16-ديسمبر-2023
أحزاب

(الصورة: Getty)

وعد الرئيس عبد المجيد تبون باستشارة الطبقة السياسية قبل طرح مشروع قانون جديد للأحزاب على البرلمان، بعد الاعتراضات على مسودته الأولى بمن في ذلك الأحزاب المؤيدة للحكومة.

"الترا جزائر" علِم من مصادر خاصة بأنّ نُسخة مطوّرة من مشروع قانون الأحزاب جُهّزت وهي قيد المراجعة على مستوى الأمانة العامة للحكومة، بمشاركة قطاعات وزارية، قبل تقديمها لمجلس الوزراء ثم البرلمان لاحقًا

ونقلت زعيمة المعارضة لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال، عن الرئيس تبون خلال لقاء جمعها به، في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر الجاري، قوله إنه "يعتزم إجراء مشاورات مع الأحزاب حول مشروع قانون الأحزاب "، في ردّه على شكواها بخصوص هذا المشروع الذي تم تسريب نسخة منه، وأثارت المخاوف وخصوصًا البُند 37 منه والمتعلق بتحديد عهدة القيادات الحزبية بعهدتين.

ولم توضّح حنون شكل المشاورات، التي تنوى السلطة تنظيمها مع الأحزاب  ولا موعد عقدها، أو هل سيطلب من الأحزاب  تقديم مقترحات كما تم في السابق خلال صياغة التعديل الدستوري، أو بعد تقديم  المشروع إلى البرلمان، أي عبر اللجنة القانونية للمجلس الشعبي الوطني، وهي مسألة يُتوقع أن تُثير حساسية لدى أحزاب سياسية، وخصوصًا قوى معارضة غير ممثلة في البرلمان ومنها لا يعترف به، وبالاستناد إلى تجارب سابقة حيث محدودية قدرة النواب في تجاوز إملاءات السلطة، أو لاختيارهم الإرادي تبني مطالبها كما تم مع مشاريع سابقة مقيّدة للحريات الإعلامية والنقابية صدرت خلال العام الجاري.

وليست المرة الأولى التي يتلقى تبون مثل هذه المطالب، إذ كان الملف واحد من القضايا التي طرحت عليه من قبل قادة أحزاب أخرى وخصوصًا المعارضة خلال لقاءاته بهم، وفي الاجتماعات الثنائية والمشتركة التي عقدتها الأحزاب في الأشهر الأخيرة، وخلال جلسات مناقشات قانون المالية لـعام 2024 مثلًا، طالب، سنوسة عفيف، رئيس كتلة التجمع الوطني الديمقراطي بمجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان)، يوم 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بـ"التعجيل بإصدار قانون الأحزاب"، و"فتح استشارة واسعة حوله من أجل تكييفه مع أحكام دستور 2020"، مُعيدًا حرفيًا المطلب ذاته الذي رفعته قيادة الحزب في بيان لها  صدر في الثاني من الشهر الجاري.

 مشروع قيد الإثراء

 وجاء التطور الجديد بخصوص مشروع قانون الأحزاب فيما تواصل الحكومة دراسة المشروع، الذي افتتحت ورشته قبل عامين، حيث علم "التر جزائر" من مصادر حكومية أن نُسخة مطوّرة من المشروع جُهّزت وهي قيد المراجعة على مستوى الأمانة العامة للحكومة، بمشاركة قطاعات وزارية، قبل تقديمها لمجلس الوزراء ثم البرلمان لاحقًا.

وتُدرِك الأمينة العامة لحزب العمال خطورة التحديات، التي يفرضها عليها هذا المشروع في حالة نص على تطبيق المادة 37 بأثر رجعي، إذ يؤدي آليا إلى إجبارها على التقاعد السياسي المُبكّر، وهو أمر لن تتحمّله هذه القائدة التي كرّست ثلاثة أرباع عمرها للنضال والعمل السياسي.

وفي هذا السياق من غير المستبعد أن تكون لويزة حنون حصلت على ضمانات بإلغاء العمل بالأثر الرجعي لتحديد العهدات، الذي جرى العمل به في قانون الانتخابات.

توجّس

لقي مقترح تحديد عهدات القيادات الحزبية اهتمامًا من نخب سياسية عدة وخصوصًا قيادات الصف الثاني، وهنا أكّد البرلماني السابق لخضر بن خلاف في تصريح سابق بـ"الترا جزائر" أنّه "أمام استفحال ظاهرة غياب التداول على المناصب القيادية وهشاشة الديمقراطية الداخلية، لا بديل لنا عن إصلاح عميق لمناهج وآليات تسيير الأحزاب."

