج، وسط ندرة حادة للمركبات في السوق الوطنية تجاوزت الحدود وبلغت مستويات غير معقولة، حيث قدرها تجمع وكلاء السيارات المحتملين بـ 400 ألف مركبة.

أين دفتر الشروط؟

ويقول الخبير الاقتصادي إسحاق خرشي، أنه من غير المعقول الإعلان عن مفاوضات عالمية مع شركات دولية عملاقة في مجال تصنيع السيارات لتمكينها من دخول السوق الجزائرية، في وقت لم تفرج وزارة الصناعة لحد الساعة عن دفتر الشروط الخاص بالتصنيع أو التركيب، متسائلًا "حول ماذا تفاوض السلطات الجزائرية الأجانب؟ وعلى أي أساس، وما هي النقاط التي قد يتم التطرق إليها إذا كان دفتر شروط التصنيع في حد ذاته غير جاهز، ولم ترتسم صورة التركيب ومعاييره بعد"؟

محدث "الترا الجزائر" يعتبر البحث عن شريك في مجال تركيب السيارات قبل إصدار دفتر الشروط، غير معقول، متسائلًا عن سبب تأخر هذا الدفتر سواء بالنسبة للاستيراد أو التركيب وحتى التصنيع الذي يتحدث عنه البعض، رغم أنهم يدركون أنه حلم بعيد المنال في الظرف الراهن، يضيف المتحدث.

ويشدد الخبير على أن منهجية السلطات في ملف تركيب السيارات خاطئة، وطريقة العمل غير الواضحة تزيد الأمور تعقيدا وتؤخر الشروع في النشاط وتعطل دخول مركبات جديدة لوقت لاحق.

"حيث لا يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع شركة سيارات عملاقة لمباحثة إمكانية استثمارها في الجزائر ونحن لم نحدد بعد شروط هذا الاستثمار"، يقول الخبير خرشي.

ويأتي ذلك في وقت ترفض مصانع سيارات، تحدثت إليها "الترا جزائر" إنتاج ثمانية  أصناف من المركبات مع تحقيق نسبة إدماج عالية لكافة هذه الأصناف، فذلك سيكلفها غاليا، حيث اختارت هذه الأخيرة إنتاج صنفين فقط بنسبة إدماج متزايدة بشكل تدريجي، واستيراد 6 أصناف أخرى، وهو نفس المنهج المتعامل به في كافة دول العالم. 

أزمة مناولة

وبالرغم من أن الحكومة تصر على المضي قدما في ملف تصنيع وتركيب السيارات وعدم العودة إلى الوراء إلا أن أكبر إشكال يبقى يعترض طريقها هو ملف قطع الغيار التي تشهد ندرة حادة والمناولة الغائبة لحد اليوم رغم كل ما يتم الترويج له، حيث كشفت وزارة الصناعة عن التحضير لمرسوم جديد ينظم نشاط المناولة يضمن إعفاءات وتحفيزات للمناولين، ولكن هذا المرسوم لم ير النور لحد اليوم، حيث كان يفترض صدوره بتاريخ 15 حزيران/ جوان الماضي.

ويستبعد خرشي إمكانية صناعة السيارات دون إنتاج قطع غيار محليًا، مضيفًا "مفاوضة مصنعين للسيارات في الماضي كانت صعبة إلا أن المهمة اليوم أكثر تعقيدًا، بسبب ندرة العديد من قطع الغيار عالميًا، ويتعلق الأمر بالدرجة الأولى بالرقائق الإلكترونية، كما أن أزمة الغاز تلعب دورًا كبيرًا في زيادة تعقيد الملف".

وحسب المتحدث، فإن الأزمة العالمية للرقائق الإلكترونية تزداد حدة يوما بعد آخر، إذ أن حوالي 80 بالمائة من الرقائق يتم تصنيعها في طايوان، في حين تظل هذه المصانع اليوم منشغلة بتلبية طلب المصنعين العالميين، على رأسها شركات "مرسيديس" و"أودي" وغيرها.

من جهته، يشدد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عية في تصريح لـ"الترا جزائر" أن أزمة الغاز العالمية تعطل التصنيع أيضًا، حيث تستهلك المصانع نسبة كبيرة من هذا المورد الطاقوي في العالم، وهو ما يجعلها تعمل على تقليص استثماراتها عالميًا حتى ولو كانت في بلد غازي مثل الجزائر.

وبشأن ملف المناولة، يؤكد المتحدث أنه سيشكل حجرة عثرة في وجه هذه الاستثمارات، فالأمر لا يرتبط بتصنيع محرك أو مقود للسيارة، ولكن تصنيع الأجزاء يلعب دورا هاما في رفع نسبة الإدماج التي تعول عليها السلطات، وهو ما يصعب اليوم تحقيقه.

ورغم وجود بعض المناولين مثل شركة "إيريس" التي تصنع عجلات السيارات على سبيل المثال، ولكن تظل غير كافية، فيجب في البداية قبل الحديث عن تصنيع سيارة تشجيع إنتاج قطع الغيار محليًا، وبلوغ على الأقل 2000 مناول، حينها فقط يمكن الحديث عن الشروع في تركيب السيارات في الجزائر وبعدها ب10 سنوات أو 15 سنة الشروع في التصنيع محليا. وبلهجة حادة يقول المتحدث "الأمر ليس هينا كما تظنه وزارة الصناعة، وإنما هو شديد التعقيد ويحتاج دقة في التخطيط وبعد نظر لعدم الوقوع في أخطاء الماضي".

الاستيراد حتمية

وبين التصنيع والتركيب والمناولة يظل وكلاء السيارات المحتملين، أولئك الذين أودعوا ملفات على مستوى الأمانة العامة للجنة التقنية ولجنة الطعون بوزارة الصناعة أعالي العاصمة، والمقدر عددهم بـ 75 وكيلا ينتظرون ردًا على الملفات التي قاموا بتحيينها أكثر من 3 مرات واستجابوا -حسبهم- لكافة التوصيات وعالجوا النقائص ولبوا الطلبات.

ويرى وكلاء السيارات وفقًا لمصادر من تكتل وكلاء السيارات، أن الاستيراد حتمية حتى لو اتجهت السلطات اليوم للتصنيع، فالأمر سيستغرق وقتًا، لذلك ينبغي تلبية حاجيات المواطنين من السيارات، حيث يتجاوز العجز اليوم في السوق 400 ألف مركبة، في حين تضاعفت الأسعار بنسبة 200 بالمائة قبل بداية أزمة السيارات، وأصبح سعر سيارة بسيطة ومستعملة لسنوات يتجاوز 200 مليون سنتيم.

وختم المصدر حديثه لـ"الترا جزائر": "الاستيراد ليس عيبًا وليس نقصًا وليس عدوًا، هناك تضخيم كبير للمصطلح، فهذا الأخير يظل مكملا للتصنيع، ولا يمكن لأي دولة في العالم أن تستغني عنه".

يظل ركوب سيارة جديدة حلمًا يراود غالبية الجزائريين منذ 4 سنوات

وفي النهاية، يظل ركوب سيارة جديدة حلما يراود الجزائريين منذ 4 سنوات، سواءً كانت مستوردة أو مركبة محليًا، فالسوق الوطنية بلغت مستوى كبيرًا من العجز لم نشهده منذ الاستقلال!