وأضاف بن خلاف: "لدينا قوى وقيادات لا تتواني في اتهام السلطات باحتكار الحكم فيما هي ترفض التداول الحقيقي على المناصب".

ولما خلّفه هذا المقترح في قانون الأحزاب من تباين وسط السياسيين، يرى عضو مجلس الأمة، محمد الأمين ساحلي، ممثل حزب صوت الشعب أنّ "مراجعة قانون الأحزاب أصبح ضرورة ملحة"، لكن مسألة تحديد عهدات القيادات السياسية "من شأنه إفراغ القوى السياسية من كوادرها وخصوصًا مؤسسيها، وفقه.

وأفاد لـ "الترا جزائر" بأنّ "استمرار قادة الأحزاب في مناصبهم لعهدات عدة أمر منوط بالقاعدة النضالية لهذه الأحزاب، فلها أن تُمدّد أو تحدّ أو تلّقص من مدتها"، محذرًا من "خطورة تحطُّم وزوال أحزاب برحيل قيادييها ومؤسسيها".

 أحزاب قاصرة

 وفي دراسة جديدة عن مسودة مشروع قانون الأحزاب، التي جرى تداولها في الأسابيع الأخيرة، اعتبر الناشط والباحث سمير لرابي، العضو القيادي السابق في الحزب الاشتراكي للعمال المحظور، أنّ "المشروع لا يختلف عن القوانين المصادق عليها سابقًا والتي ترمي إلى المزيد من التقييد للحريات الديمقراطية، مثل ما فعلت مع الحركة النقابية سالفًا"، مما يُبيّن حسبه، أن "السلطة السياسية في الجزائر مازالت تتعامل مع المجتمع وتنظيماته الاجتماعية بأنه قاصر وبأبوية".

وتابع في إفادة لـ"الترا جزائر" بأنّه "فيما يتحدث المشروع التمهيدي عن تكريس وتعزيز مبدأ التعددية الحزبية، تنافي المواد المقترحة هذا التوجه المعلن وتُقيّده أكثر من النصوص العضوية المتعلقة بالأحزاب السياسية منذ بداية التسعينات."

الناشط سمير لرابي: المشروع التمهيدي يتحدث عن تكريس وتعزيز مبدأ التعددية الحزبية، غير أنّ موادًا مقترحة فيه تنافي هذا التوجه المعلن وتُقيّده أكثر من نصوص سابقة متعلقة بالأحزاب السياسية 

وهنا لفت الناشط السياسي إلى أنّ "فقره السياسي (القانون) وكأن مُحرّره مجرّد بيروقراطي لا يخرج من مكتبه بتاتًا وما زال يؤمن بأنّ الأرض مازالت مسطّحة فلغة النص هي أكثر إدارية وليست سياسية".

ونوه سمير لرابي إلى ما وصفه بـ "الخلفية الاستبدادية الهيكلية للسلطة وصناع القرار السياسي بالجزائر من خلال هذه الوثيقة، التي تريد المزيد من القيود السياسية والتنظيمية على حساب الأعراف الديمقراطية والعمل السياسي المستقل."

ليضيف: "من خلال هذا المشروع السلطة تريد التدخل حتى في الحياة الداخلية للأحزاب السياسية وتحويل جميع الأحزاب إلى منظمات جماهيرية تابعة للسلطة وتدير شؤونها كما تدير الإدارة المركزية والمحلية"، منتقدًا أحكام المادة 48 من المشروع التي تنص على "منع أي نشاط سياسي داخل مقرات الأحزاب لغير المنخرطين في الحزب والتي لا تنتمي إلى هذه الأطر السياسية".

واعتبر في السياق أنّ "تحديد العهدات المنصوص عليه في المادة 37 محاولة من السلطة لفرض رقابتها على الأحزاب السياسية عبر تحديد طبيعية الهياكل الحزبية واللجان الدائمة للتنظيم السياسي. أي أنّ الإدارة هي التي تُحدّد الأولويات التنظيمية والسياسية للحزب وليس المناضلين والقيادات الحزبية."

واستغرب محدّث "الترا جزائر" من صياغة المادة 57 من قانون الأحزاب، التي تضبط شروط عقد التحالفات بين الأحزاب السياسية في الانتخابات، قائلًا: "حشرت السلطة أنفها حتى في طبيعة التحالفات السياسية للأحزاب والتصريح به لدى مصالح وزارة الداخلية (المادة 57)، ولوزارة الداخلية حق النظر، القبول والرفض حسب تأويلاتها السياسية."